وحكم المفسَّر: وجوب العمل بما دلّ عليه قطعًا، حتى يقوم الدليل على نسخه، فالمفسَّر: لا مجال لأن يصرف عن ظاهره ويرادَ منه معنًى آخر؛ إذ لا يقبل التأويل ولا التخصيص، وإنما يحتمل النسخ والتبديل، وذلك إذا كان ما دلّ عليه حكمًا من الأحكام الفرعية التي تقبل التبديل. وما لم يقم دليل على النسخ، فوجوب العمل بالمفسَّر قائم.
وحري بنا أن نلاحظ أن النسخ لا يكون إلا بكتاب أو سنّة (^٢)، وما دام الأمر كذلك؛ فمجال النسخ مدة حياة النبي ﷺ إذ لا وحي منزَل، ولا سنّة محدَثة إلا في تلك الحِقبة.
_________________
(١) راجع: "أصول البزدوي" مع "كشف الأسرار" لعبد العزيز البخاري (١/ ٥٠).
(٢) وهذه السنة يجب عند الحنفية أن تكون متواترة أو مشهورة وفق اصطلاحهم في "المشهور" … على تفصيل عند العلماء حول التناسخ في الأحكام بين نصوص الكتاب ونصوص السنّة يرى في موضعه من مباحث النسخ في أصول الفقه والتفسير. وانظر للمؤلف: "مصادر التشريع الإسلامي ومناهج الاستنباط" (ص ١٢٦ - ١٣٥) من مباحث النسخ.
[ ١ / ١٤٣ ]
أما بعد وفاته ﵊: فجميع نصوص الكتاب والسنّة محكمة، لا تقبل النسخ أو الإبطال.
وهكذا يمكن القول بأن كل ما يقوله العلماء عن احتمال النسخ بالنسبة للمفسَّر، أو غيره من: نص، أو ظاهر، فمجاله تلك الحِقبة الزمنية المباركة، وقد انتهى الأمر بانتهائها؛ لأنه لا يوجد بعد الرسول ﷺ سلطة تشريعية، تملك نسخًا أو تبديلًا، واجتهادات الفقهاء التي تأتي من بعد، لا تمنع الاحتمال، حتى الإجماع؛ فإنه لا ينشئ حكمًا وإنما يكشف عن حكم.
هذا: ومن الواضح أن دلالة المفسَّر على الحكم، أقوى من دلالة النص، ومن دلالة الظاهر عليه؛ وما دام الأمر كذلك: فهو يقدَّم على أي واحد منهما، إذا حصل نوع من التعارض، ويُحمَل كلٌّ من النص والظاهر عليه (^١).