والذي يبدو: أن محل النزاع بين الفريقين، هو اختلاف النظرة إلى الاحتمال البعيد - وهو الذي لا تدل عليه قرينة -.
فالفريق الأول، يرى أن هذا الاحتمال، لا عبرة له، فلا يتنافى مع القطعية. بينما يرى الفريق الثاني أن الاحتمال - وإن كان بعيدًا - يتنافى مع القطعية؛ فهو يوجب العمل دون العلم.
_________________
(١) هو محمد بن محمد بن محمود الماتريدي نسبة إلى "ماتريد" - محلة بسمرقند - وهو من أئمة علماء الكلام، له كتب في التوحيد وأصول الفقه والجدل، من كتبه: "مآخذ الشرائع" في أصول الفقه، و"شرح الفقه الأكبر" المنسوب لأبي حنيفة. مات بسمرقند سنة ٣٣٣ هـ.
[ ١ / ١٣١ ]
وهكذا يُرى أنه بمقدار تقويم الاحتمال البعيد، وأثره عند كل فريق، كانت النظرة إلى حكم الظاهر وحكم النص.
فالفريق الأول، قال بالقطعية، والفريق الثاني، قال بالظنية.
وصاحب "كشف الأسرار" - وهو من القائلين بالقول الأول - أوضح ذلك بقوله: (وحاصله: أن ما دخل تحت الاحتمال، ولو كان بعيدًا، لا يوجب العلم، بل يوجب العمل عندهم، كما في خبر الواحد والقياس، وعندنا، لا عبرة للاحتمال البعيد، وهو الذي لا تدل عليه قرينة لأن الناشئ عن إرادة المتكلم - وهي أمر باطن - لا يوقف عليه، والأحكام لا تعلق بالمعاني الباطنة، كرخص المسافر لا تتعلق بحقيقة المشقة، والنسب لا يتعلق بالإعلاق، والتكليف لا يتعلق باعتدال العقل، لكونها أمورًا باطنة؛ بل بالسفر الذي هو سبب المشقة، والفراش الذي هو دليل الإعلاق، والاحتلام الذي هو دليل اعتدال العقل) (^١).
واضح أن المراد من القطع هنا معناه الأعم، وهو عدم احتمال اللفظ غير معناه احتمالًا ناشئًا عن دليل.
فليس القطع في (الظاهر)، و(النص)، هو ذلك القطع الذي نراه في (المفسَّر) الذي لا يحتمل إلا النسخ في حياة الرسول ﷺ، أو الذي نراه في (المحكم) الذي لا يقبل حتى النسخ - كما سيأتي في المفسّر والمحكم -.
وإذن فالعمل واجب قطعًا ويقينًا على الرأي الأول، مع وجود الاحتمال البعيد، أو ما هو أبعد منه، حسب درجة الوضوح في الظاهر والنص، فقد علمنا أن الاحتمال واقع في كل منهما، ولكن هذا الاحتمال في النص أبعد منه في الظاهر.
وإذا كان المراد بالظن معناه الأعم أيضًا (^٢) - وهو أن يحتمل اللفظ غير
_________________
(١) انظر: "كشف الأسرار" لعبد العزيز البخاري (١/ ٤٨).
(٢) أورد صاحب "فواتح الرحموت" الرأيين ثم قال: (وما وقع من عبارات بعض المشايخ رحمهم الله تعالى من أن النص والظاهر ظنيان في الدلالة: فمرادهم الظن بالمعنى الأعم). انظر: "فواتح الرحموت" (٢/ ١٩) مع "المستصفى".
[ ١ / ١٣٢ ]
معناه احتمالًا ناشئًا عن دليل، أو احتمالًا غير ناشئ عن دليل - فالخلاف، يكاد يكون لفظيًا؛ لأن الفريقين متفقان على احتمال النص والظاهر، غير معناهما، احتمالًا غير ناشئ عن دليل.
ولعل في كلام عبد العزيز البخاري نفسه، ما يؤيد الذي أشرنا إليه (^١).
كما أن صاحب "التلويح"، بعد أن ذكر الرأي القائل بأن حكم كل من الظاهر والنص، وجوبُ الحكم قطعًا ويقينًا، وعلَّله بأن الاحتمال - وإن كان بعيدًا - قاطعٌ لليقين، وبعد أن أورد الرد على هذا القول، بأنه لا عبرة باحتمال لم ينشأ عن الدليل قال:
(والحق أن كلًا منهما قد يفيد القطع - وهو الأصل - وقد يفيد الظن، وهو ما إذا كان احتمال غيرِ المراد: مما يعضده دليل) (^٢).