وقد جريتُ في البحث على وضع القاعدة في موضعها من التطور التاريخي، حيث عملت على مراعاة التسلسل الزمني، فلا أعرض للرأي إلا حسب أسبقية وجوده زمنًا. وكنت أعود إلى اللغة وعرف الشريعة ومفهوم الصحابة والتابعين إذا أعوز الأمر، لإيضاح القاعدة ووضعها في إطارها من الضبط.
أما من الناحية التطبيقية: فعندما يكون النص قرآنيًا: أعود لما ورد من تفسير له في كتاب أو سنة أو شيء من آثار السلف ثم أقوال المفسرين، وفي ضوء ذلك يكون الحكم على مقدار انطباق القاعدة على النص.
وإذا كان النص واحدًا من نصوص السنّة: كان الأمر يقتضيني العناية بتخريج الحديث، وبيان ما قاله علماء الاختصاص فيه، ثم العودة إلى صنيعنا في النص القرآني، لنرى ما إذا كان هنالك ما يستعان به على تفسير الحديث: من كتاب أو سنّة أو أثر من آثار السلف، يظهر فيه استنباطهم للحكم كيف كان، كما يبدو فيه إلى أي حد يتفق أو يختلف ما سلكه المتأخرون بالنسبة لما سلكه المتقدمون.
ومسألة انطباق القاعدة على النص المراد استخراج الحكم منه: مسألة تَحُلُّ كثيرًا من العُقَد؛ لأنها توضح إلى أي حد استطاع أصحاب القاعدة، أن يلتزموا قاعدتهم عند الاستنباط، ورد الفرع إلى الأصل، وإيضاح النسبة بينهما؛ فقد تكون النسبة صحيحة، وقد لا تكون.
على أن هذا لم يُعْفِ من الوقوف موقف البحث في الفرع الفقهي، مع النظر في نصوص الكتاب والسنّة وآثار السلف، ثم في كلام الفقهاء في الموضوع. ولقد حرصتُ على أن آخذ الأحكام من كتب أصحابها، لا من نقل أهل مذهب عن مذهب آخر.
ويجدر بنا أن نقرر: أن عرض القواعد، وتطبيقها على النصوص، كان من حيث الأصل على الطريقتين المعروفتين في أصول الفقه، وهما طريقة المتكلمين وطريقة الحنفية، غير مهمل ما أرى في غيرهما، مع المقارنة دائمًا
[ ١ / ١٥ ]
بين ما ذهب إليه العلماء في كل من الطريقتين المذكورتين، أو في داخل الطريقة نفسها، أو من خارج الاتجاه، والعناية بمواقف الظاهرية حين يلزم الأمر، مع بيان رأينا الخاص وترجيح ما نختاره بالدليل.
أقول هذا غير ناسٍ أن الحديث عن مسالك الشيعة والزيدية والإباضية داخلٌ في إطار الحديث عن طريقة المتكلمين؛ على أني كنت أفرد كل فريق بالذكر حين أرى لزومًا لذلك.
ثم إني بعد ذلك كله لم أجد بدًا من استخدام التطبيقات القانونية، فجئت بأمثلة تطبيقية من القانون على كثير من القواعد، الأمر الذي يبين إمكان الإفادة من قواعد التفسير عندنا في فهم النصوص القانونية، كما أسلفت، ولقد عملت على المقارنة في عدد من المسائل التي جرى بحثها عند رجال القانون، كما في دلالة النص ونسبتها من القياس، والأخذ بمفهوم الموافقة بوجه عام، والأخذ بمفهوم المخالفة، حيث ينبني على هذه الضوابط العامة آثار كثيرة في التفريع.
وإني إذ أقدّم هذا البحث المتواضع، لا أزعم لنفسي أنني أشفيت على الغاية، ولكنها محاولة إسهام في أمر أعتقد أنه بالغ الخطورة في كياننا الفقهي، وثروتنا التشريعية العظيمة، خصوصًا أن موضوع تفسير النصوص - إلى جانب أهميته الأصيلة في ذاته - كان ملتقى عدد من علوم الإسلام؛ من لغة، وتفسير، وأصول، وفقه، وحديث، ومصطلح، واختلاف، وغير ذلك، كالمنطق وما إليه، الأمر الذي يخدم هذا الركن من أركان التشريع، وهو الاستنباط من النص، عن طريق فهمه، والكشف عن معانيه ومدلولاته.
ولقد يبدو الأمر أكثر أهمية، إذا كنا على ذكر من أن مناهج تفسير النصوص التي يحتويها أصول الفقه، قد دخلت منذ زمن غير يسير طور الجمود على الشكل النظري في أذهان كثير من المؤلفين، وذلك ما باعدها عن السمة العملية التي هي طابعها الأصيل من قبل، ولعل الكشف اليوم عن خصائصها العظيمة، مع التطبيقات العملية، والعناية بربط الفروع والأحكام بالقواعد التي تنتمي إليها من الأصول، يساعد - بتعاون الباحثين - على أن تؤدي هذه المناهج دورها من جديد في عالم الفقه والقانون.
[ ١ / ١٦ ]
هذا: وقد كان من توفيق الله إعداد الفهارس العلمية المنوّعة التي تلقي الضوء على ما زخرت به حواشي الكتاب، وتيسَّر الانتفاع بها، خصوصًا ما كان من الإحالات على المصادر، وإثبات الكثير من النصوص الموضحة للمراد والمؤيدة لأقوال أصحابها. ناهيك عن التوثيق والتخريج، وأني لم أدع أن أترجم لكل علم من الأعلام تدعو حاجة البحث لترجمته، وعلى كل؛ فصفحات الحواشي تفصح عن نفسها. علمًا بأنه كان من توفيق الله تعالى: أن التفاعل مع موضوع بحثنا "تفسير النصوص" حملني على تحقيق كتاب "تخريج الفروع على الأصول" للإمام الزنجاني وهو الكتاب الذي كان فريدًا في عصره، حيث وقعت على نسختين مخطوطتين له، مع عملي في الرسالة، وطبعته جامعة دمشق قبل مناقشة الرسالة بسنتين وذلك عام ١٩٦٢ م، ولله الحمد في الأولى والآخرة وعليه التكلان في كل حال.