هذا: ونودُّ أن نقرر أن تفسير نصوص الأحكام من الكتاب والسنّة بالمعنى الذي قررناه والذي اعتبر نوعًا من الاجتهاد، هو من التفسير المحمود الذي ترضى عنه الشريعة، ولا يتعارض مع مبادئ الكتاب والسنّة، فكله كائن فيما وراء بيان النبي ﷺ، وما أثر عن سلف هذه الأمة.
والذي يدعونا إلى ذلك: ما ثار من اختلاف بين العلماء - فيما يختص بتفسير القرآن - حول القول فيه بالرأي؛ فمن مجيز ومن محرَّم، وكان مردُّ ذلك آثارًا وردت في الموضوع، دعت إلى تعدد الأنظار، وتنوع المذاهب والمسالك.
فقد روى سعيد بن جبير (^٢) عن ابن عباس (^٣) أن رسول الله ﷺ قال:
_________________
(١) انظر ما يأتي في مباحث العام والخاص.
(٢) هو سعيد بن جبير بن هشام الكوفي مولى والبة، روى عن ابن عباس وابن الزبير وابن عمر وغيرهم، وكان من كبار أئمة التابعين ومقدِّميهم في التفسير والحديث والفقه، وممن عُرف بالنُّسك والعبادة، والصدع بالحق، روي أن عبد الله بن عباس كان إذا حجّ وجاءه أهل الكوفة وسألوه يقول: أليس فيكم ابن أم الدهماء - يعني سعيد بن جبير -. وقال ميمون بن مهران: لقد مات ابن جبير وما على ظهر الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه، مات ﵀ مقتولًا على يد الحجاج سنة ٩٥ هـ عن تسع وأربعين سنة، وقيل: عن سبع وخمسين سنة.
(٣) هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي ابن عم رسول الله ﷺ يقال له: =
[ ١ / ٥٥ ]
"اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم، فمن كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار" (^١).
وروي عن جندب أن رسول الله ﷺ قال: "مَن قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ" (^٢) وقد ورد عن أبي بكر الصدّيق ﵁ قوله: "أي أرض تُقِلُّني وأي سماء تُظِلُّني إذا قلت في القرآن برأيي" (^٣).
وكان جماع ما ذهب إليه الأكثرون من سلف هذه الأمة وخلفها - على تنوُّع السبل التي أُثرت عنهم في ذلك -: حمل هذه النصوص على التفسير الذي يخرج عن سَنن الشريعة في كتابها وسنتها ولسانها.
فهذا إمام المفسرين أبو جعفر الطبري (^٤) يرى أن ذم التفسير بالرأي
_________________
(١) = الحبر والبحر لكثرة علمه، وقد دعا له رسول الله ﷺ بقوله: "اللهم فقّهه في الدين وعلِّمه التأويل"، وقد انتهت إليه الرياسة في الفتوى والتفسير، وكان أكثر الصحابة فتيا، وهو أحد العبادلة الأربعة، وأحد الستة المكثرين لرواية الحديث، وقد شهد كبار الصحابة والتابعين بعلمه ومعرفته. قال ابن مسعود: نِعم ترجمان القرآن ابن عباس. وكان ابن عمر يقول: (ابن عباس أعلم أمة محمد بما أُنزل على محمد). وعلى ابن عباس يدور علم أهل مكة في التفسير والفقه، توفي ﵁ بالطائف سنة ٦٨ هـ عن واحد وسبعين عامًا.
(٢) رواه ابن جرير الطبري، وقد أخرجه الترمذي والنسائي وأبو داود، وقال الترمذي: حديث حسن. وانظر: "جامع الأصول" لابن الأثير الجزري (٤٧٠). هذا وقد جاء الحديث بروايات متعددة كلها تدور على عبد الأعلى بن كثير (١/ ٥١) وانظر: تحقيق الشيخ أحمد شاكر في "تفسير الطبري" (١/ ٧٧) و(يتبوأ) أي ينزل ويحل.
(٣) أخرجه ابن جرير الطبري (١/ ٧٩)، قال ابن كثير بعد نقل الخبر عن أبي جعفر: كما أخرجه أبو داود (٣٦٥٢) والترمذي (٢٩٥٢) والنسائي من حديث سهيل بن أبي حزم القطيعي كما قال المنذري، وقال الترمذي: (غريب، وقد تكلم بعض أهل العلم في سهيل). راجع: "تفسير الطبري" (١/ ٧٩)، "تفسير ابن كثير" (١/ ٥١) وانظر "تفسير القرطبي" (١/ ٢٧).
(٤) انظر: "تفسير القرطبي" (١/ ٧٨) "تفسير ابن كثير" (١/ ٥) و(نقلني) أي تحملني. أقل الشيء واستقله: رفعه وحمله. وقد ورد مثل الذي قاله أبو بكر عن عدد من الصحابة والتابعين، "تفسير القرطبي" (١/ ٢٩) فما بعدها، "مقدمة في أصول التفسير" لابن تيمية (ص ٢٦).
(٥) هو محمد بن جرير بن يزيد، أبو جعفر، إمام المفسرين والمؤرخين - المجتهد - =
[ ١ / ٥٦ ]
محمول على ما كان من تأويل نصوص الكتاب، بما لا يدرَك علمُه إلا بنص بيان من رسول الله ﷺ، أو بدلالة قد نصَّها دالةٍ أمته على تأويله. وذلك كما في تفصيل مجمله، ووظائف حقوقه وحدوده، ومبالغ فرائضه ومقادير اللازم بعض خلقه، وما أشبه ذلك من أحكام آي الكتاب التي لم يدرك علمها إلا ببيان رسول الله ﷺ لأمته.
فقد أتى أبو جعفر بالآثار الواردة في النهي عن القول في القرآن بالرأي، وبعد أن أوضح حَمْلَ ذلك على القول فيما لا يدرك علمه إلا ببيان من الرسول صلوات الله وسلامه عليه قال: (بل القائل في ذلك برأيه - وإن أصاب الحق فيه - فمخطئ فيما كان من فعلٍ يقبله فيه برأيه لأن إصابته ليست إصابة موقن أنه محق، وإنما هو إصابة خارص وظان. والقائل في دين الله بالظن قائل على الله ما لم يعلم).
قال أبو جعفر (وقد حرّم الله جلّ ثناؤه ذلك في كتابه على عباده فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف] (^١).
وإذن: فما كان وراء ذلك، فجائز القول فيه بالرأي، ولا يدخل في نطاق المحظور المنهي عنه.
وجاء الغزالي المتوفى سنة ٥٠٥ هـ فزاد الأمر وضوحًا، حين قرر أن التفسير بالرأي جائز إلا في موضعين:
الموضع الأول: أن يكون التفسير بالهوى، أو بأن يكون للمفسِّر في موضوع الآية رأي معين، وله ميل إليه بطبعه، فيتأول النص القرآني على
_________________
(١) = اللغوي، الثقة. ولد في آمل طبرستان. واستوطن بغداد وتوفي بها. ومن مصنفاته: تفسيره العظيم المسمى "جامع البيان عن تأويل أي القرآن"، "أخبار الرسل والملوك" ويعرف بـ "تاريخ الطبري"، "القراءات" وغيرها. توفي ﵀ سنة ٣١٠ هـ.
(٢) انظر: "تفسير الطبري" (١/ ٧٨ - ٧٩).
[ ١ / ٥٧ ]
وفق رأيه وهواه: ليحتج به على تصحيح غرضه وما يجنح إليه، ولو لم يكن له ذلك الميل، لم يطرق ذلك الباب من التفسير.
وقد بيّن أبو حامد أن هذا تارة يكون مع العلم؛ كالذي يحتج ببعض آيات القرآن على تصحيح بدعته، وهو يعلم أنه ليس المراد بالآية ذلك، ولكن يلبِّس به على خصمه.
وتارة يكون مع الجهل، وذلك إذا كانت الآية محتملة فيميل فهمه إلى الوجه الذي يوافق غرضه، ويرجح ذلك الجانب برأيه أي أن رأيه هو الذي حمله على ذلك التفسير، فلولا رأيُه: لما كان يترجح عنده ذلك التفسير.
وتارة يكون له غرض صحيح، فيطلب له دليلًا من القرآن ويستدل عليه بما يعلم أنه ما أريد به، كالذي يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي فيقول: قال الله ﷿: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤)﴾ [طه] ويشير إلى قلبه، ويومئ إلى أنه المراد بفرعون. وكالذي يدعو إلى الاستغفار بالأسحار فيستدل بقوله ﷺ، فيما رواه الشيخان: "تسحّروا فإن في السحور بركة" وهو يعلم أن المراد به الأكل.
وهذا الجنس قد يستعمله بعض الوعّاظ في المقاصد الصحيحة تحسينًا للكلام وترغيبًا، وهو ممنوع. وقد تستعمله الباطنية في المقاصد الفاسدة، لتغرير الناس ودعوتهم إلى مذهبهم الباطل. وينزِّلون القرآن على وفق رأيهم ومذهبهم على أمور يعلمون قطعًا أنها غير مرادة (^١). فهذا هو الرأي المذموم المنهي عن القول به.
وعلى ذلك: تكون النصوص الواردة في النهي عن القول في القرآن بالرأي، منصبّة على هذا الرأي الفاسد الذي كان قوامه الهوى، لا الاجتهاد الصحيح.
الموضع الثاني: المسارعة إلى تفسير نصوص الكتاب، بظواهر الألفاظ
_________________
(١) انظر: "إحياء علوم الدين" (١/ ٤٣، ٢٩٨)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (١/ ٢٨ - ٢٩).
[ ١ / ٥٨ ]
في الآيات، من غير معرفة بالمنقول من الآثار في موضوعها، كما في أخبار الصحابة الذين شاهدوا التنزيل، وأدُّوا إلينا من السنن ما يكون بيانًا للكتاب، ومن غير مقابلةٍ لتلك الآيات بعضها ببعض حسب موقع كل منها من السياق وسبب النزول، كل ذلك مع التعرِّي عن معرفة الأعراف الشرعية؛ التي أدخلت كثيرًا من المعاني في ظهور جديد وعدم العلم بغرائب القرآن ومبهماته وأساليبه البيانية من إضمار، وحذف، وتقديم، وتأخير، وغير ذلك، وأساليب الاستنباط منه، من معرفة وجوه دلالة الألفاظ على معانيها، وحمل العام على الخاص، والمطلق على المقيد.
فالتفسير في مثل هذه الحال: تفسير بالرأي، عارٍ عن مؤهلات النظر ووسائل المعرفة بمدلولات نصوص الكتاب، يعرض صاحبه للزلل والانحراف.
فمَن لم يُحكم ظاهر التفسير، وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية - كما يقول الغزالي - كثر غلطه، ودخل في زمرة من يفسر بالرأي، وعلى هذا: فلا بد - إلى جانب العربية - من السماع والنقل في ظاهر التفسير أولًا ليتقي به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع للتفهُّم والاستنباط (^١).
ومما لا شك فيه: أن الغرائب التي لا تفهم إلا بالسماع كثيرة، ولا مطمع في الوصول إلى الباطن - وهو ما يستنبطه العلماء من دقيق المعاني - إلا بإحكام الظاهر (^٢)، ففي قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٩] المعنى وأتينا ثمود الناقة معجزة واضحة، وآية مبينة، على صدق رسالته،
_________________
(١) راجع: "إحياء علوم الدين" للغزالي (١/ ٢٩٨)، "تفسير القرطبي" (١/ ٢٨ - ٢٩)، "مصادر الفقه الإسلامي الكتاب والسنّة" لأستاذنا محمد أبي زهرة (ص ٥٥).
(٢) انظر: "الإحياء" (١/ ٩٢٨)، "مقدمة التفسير" للراغب الأصفهاني (٤٢٢ - ٤٢٢)، "تفسير القرطبي" (١/ ٢٩)، "التفسير والمفسرون" لمحمد حسين الذهبي (١/ ٢٥٩). هذا وقد عني العلماء ببيان مبهمات القرآن وجعلوه نوعًا من علوم هذا الكتاب حتى أفرده الإمام جلال الدين السيوطي برسالة عنوانها: "مفحمات الأقران في مبهمات القرآن".
[ ١ / ٥٩ ]
فظلموا أنفسهم بعقرها؛ فالأخذ بظاهر العربية فحسب، يجعل الناظر في الآية يظن أن لفظ (مبصرة) هو من الإبصار بالعين، وهو حال من الناقة وصفٌ لها في المعنى، ولا يدري بعد ذلك بماذا ظلموا أنفسهم وغيرهم. فهذا من الحذف والإضمار، وأمثال ذلك في القرآن كثير (^١).
ومن هنا قال ابن عطية في معنى خطأ القائل في القرآن برأيه وإن أصاب: (ومعنى هذا أن يُسألَ الرجل عن شيء من كتاب الله ﷿، فيتسور عليه برأيه دون نظر فيما قال العلماء، أو اقتضته قوانين العلم: كالنحو والأصول، وليس يدخل في هذا الحديث أن يفسر اللغويون لغته، والنحويون نحوه، والفقهاء معانيه، ويقول كل واحد باجتهاده المبني على قوانين علم ونظر، فإن القائل على هذه الصفة: ليس قائلًا لمجرد رأيه).
وقال القرطبي بعد أن نقل هذا الكلام: (قلت هذا صحيح وهو الذي اختاره غير واحد من العلماء، فإن من قال بما سنح في وهمه، وخطر على باله من غير استدلال عليه بالأصول: فهو مخطئ، وإن من استنبط معناه بحمله على الأصول المحكمة المتفق على معناها: فهو ممدوح) (^٢).