أشرنا فيما سبق إلى أن ما نعنيه بالنصوص: هو نصوص الأحكام في الكتاب والسنّة، ذلك أن إليهما مرد سائر الأدلة الأخرى، فهما منبعها الأصيل وموردها الذي تستقي منه.
غير أن هذه النصوص لا تتسم كلها بطابع القطعية. صحيح أن نصوص الكتاب قطعية الثبوت؛ ولكن منها ما هو ظني الدلالة في كثير من الأحيان. وما صحّ من نصوص السنّة فهو قطعي الثبوت في حالة التواتر، والمتواتر
_________________
(١) بعد أن ذكر الشافعي ما يجب توافره في القائس - من المعرفة بالكتاب والسنّة، والصحة في العقل، والقدرة على التفريق بين المشتبه، والأناة في القول، وبلوغ غاية الجهد في ذلك مع الإنصاف من نفسه حتى يعرف من أين قال ما يقول، وترك ما يترك -: قال: (فأما مَن تمّ عقله ولم يكن عالمًا بما وصفنا فلا يحل له أن يقول بقياس، وذلك أنه لا يعرف ما يقيس عليه كما لا يحل لفقيه عاقل أن يقول في ثمن درهم ولا خبرة له بِسَوْقه. ومن كان عالمًا بما وصفنا بالحفظ لا بحقيقة المعرفة: فليس له أن يقول أيضًا بقياس لأنه قد يذهب عليه عقل المعاني. وكذلك لو كان حافظًا مقصر العقل، أو مقصرًا عن علم لسان العرب: لم يكن له أن يقيس من قبل نقص عقله عن الآلة التي يجوز بها القياس). "الرسالة" بتحقيق أحمد محمد شاكر (ص ٥٠٩ - ٥١١)، وانظر: "اختلاف الحديث" (ص ٤٨ - ٤٩) بهامش الجزء السابع من "الأم" للشافعي أيضًا.
[ ١ / ٧٦ ]
من هذه النصوص قليل، وعلى هذا فإن نصوصًا كثيرة تبقى في دلالتها عند حدود الظنية. وما ليس بمتواتر من السنّة فهو ظني الثبوت وإن كانت هذه الظنية - وفق ما أشرنا من قبل - لا تعني الشك في الصحة بعد ثبوتها عند أهل الجرح والتعديل. لأن التعبير بالظن مسألة اصطلاحية بمقابل القطع بالتواتر، ويمكن القول بأنها غلبة ظن أقل ما تفيده: علم الطمأنينة، ذلك بأن تزكية علماء الجرح والتعديل والحكم على الحديث بالقبول لأنه المتصل السند من أوله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة: أقوى من تزكية الشاهدين عند القاضي. يعرف هذا من دراسة قواعد الجرح والتعديل وكل ما يتعلق بالحكم على النص عند المحدثين جزاهم الله كل خير، وقد يكون ظني الدلالة.
ومجال الاجتهاد في التفسير: هو النصوص الظنية سواء أكان ذلك من ناحية ثبوتها، أم من ناحية دلالتها؛ والظن من ناحية الدلالة يكون في الكتاب كما يكون في السنّة. والأمثلة على ذلك كثيرة وفيرة، ولعل أكثر ما سنقدمه من نصوص فيما يأتي من مباحث موضوعنا: كان مجالًا للاجتهاد، وميدانًا لتطبيق قواعد التفسير.
وإذا أعجلتنا رغبة القارئ في إعطاء المثال: فلنقف عند النص التالي: يقول تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
فهذا النص يضم إلى قطعيته من ناحية الثبوت - لكونه قرآنًا - أنه قطعي في وجوب اعتداد المرأة بثلاثة قروء، إذ إن وجوب اعتداد المطلقة هذه الحِقبة الزمنية: دلّ عليه لفظ (ثلاثة) الذي هو عدد، والعدد خاص قطعي الدلالة لا يحتمل البيان، فكان الحكم قطعيًا لا يقبل الاجتهاد. إذ لا اجتهاد في مورد النص.
ولكن تحديد مدلول لفظ "القرء" والمراد منه، أهو الحيضة أم الطهر؟ يبقى مجالًا للاجتهاد عند تفسير النص، بحيث يكون على المجتهد البحث عن القرائن والمؤيدات التي تهدي إلى المراد من القرء؛ لأنه لفظ مشترك في أصل الوضع؛ فقد جاء عن العرب - كما هو منصوص - استعماله في
[ ١ / ٧٧ ]
الحيضة كما جاء استعماله في الطهر. وهكذا كان هذا النص القرآني، مجالًا للاجتهاد، لما كان من الظنية في دلالته على الحكم المراد (^١).
هذا: وإن وسيلة المفسِّر في هذه الحدود من الاجتهاد، معرفةً بنصوص الأحكام من الكتاب والسنّة، وعلم بالعربية التي نزل بها الكتاب، وبالبيئة العربية التي نزل فيها الوحي. كل أولئك إلى معرفة بأسباب النزول وتاريخه، والضوابط التي وضعها العلماء لتفسير النص، والكشف عن معانيه ومدلولاته عندما يراد الاستنباط.
ولعل من الخير أن تقرر أن ما سندركه من قواعد التفسير: هو التطبيق العملي لهذه المعالم التي لا بد من توافرها، لمن يريد مواجهة النص، ليستنبط منه الحكم، ويدرك معناه على شكل سليم.
* * *
_________________
(١) انظر: "الصاحبي في فقه اللغة" (ص ٦٥)، وانظر: "أصول الفقه" للشيخ زكريا البرديسي (ص ٤٦٥ - ٤٦٦)، وراجع ما يأتي من مباحث المشترك.
[ ١ / ٧٨ ]