لا خلاف بين رجال القانون، في أن التفسير يرد على النصوص التشريعية المراد تطبيقها؛ إذ إن القواعد التشريعية توضع في صورة كتابة رسمية، من سلطة مختصة يناط بها أمر التشريع.
وعندما تريد جهة ما، استخلاص معنى القاعدة القانونية من مدلولات
_________________
(١) انظر: "أصول القانون" للسنهوري وأبو ستيت (ص ٢٣٥).
[ ١ / ٩١ ]
الألفاظ التي عبّر بها المشرع: يقتضيها ذلك تفسير هذه الألفاظ التي تكوَّن منها النص القانوني لمعرفة حقيقة معناها الذي تدل عليه.
وإذا كان التفسير يرد على النصوص التشريعية، فهو يرد إذن على بعض الكتب الدينية، التي تعتبر مصدرًا للأحكام القانونية؛ كالتوراة والقرآن، وسنّة الرسول ﵊.
ولكن هل يرد التفسير على القواعد العرفية (^١)؟
لقد اختلفت الآراء في ذلك؛ فالأكثرون على أن التفسير لا يرد إلا على المصدر الذي يأتي باللفظ والمعنى معًا، والقاعدة العرفية ليست كذلك (^٢).
ويعطي بعض الفقهاء التفسير معنًى أوسع، بحيث لا يقتصر على القواعد التشريعية وغيرها من المصادر الرسمية، وإنما يشمل أيضًا البحث عن الحكم الواجب إعطاؤه لما يعرض في العمل من فروض لم تواجهها تلك القواعد، ومن ذلك: القواعد العرفية وذلك لإعطاء حكم في واقعة جديدة لم يتناولها نص القاعدة التشريعية (^٣).
والذي نميل إليه: هو قصر التفسير على المصدر الذي يأتي باللفظ
_________________
(١) القاعدة العرفية: (هي التي تنشأ عن العرف وهو سلوك الناس في مسألة معينة على نحو خاص).
(٢) جاء في "أصول القانون" للسنهوري، وأبو ستيت (أن التفسير لا يكون إلا بالنسبة للمصدر الذي يأتي بالمعنى واللفظ معًا، وهذا الوصف لا ينطبق إلا على التشريع، وبعض الكتب الدينية التي تعتبر مصدرًا للأحكام القانونية كالقرآن والتوراة، أما مصادر القانون الأخرى: فلا حاجة إلى تفسيرها، لأنها عبارة عن معنى مستقر لا يقيده لفظ خاص). انظر: "أصول القانون" (ص ٢٣٦).
(٣) انظر: الدكتور حسن كيرة في "المدخل" (ص ٥١١ - ٥٢٢) حيث قرر أن التفسير هو الوقوف على ما تتضمنه القاعدة القانونية من حكم والبحث عن الحكم الواجب إعطاؤه لما قد يعرض في العمل من فروض لم تواجهها القاعدة القانونية، وبعد أن بيّن ورود التفسير على كل القواعد أيًا كان مصدرها الرسمي قال: (فمشكلة التفسير إذن مشكلة عامة تثار بصدد كل المصادر الرسمية للقانون ثم تتجاوز ذلك كله - عند نقصها - إلى المصادر الأولية المكونة لجوهره).
[ ١ / ٩٢ ]
والمعنى معًا؛ لأن التوسع في معنى التفسير حتى يشمل ما وراء ذلك - وفيه البحث عن القواعد العرفية - تجاوز للمعنى الاصطلاحي للتفسير الذي هو: (بيان معنى القاعدة القانونية بتحديد مدلول الألفاظ التي عبّر بها المشرع) وهو معنًى لا ينبو أيضًا عن المعنى اللغوي للتفسير الذي هو الكشف والإظهار.
فالقاعدة العرفية - كما مر - ليست نصًا مكتوبًا يحتوي على اللفظ والمعنى، ولكنها ثمرة لاعتياد الناس سلوكًا معينًا في أمر معين، فهذه القاعدة، وإن كانت تحتاج إلى بيان وإيضاح، ولكن ذلك يختلط في البحث عن سلوك الأفراد واستقراء عاداتهم، لتبين وجود تلك القاعدة، فإذا دلّ الاستقراء على وجودها: كان ذلك في الغالب سبيل الوصول إلى معناها المراد عند أولئك الأفراد الذين انتظم سلوكَهم ذلك العرف.
وإذا كان الأمر كذلك، لم تكن القاعدة العرفية محلًا للتفسير (^١).
* * *