أما حجة الإسلام الغزالي: فقد جاءنا - إلى جانب المسلكين السابقين في تعريف النص - بمسلك ثالث، فوجدناه يعرف النص بأنه: (ما لا يتطرق إليه احتمال مقبول يعضده دليل). وقد ذكر ذلك مفصّلًا. في "المستصفى"، حين بيّن أن النص اسم مشترك يطلق في تعارف العلماء على ثلاثة أوجه:
الأول: ما أطلقه الشافعي ﵀؛ فإنّه سمى الظاهر نصًا، وهو منطبق على اللغة (^٣).
الثاني: - وهو الأشهر -: ما لا يتطرق إليه احتمال أصلًا، لا على قرب
_________________
(١) مفهوم الموافقة هو: دلالة اللفظ على حكم في المسكوت أوْلى أو مساوٍ لحكم المنطوق وذلك لاشتراكهما في علة تُدرَك بمجرد معرفة اللغة. وسيأتي تفصيل ذلك في مبحث الدلالات.
(٢) "البرهان" مخطوطة دار الكتب المصرية. نسخة مصورة (١/ لوحة ١١٠).
(٣) قال الغزالي هناك: (معنى هذا: حدُّه حدُّ الظاهر وهو اللفظ الذي يغلب على الظن فهم معنى منه من غير قطع، فهو بالإضافة إلى ذلك المعنى الغالب ظاهر ونص) "المستصفى" (١/ ٣٨٥).
[ ١ / ١٧١ ]
ولا بُعد؛ كالخمسة مثلًا، فإنه نص في معناه لا يحتمل السنة ولا الأربعة، وكذلك لفظة الفرس لا تحتمل البعير أو غيره.
الثالث: التعبير بالنص، عما يتطرق إليه احتمال مقبول ناشئ عن دليل. أما الاحتمال الذي لا يعضده دليل: فلا يُخرج (اللفظَ) عن كونه نصًا (^١).
وقد مال الغزالي إلى الإطلاق الثاني؛ معللًا ذلك بأن هذا الإطلاق، أوجه وأشهر، وعن الاشتباه بالظاهر أبعد.
ومن هنا جاء في "المنخول" - كما نقل الزركشي - قوله: (والمختار عندنا أن النص لا يتطرق إليه تأويل) (^٢).
وهذا لا يتنافى عنده مع صحة إطلاق النص على الظاهر، على ما ذهب إليه الإمام الشافعي والقاضي، فذلك في نظر الغزالي صحيح لغة وشرعًا؛ لأنه ظاهر اللفظ.
وهكذا نرى أن اختيار الغزالي للقول الثاني في النص، لم يكن لعدم جواز إطلاق النص على الظاهر، وإنما كان لشهرة هذا القول أولًا، ثم لما يترتب على هذا الإطلاق: من عدم التباس واحد من الظاهر والنص بالآخر ثانيًا.
ومن أمثلة النص في الكتاب:
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢].
وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١].
ومن أمثلته في السنّة:
قوله ﷺ: "في خمس ذود شاة" (^٣) وغير ذلك من الألفاظ الصريحة في الأحكام.
_________________
(١) انظر: "المستصفى" (١/ ٣٨٤ - ٣٨٦).
(٢) راجع: "البحر المحيط" للزركشي مخطوطة دار الكتب المصرية.
(٣) هو من حديث الصدقة في كتاب أبي بكر الذي رواه أنس ﵁. وقد أخرجه أحمد (٧٢) والبخاري (١٤٠٥) و(١٤٤٨) والنسائي (٢٤٤٧) وأبو داود (١٥٦٧) وابن خزيمة (٢٢٦١). وقطعه البخاري - كما يقول المجد عبد السلام بن تيمية في "منتقى الأخبار" في عشرة مواضع. ورواه الدارقطني كذلك. وقال الشوكاني: أخرجه أيضًا الشافعي والبيهقي والحاكم. وقال ابن حزم: هذا كتاب في نهاية الصحة عمل به الصدِّيق بحضرة العلماء ولم يخالفه أحد وصححه ابن حبان وغيره. وانظر: "نيل الأوطار" (٤/ ١٣٤).
[ ١ / ١٧٢ ]