لقد أورد العلماء نماذج من التعارض بين أقسام الواضح في بعض مسائل الفقه عند التطبيق، ولعل في ذكرها بعدما تقدم من نماذج النصوص، زيادةً في الإيضاح لتلك القواعد التي كان لها الأثر البيّن في استنباط الأحكام، وضبط الفروع.
وهذا شمس الأئمة السرخسي يطالعنا في كتابه "أصول السرخسي" بعدد من تلك المسائل يقرر أنها من أمثلة التعارض التي يظهر فيها أثر التفاوت بين تلك الأقسام، بحيث يترجح الأقوى على الأضعف.
قال ﵀: (وأمثاله - يعني التعارض - من مسائل الفقه: ما قال علماؤنا ﵏: فيمن تزوج امرأة شهرًا، فإنه يكون ذلك متعة لا نكاحًا، لأن قوله: (تزوجت) نص في النكاح، ولكن احتمال المتعة قائم فيه، وقوله: (شهرًا) مفسَّر في المتعة ليس فيه احتمال النكاح؛ فإن النكاح لا يحتمل التوقيت بحال، فإذا اجتمعا في الكلام رجَّحنا المفسَّر، فكان متعة لا نكاحًا.
وقال في "الجامع": إذا قال الرجل لآخر: لي عليك ألف درهم، فقال: الحق، أو الصدق، أو اليقين: كان إقرارًا.
ولو قال: البر، أو الصلاح: لا يكون إقرارًا.
فإن قال: البر الحق، أو البر الصدق، أو البر اليقين: كان إقرارًا.
ولو قال: الصلاح الحق، أو الصلاح الصدق، أو الصلاح اليقين: يكون ردًا لكلامه ولا يكون إقرارًا؛ لأن كلًّا من الحق، والصدق، واليقين: صفة
_________________
(١) انظر على سبيل المثال: البرهان" لإمام الحرمين (لوحة ١٠١ - ١٠٣) مخطوطة دار الكتب المصرية نسخة مصورة، "تخريج الفروع على الأصول" للزنجاني (ص ٢٠٤ - ٢٠٩) بتحقيق المؤلف.
[ ١ / ١٦٤ ]
للخبر ظاهرًا؛ فإذا ذكره في موضع الجواب، كان محمولًا على الخبر الذي هو تصديق باعتبار الظاهر، مع احتمال فيه، وهو إرادة ابتداء الكلام، أي: الصدق أوْلى بك، أو الحق أو اليقين أوْلى بالاشتغال: من دعوى الباطل.
فأما البر: فهو اسم لجميع أنواع الإحسان، لا يختص بالخبر؛ فهو وإن ذكر في موضع الجواب، يكون بمنزلة المجمل، لا يفهم منه الجواب عند الانفراد، فإن قرن ما به يكون ظاهره الجواب وذلك الصدق، أو الحق، أو اليقين، حمل ذلك المجمل على هذا البيان الظاهر، فيكون إقرارًا.
فأما الصلاح: فليس فيه احتمال الخبر، بل هو محكم في أنه ابتداء كلام، لا جواب، فيحمل ما يقرن به من الظاهر على هذا المحكَم، ويجعل ذلك ردًا لكلامه، وابتداء أمر له باتباع الصلاح وترك دعوى الباطل (^١).
* * *
_________________
(١) راجع: "أصول السرخسي" (١/ ١٦٦). هذا: والمجمل عند الحنفية - كما سيأتي - هو اللفظ الذي خفي من ذاته خفاءً جعله لا يدرَك إلا ببيان من المجمِل نفسِه.
[ ١ / ١٦٥ ]