لم يكن موقف العلماء من اتجاهَيْ المتقدمين والمتأخرين واحدًا فيما بعد.
١ - فمنهم من تابع المتقدمين فيما ذهبوا إليه، غير ملتفت إلى ما جاء به المتأخرون.
٢ - ومنهم من سلك سبيل المتأخرين، ودافع عن وجهة نظرهم فيما ذهبوا إليه.
[ ١ / ١٣٦ ]
٣ - ومنهم مَن سلك سبيل الحياد بين الاتجاهين، واكتفى بعرض ما عند الفريقين.
أ - فممّن تابع المتقدمين، وسلك نهجهم: صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود؛ فقد جاء في كتابه "التوضيح" قوله: (اللفظ إذا ظهر منه المراد، يسمى ظاهرًا بالنسبة إليه، ثم إن زاد الوضوح بأن سيق الكلامُ له يسمى نصًا).
وهذا الكلام من صدر الشريعة، يدل بوضوح على التزام مذهب المتقدمين في هذه المسألة.
وقد فهم السعد التفتازاني ذلك من كلام صدر الشريعة، حين قرر أن ظاهر كلامه المذكور مشعر بأن المعتبر في الظاهر: ظهور المراد منه، سواء أكان مسوقًا له أم لا، وأن المعتبر في النص كونه مسوقًا للمراد (^١) …
ب - وممن سلك سبيل المتأخرين وحمل عبء الدفاع عن وجهة نظرهم فيما ذهبوا إليه، عبد اللطيف بن مَلك في شرحه لكتاب "المنار" للحافظ النسفي.
وقد ظهر ذلك في محاولته الردّ على كلام عبد العزيز البخاري في "كشف الأسرار" فيما فهمه من كلام البزدوي.
وبيان ذلك: أن ابن ملك يرى في قول البزدوي عن النص بأنه: (ما ازداد وضوحًا على الظاهر بمعنًى من المتكلم لا في نفس الصيغة …) أن عبارة (بمعنًى من المتكلم) أعم من كونه قرينة نطقية، أو سَوْق كلام، أو غيره ولو كانت زيادة وضوحه، بانضمام قرينة نطقية تدل على أن قصد المتكلم ذلك المعنى: لم يبقَ محتملًا لتأويل، وهو في حيز المجاز، لتعين المراد حينئذ.
وأكثر من هذا: فابن ملك لا يسلم أن الكل من العلماء، غفلوا عن هذا التفريق، فإن فخر الإسلام وصاحب "المنتخب" قالا في قوله تعالى:
_________________
(١) راجع: "التوضيح" مع "التلويح" (١/ ١٢٤).
[ ١ / ١٣٧ ]
﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] أنه نص في بيان العدد؛ لأنه سيق الكلام له.
وهذا يقتضي أن يكون عدم السَوْق شرطًا في الظاهر، وإلا لما صحّ تعليلهما - أي فخر الإسلام وصاحب "المنتخب" - به.
وقال ابن ملك: (وإنما لم يذكروا عدم السَوْق في الظاهر، اعتمادًا على كونه مفهومًا من تعريف النص) (^١).
ج - أما سبيل الحياد بين الاتجاهين: فممن سلكه صاحب "التلويح" سعد الدين التفتازاني.
فقد جاء على كلام صدر الشريعة في الموضوع، واكتفى بالحكم عليه بأنه متفق مع ما عليه المتقدمون، ثم عرض لذكر ما عليه المتأخرون، مبيّنًا أن أقسام الواضح حسن اتجاه المتقدمين تكون متمايزة، وحسب اتجاه المتأخرين تكون متباينة (^٢).