وقد نبّه إلى مخالفة المتأخرين - أو جمهرتهم - للمتقدمين في هذه المسألة العلَّامة عبد العزيز البخاري شارح "أصول البزدوي" في كتابه "كشف الأسرار" (^٢) وتابعه مَن بعده (^٣) في هذا التنبيه.
وقد وجّه صاحب "كشف الأسرار" البخاري النقد للاتجاه الجديد، وكان هذا النقد قائمًا على أمرين:
أولهما: أن في نهج المتأخرين، مخالفةً لما ذكره الأولون عن الظاهر، والنص، والتفريق بينهما.
الثاني: - وهو الأقوى في نظرنا - إثبات أن كلام المتقدمين أسلم، وذلك عن طريق الفقه، والتحليل.
أما عن الأمر الأول: فكلام المتأخرين، مخالف لعامة الكتب، ولما عليه
_________________
(١) انظر: "المنار" للنسفي وشروحه (١/ ٣٥٠).
(٢) (١/ ٤٦).
(٣) انظر على سبيل المثال: "شرح المنار" لابن ملك (١/ ٢٥٠)، و"التلويح" على "التوضيح" (١/ ١٢٤)، و"حاشية الإزميري" على "المرآة".
[ ١ / ١٣٤ ]
الدبوسي في "التقويم"، وشمس الأئمة السرخسي في "الأصول"، وكذا فخر الإسلام البزدوي، وقد أوردنا كلامهم آنفًا.
وينقل عبد العزيز البخاري عن بعض الأصحاب من علماء أصول الفقه: أن الظاهر (اسم لما يظهر المراد منه بمجرد السمع، من غير إطالة فكرة، ولا إجالة روية).
وأن مثاله في الشرعيات قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]، وقوله جلَّ ذكره: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور: ٢].
وفي "كشف الأسرار" أيضًا (^١) أن السيد الإمام الأجل، أبا القاسم السمرقندي ﵀، كان يرى أن الظاهر ما ظهر المراد منه، لكنه يحتمل احتمالًا بعيدًا، على نحو ما يرى في الأمر: حيث يفهم منه الإيجاب، وإن كان يحتمل التهديد، ونحو ما يرى في النهي: حيث يدل على التحريم، وإن كان يحتمل التنزيه.
وهكذا يكون كلام هؤلاء القوم جميعًا - كما يرى عبد العزيز البخاري - يدل على أن عدم السَوْق في الظاهر ليس بشرط، وأن الظاهر: ما ظهر المراد منه سواء أكان مسوقًا للمعنى المراد، أم كان غير مسوق له، ولو كان هذا الشرط مطلوبًا فيه، لذكره القوم، ولقيّدوه عند ذكر حدَّه بهذا القيد.
وأما عن الأمر الثاني: فقد ظنّ المتأخرون أن ازدياد وضوح النص على الظاهر، كان بمجرد السَوْق.
ويرى عبد العزيز البخاري، أن الأمر ليس كما ظنوا. إذ ليس من فرقٍ في فهم المراد للسامع، بين قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] مع كونه مسوقًا في إطلاق النكاح، وبين قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] مع كونه غيرَ مسوق فيه، وإن كان يجوز أن
_________________
(١) راجع: (١/ ٤٧).
[ ١ / ١٣٥ ]
يثبت لأحدهما بالسوق قوة يصلح بها للترجيح عند التعارض. وقد مثّل صاحب الكشف لذلك، بالخبرين المتساويين في الظهور، يجوز أن يثبت لأحدهما مزية على الآخر بالشهرة، أو التواتر، أو غيرهما من المعاني.
وهكذا يكون ازدياد الوضوح في النص: بقرينة لفظية، تجعلنا نفهم معنًى قصده المتكلم، ذلك المعنى الذي لم نفهمه من الظاهر، دون هذه القرينة التي انضمت إلى النص.
ويتضح ذلك: بالتفرقة بين البيع والربا، من حيث الحِلُّ والحرمة؛ فإن هذا الأمر يفهم من ظاهر الكلام، بل من سياق الكلام، وهو قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] حيث عُرِفَ أن الغرض نفيُ التماثل، وإثباتُ الفرق بينهما، وأن تقدير الكلام: وأَحلّ الله البيع، وحرّم الربا، فأنّى يتماثلان.
ولم يعرف هذا المعنى بدون تلك القرينة. فلو قيل ابتداء، دون أن يدلنا صدر الآية على دعوى التماثل: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] لم نستطع الحكم بأن الغرض إثباتُ التفرقة بين البيع والربا، وأنهما غير متماثلين.
واعتبار اللفظ نصًا عن طريق انضمام قرينة لفظية، تجعلنا نفهم معنًى قصده المتكلم، لم يفهم من الظاهر بدون تلك القرينة: هو ما نراه عند السرخسي، حين يقرر في تعريف النص - كما مر - أنه: (ما يزداد بيانًا بقرينة تقترن باللفظ من المتكلم، ليس في اللفظ ما يوجب ذلك ظاهرًا، بدون تلك القرينة).