وأُراني في ضوء ما سبق: أميلَ إلى تأييد البقاء على ما جرى عليه المتقدمون، في التفرقة بين الظاهر والنص، بازدياد الوضوح عن طريق قرينة لفظية تبرز معنًى عُرف من مراد المتكلم
١ - وإذا كانت اللغة العربية نبراسنا الأول في فهم نصوص الأحكام، فإن
_________________
(١) شرح "المنار" لابن ملك (١/ ٣٥٢).
(٢) قال السعد بعد أن ذكر كلام صدر الشريعة: (وهذا هو الموافق لكلام المتقدمين، وقد مثَّلوا للظاهر بنحو ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ الآية [النساء]، ونحو ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ الآية [النور]، ونحو ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨]. فتكون الأربعة - يعني أقسام الواضح - أقسامًا متمايزة بحسب المفهوم واعتبار الحيثية، متداخلة بحسب الوجود، إلا أن المشهور بين المتأخرين أنها أقسام متباينة، وأنه يشترط في الظاهر كونه مسوقًا للمعنى الذي يجعل ظاهرًا فيه " انظر: "التلويح على التوضيح" (١/ ١٢٤).
[ ١ / ١٣٨ ]
معنى النص لغة زيادة الظهور، ومنه نصصت الدابة، ومِنصة العروس .. إلخ.
كما هو واضح في مصادر العربية مما نقلناه عن الأئمة في هذا الصدد.
٢ - أما ما احتج به ابن ملك، من أن القرينة في كلام البزدوي، أعم من أن تكون نطقية أو غيرها: فإن السرخسي - وهو من رجال القرن الخامس الذين عاصروا البزدوي، وقد نقلنا كلامه من قبل - قد صرّح بأن النص ما يزداد وضوحًا، بقرينة تقترن باللفظ من المتكلم.
ولئن كان ابن ملك يريد أن لا يحصر القرينة بكونها لفظية، إن في كلام السرخسي وأضرابه ما ينفي الذي أراده ابن ملك بعدم الحصر؛ ذلك بأن تلاقي كلام أهل الحِقبة الواحدة على أمر معيَّن، يقوِّي جانب الفهم الذي أرادوه، ويُبرز المعاني التي قصدوها في التعريفات، عند ضبط مناهجهم في استنباط الأحكام.
٣ - ثم إن ابن ملك، أراد أن يأخذ اشتراط عدم السَوْق في (الظاهر)، من كلام المتقدمين أنفسهم؛ وذلك عن طريق مفهوم المخالفة (^١) حيث فسّروا آية التعدد بأنها (نص) في بيان العدد؛ لأنه سيق الكلام له.
وأحسب أن في منطوق كلام البزدوي - كما قدّمنا - وكلام المعاصرين له بتأييد ما ذهبوا إليه من اللغة نفسها، ما يضعف مأخذ ابن ملك، ويقوِّي جانب الأخذ بما درج عليه المتقدمون (^٢).