هذ أول وجه من أوجه البيان الخمسة التي اعتمدها البزدوي والأكثرون من بعده، كما مرّ وهي:
بيان التقرير، بيان التفسير، بيان التغيير، وبيان التبديل - وهو النسخ - وبيان الضرورة.
ويرى في هذه الأوجه أنها تنوعت حسب الوظيفة التي يؤديها كل واحد منها كما أسلفنا، فما كان وظيفته التقرير سمي: بيان التقرير. وما أدى غرض التفسير سمي: بيان التفسير، وهكذا … وذلك فيما عدا بيان الضرورة الذي سمّاه الآخرون باسم سببه كذلك؛ لأنه بيان بسبب الضرورة.
ومن هنا قرر العلماء: أن إضافة البيان إلى التقرير، والتغيير، والتبديل، هي من قبيل إضافة الجنس إلى نوعه، كما في قولنا: علم الفقه، وعلم الطب … إلخ، أي بيانٌ، هو تقرير، وكذا في الباقي.
أما إضافة البيان إلى الضرورة في قولهم: بيان ضرورة، فذلك من قبيل إضافة الشيء إلى سببه، أي بيانٌ يحصل بالضرورة (^١).
وبيان التقرير: هو تأكيد الكلام بما يقطع احتمال المجاز، إن كان المراد بالكلام المؤكَّد حقيقتَه، أو بما يقطع احتمال الخصوص؛ إن كان المؤكَّد عامًا (^٢).
فمن الأول - وهو ما يقطع احتمال المجاز - لفظ: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ من
_________________
(١) انظر: "كشف الأسرار" لعبد العزيز البخاري، شرح "أصول البزدوي" (٣/ ٨٢٦).
(٢) قال البزدوي: (أما بيان التقرير: فتفسيره أن كل حقيقة تحتمل المجاز، أو عام يحتمل الخصوص، إذ ألحق به ما يقطع الاحتمال: فهو بيان تقرير) وقال السرخسي: (فأما بيان التقرير: فهو في الحقيقة التي تحتمل المجاز والعام والذي يحتمل الخصوص). انظر: "أصول البزدوي" (٣/ ٨٢٥ - ٨٢٦) "أصول السرخسي" (٢/ ٢٨) هذا: ويلاحظ أن في ذكرنا للحقيقة التي تحتمل المجاز، والعام الذي يحتمل الخصوص، احترازًا عما لا يدخل في حيز واحد من هذين الاحتمالين من مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فإنه لا يحتمل المجاز ولا يحتمل الخصوص.
[ ١ / ٣١ ]
قوله جلّ وعلا: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨].
فإن (الطائر) في الآية يحتمل أن يستعمل في حقيقته استعمالًا مجازيًا، ذلك أن العرب تستعمل الطيران لغير الطائر، فيقال للبريد: طائر، مجازًا لأنه يسرع في مشيه، كما يقال: فلان يطير بهمته؛ وتقول للرجل: طِر في حاجتي، أي أسرع. فيكون قوله تعالى: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ تقريرًا لموجَب الحقيقة، وقطعًا لاحتمال المجاز، فالمراد بالطائر حقيقة: الطائر المعروف، وقد قطع احتمال المجاز؛ فكان بيان تقرير (^١).
ومن الثاني: وهو ما يقطع احتمال الخصوص: لفظ: ﴿كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ ومن قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠)﴾ [الحجر: ٣٠].
فإن لفظ: ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ لفظ عام يشمل جميع الملائكة، ويحتمل الخصوص؛ بأن يكون المراد بعضهم، فقطع هذا الاحتمال قوله جلّ وعلا: ﴿كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ فكان ذلك بيانًا قاطعًا للاحتمال؛ وذلك أيضًا بيان التقرير (^٢).
وقد ذكروا أن من بيان التقرير في مسائل الفقه: أن يقول الرجل لامرأته: أنت طالق، ثم يقول: عنيت به الطلاق من النكاح، أي رفع قيد النكاح، وقد علل ذلك عبد العزيز البخاري بقوله: (لأن الطلاق - وإن كان رفع القيد في الأصل - غير مختص بالنكاح، لكنه صار مختصًا به في الشرع والعرف، فصار الطلاق برفع النكاح حقيقةً شرعيةً وعرفيةً. واحتمل رفع كل قيد باعتبار أصل الوضع. ولهذا لو نوى صدَقَ ديانة لا قضاء، فكان ذلك بمنزلة المجاز لهذه الحقيقة، فيقوله: (عنيت به الطلاق من النكاح، قرر مقتضى الكلام، وقطع احتمال المجاز) (^٣).
_________________
(١) انظر: "أصول السرخسي" (٢/ ٢٨)، "أصول البزدوي" مع شرحه "كشف الأسرار" (٢/ ٨٢٧)، "تفسير القرطبي" (٦/ ٤١٩).
(٢) راجع: "أصول البزدوي" مع شرحه لعبد العزيز البخاري (٣/ ٨٢٧)، "أصول السرخسي"، (٢/ ٢٨)، "المنار للنسفي" مع شرحه لابن ملك (٢/ ٦٨٨ - ٦٨٩).
(٣) انظر: "كشف الأسرار" (٣/ ٨٢٧).
[ ١ / ٣٢ ]
وهكذا يكون بيان التقرير، كما يلاحظ في المثالين السابقين، قاطعًا للاحتمال، مقررًا للحكم على ما اقتضاء الظاهر، وذلك أوضح مراتب البيان (^١).