ومن أوجُه البيان عند العلماء: بيان التبديل، وهو: النسخ؛ وذلك أن يرد دليل شرعي متراخيًا عن دليل شرعي مقتضيًا خلاف حكمه؛ ولذلك عرفه الكثيرون بأنه: (بيان انتهاء حكم شرعي بدليل شرعي متراخ عنه) (^١).
وقد يطلق النسخ على فعل الشارع، وإليه ذهب من قال: (هو رفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخر).
وإنما جعل النسخ من أوجه البيان، لأنه بيان انتهاء مدة الحكم (^٢).
وقد كان فيما أسلفنا من القول، أن من العلماء كالقاضي أبي زيد الدبوسي، وشمس الأئمة السرخسي: مَن يعتبر أن التعليق بالشرط، هو بيان التبديل، ولا يعدُّ النسخ من البيان.
ولقد انبنى هذا القول على أن النسخ رفع للحكم، لا إظهار للحكم، فحدُّ النسخ غير حدِّ البيان، نظرًا إلى أن النسخ - وإن كان بيان انتهاء مدة الحكم - لكن ذلك كائن في حق صاحب الشرع، فأما في حق العباد، فهو: رفع الحكم الثابت، وتبديله بحكم آخر، على ما كان معلومًا عندهم لو لم
_________________
(١) وجاء في "معاني القرآن" للقراء (١/ ٦٤): النسخ أن يعمل بالآية، ثم تنزل الأخرى ويعمل بها، وتترك الأولى. "الكشاف" للزمخشري (٢/ ٤٩٤)، "المنهاج" للقاضي البيضاوي مع شرحه لجمال الدين الإسنوي (٢/ ٢٣) بهامش التقرير والتحبير، "المرآة مع المرقاة" (٢/ ١٦٨)، "مصادر التشريع الإسلامي" (ص ١١٣) للمؤلف.
(٢) راجع: "أصول البزدوي" مع "كشف الأسرار" لعبد العزيز البخاري (٣/ ٨٢٦)، "أصول السرخسي" (٢/ ٥٣) فما بعدها، "التوضيح" لصدر الشريعة مع "التلويح" للتفتازاني (٢/ ١٧)، "التحرير" للكمال بن الهمام مع "التقرير والتحبير" لابن أمير الحاج (٣/ ٤١)، "منهاج الوصول" للبيضاوي مع "نهاية السول" للإسنوي (٢/ ٢٣) فما بعدها بهامش التقرير والتحبير. "مرقاة الوصول" شرح مرآة الأصول مع حاشية الإزميري (٢/ ١٢٦ - ١٢٨، ١٦٨). وانظر لبعض ثمرات الاختلاف في تحديد معنى النسخ: "تخريج الفروع على الأصول" للزنجاني بتحقيق المؤلف (ص ١٠).
[ ١ / ٣٥ ]
ينزل الناسخ، قالوا: وذلك بمنزلة القتل، فهو انتهاء الأجل في حق صاحب الشرع، وقطع الحياة في حق العباد، حتى أوجب القصاص والدية (^١).
وقد أجاب القائلون بأن النسخ بيان تبديل: بأنه بيان على كل حال، فقد سمّي بيان تبديل، لأن وجهَ كل من البيان والتبديل قد ثبت فيه. أما البيان فلكون النسخ - كما مر - بيانًا لانتهاء مدة الحكم عند الله، وأما التبديل فلكونه رفعًا وإبطالًا بالنسبة إلينا (^٢).
هذا: وللعلماء مباحث مستفيضة في النسخ، تتناول - إلى جانب تعريفه وماذا يراد به - جواز وقوعه، ومحله، وشرطه، وطرائف معرفة وقوعه، كما تتناول الناسخ والمنسوخ من حيث نسخ الكتاب بالكتاب، والسنة بالسنة، والكتاب بالسنة، على ساحة الأحكام، والسنة بالكتاب، إلى غير ذلك من متعلقاته وما يرتبط به. يرى ذلك في مواطنه من كتب الأصول والتفسير (^٣).
_________________
(١) قال شمس الأئمة السرخسي: (ثم هو - يعني النسخ - في حق الشارع: بيان محض، فإن الله تعالى عالم بحقائق الأمور لا يعرب عنه مثقال ذرة، ثم إطلاق الأمر بشيء يوهمنا بقاء ذلك على التأبيد من غير أن تقطع القول به في زمن من ينزل عليه الوحي، فكان النسخ بيانًا لمدة الحكم المنسوخ في حق الشارع، وتبديلًا لذلك الحكم بحكم آخر في حقنا، على ما كان معلومًا عندنا لو لم ينزل الناسخ؛ بمنزلة القتل؛ فإنه انتهاء الأجل في حق مَن هو عالم بعواقب الأمور، لأن المقتول ميت بأجله بلا شبهة، ولكن في حق القاتل جُعل جنابة، على معنى أنه يعتبر في حقه حتى يستوجب به القصاص، وإن كان ذلك موتًا بالأجل المنصوص عليه في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)﴾ [الأعراف: ٣٤] "أصول السرخسي" (٢/ ٥٤). وانظر: "تقويم الأدلة" للدبوسي (ص ٤٢٩) فما بعدها مخطوطة دار الكتب المصرية.
(٢) انظر: "المرآة على المرقاة" لمنلا خسرو مع حاشية الإزميري (٢/ ١٢٦ - ١٢٧، ١٦٨) هذا وقد جعل التفتازاني الأمر مرتبطًا بتحديد المراد من البيان في الاصطلاح؛ قال ﵀: (ولا يخفى أنه إن أريد بالبيان مجرد إظهار المقصود: فالنسخ بيان، كذا غيره من النصوص الواردة لبيان الأحكام ابتداء. وإن أريد إظهار ما هو المراد من كلام سابق: فليس بيانًا). انظر: "التلويح" للتفتازاني على "التوضيح" لصدر الشريعة (٢/ ١٧).
(٣) راجع: "مصادر التشريع الإسلامي ومناهج الاستنباط" للمؤلف (ص ١١٢) فما بعدها.
[ ١ / ٣٦ ]