أما بيان الضرورة: فيعنون به البيان بسبب الضرورة والإضافة فيه - كما سلف - هي نوع من إضافة الشيء إلى سببه. وهو كما قال شمس الأئمة السرخسي: (نوع من البيان يحصل بغير ما وضع له في الأصل) (^١) فهو نوع توضيح بما لم يوضع للتوضيح (^٢)؛ لأن الموضوع للبيان في الأصل هو النطق، وهذا ما لم يقع البيان به، بل بالسكوت عنه لأجل الضرورة. ومن هنا اعتبر العلماء أن البيان وقع بسبب هذه الضرورة، بما لم يوضع له البيان (^٣).
وعلى هذا: لم يعتبره القاضي أبو زيد الدبوسي من أوجه البيان - كما سلف - فكانت هذه الأوجه عند غيره خمسة، وعنده أربعة، والسرخسي اختلف معه في هذه، فاعتبر بيان الضرورة، وإن اتفق معه في شأن بيان التغيير، وعدم اعتبار النسخ وجهًا من وجوه البيان (^٤).
وبيان الضرورة عند القائلين به على أربعة أنواع (^٥):
النوع الأول: ما يكون في حكم المنطوق، وذلك بأن يدل النطق على حكم المسكوت عنه، لكونه لازمًا لملزوم مذكور.
وقد مثّلوا له بقوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُن لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبْوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١].
_________________
(١) راجع: "أصول السرخسي" (٢/ ٥٠)، وانظر: "أصول البزدوي" مع "كشف الأسرار" لعبد العزيز البخاري (٣/ ٨٦٧).
(٢) راجع: "المرآة والمرقاة" لمنلا خسرو (٣/ ١٦٦) مع حاشية الإزميري، "المنار" للنسفي وشرحه لابن ملك (٢/ ٧٠٧) مع حاشيتَي الرهاوي وعزمي زداه.
(٣) راجع: "تسهيل الوصول" للمحلاوي (ص ١٢٦ - ١٢٧).
(٤) راجع: "تقويم الأدلة" للدبوسي (ص ٤٢٩) فما بعدها، مخطوطة دار الكتب المصرية؛ "أصول السرخسي" (٢/ ٣٥ - ٥٠).
(٥) أجمل السرخسي هذه الأنواع بقوله: (وهو على أربعة أوجه: منه ما ينزل منزلة المنصوص عليه في البيان، ومنه ما يكون بيانًا بدلالة حال المتكلم، ومنه ما يكون بيانًا بضرورة دفع الغرور، ومنه ما يكون بيانًا بدلالة الكلام) "أصول السرخسي" (٢/ ٥٠).
[ ١ / ٣٧ ]
فإن قوله جلَّ وعلا: ﴿وَوَرِثَهُ أَبْوَاهُ﴾ في صدر الكلام، أوجب الشركة في الميراث من غير بيان نصيب كل من الأبوين.
وتخصيص الأم بالثلث في قوله: ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ صار بيانًا لاستحقاق الأب للباقي من التركة وهو الثلثان؛ إذ إن صدر الكلام مسوق لبيان نصيب كل من الأب والأم (^١).
وبذلك صار نصيب الأب، كالمنصوص عليه عند ذكر الأم، كأنه قيل: فلأمه الثلث ولأبيه ما بقي؛ لأن إثبات الشركة - كما قالوا - على وجه الاختصاص بالشركتين، وتعيين نصيب أحدهما: تعيينٌ لنصيب الآخر بالضرورة (^٢).
وهكذا لم يحصل البيان بمجرد ترك التنصيص على نصيب الأب، بل بدلالة صدر الكلام، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ إذ صار نصيب الأب لذلك، كالمنصوص عليه (^٣).
النوع الثاني: البيان بدلالة حال الساكت الذي وظيفته البيان، أو من شأنه التكلم في الحادثة؛ بسبب سكوته عند الحاجة إلى البيان (^٤). لأن البيان
_________________
(١) انظر: "جامع البيان عن تأويل آي القرآن" الطبري (٨/ ٣٨) "أحكام القرآن" للجصاص (٢/ ٩٨)، "أصول السرخسي" (٢/ ٥٠)، "شرح السراجية" للسيد الجرجاني (١٤ - ١٥).
(٢) انظر: "حاشية الرهاوي" على شرح ابن ملك لمنار النسفي (٢/ ٧٠٤).
(٣) "أصول السرخسي" (٢/ ٥٠) وقد ذكر البزدوي والسرخسي بعض النظائر لذلك في مسائل الفقه. قال شمس الأئمة: (وعلى هذا قال أصحابنا في المضاربة: إذا بيّن رب المال حصة المضارب من الربح، ولم يبين حصة نفسه: جاز العقد قياسًا واستحسانًا، لأن المضارب هو الذي يستحق بالشرط؛ وإنما الحاجة إلى بيان نصيبه خاصة، وقد وجد. ولو بيّن نصيب نفسه من الربح، ولم يبين نصيب المضارب: جاز العقد استحسانًا، لأن مقتضى المضاربة الشركة بينهما الربح، فبيان نصيب أحدهما يصير نصيب الآخر معلومًا، ويجعل ذلك كالمنطوق به فكأنه قال: ولك ما بقي وكذلك لو قال في وصيته: أوصيت لفلان وفلان بألف درهم؛ لفلان منها أربعمائة، فإن ذلك بيان أن للآخر ستمائة بمنزلة ما لو نصّ عليه). انظر: "أصول السرخسي" (٢/ ٥٠)، "أصول البزدوي" (٣/ ٨٦٧).
(٤) راجع: "أصول السرخسي" (٢/ ٥٠)، "التوضيح" لصدر الشريعة، و"التلويح" للتفتازاني (٢/ ٣٦ - ٤٠)، "تسهيل الوصول" للمحلاوي (ص ١٢٧).
[ ١ / ٣٨ ]
واجب عند الحاجة إليه، وذلك كسكوت صاحب الشرع صلوات الله عليه عن أمر يعاينه، من قول أو فعل، عن التغيير؛ كالذي شاهد من بياعات ومعاملات كان الناس يتعاملونها فيما بينهم، ومآكل ومشارب وملابس كانوا يستديمون مباشرتها، فأقرهم عليها، ولم ينكرها عليهم. فسكوته ﵊، وهو الموحى إليه بيان الشريعة، دلّ أن جميعها مباح في الشرع، إذ لا يجوز من النبي ﷺ أن يقر الناس على منكر محظور؛ ضرورة أن الشارع لا يسكت عن تغيير الباطل، وأن الله تعالى وصف نبيه بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر في قوله جلّ ذكره: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (الأعراف: ١٥٧) فكان سكوته بيانًا، يدل على أن ما أقرهم عليه داخل في المعروف، خارج عن المنكر (^١).
ومن هذا البيان: سكوت الصحابة على أمر يفتي به عالم منهم، أو قضاء يقضي به مسؤول، فقد جُعل سكونهم بيانًا، لسلامة الفتوى التي صدرت من ذلك الصحابي، أو ذلك القضاء الذي صدر عمّن قضى به، وأن الأمر لم يخرج عن دائرة الشرع؛ لأن الواجب عليهم البيان بصفة الكمال، فسكوتهم بعد وجوب البيان: بيان.
وقد ذكر علماء الحنفية مثالًا لذلك: سكوتهم - عليهم الرضوان - عن تقويم منفعة البدل في ولد المغرور، وهو الذي يطأ امرأة معتمدًا على ملك يمين، أو نكاح، على ظن أنها حرة، فتلد منه ثم تستحق. وقد قضى عمرُ في واقعة كهذه بالجارية لمولاها، وقضى على أبي الأولاد أن يفدي أولاده: الغلام بالغلام، والجارية بالجارية، من حيث القيمة، وسكت عن تقويم منافع الأمة المستحقة، وكان ذلك بمحضر من الصحابة، فكان سكوته دليلًا على أن قيمة المنافع غير مضمونة، لأن الموضع موضع حاجة إلى البيان (^٢).
ومنه أيضًا: سكوت البكر في النكاح، إذا بلغها نكاح الولي؛ فقد جُعل
_________________
(١) انظر: "كشف الأسرار" على أصول البزدوي لعبد العزيز البخاري (٣/ ٨٦٨).
(٢) "أصول البزدوي" (٣/ ٨٦٩ - ٨٧٠) مع "كشف الأسرار"، "أصول السرخسي" (٢/ ٥٠ - ٥١).
[ ١ / ٣٩ ]
سكوتها بيانًا للرضا؛ وذلك لأجل الحياء الذي يمنعها من إظهار الرغبة في الرجال، وما دامت تستحيي من إظهار هذه الرغبة: اعتبر سكوتها إجازة بدلالة حالها (^١).
النوع الثالث: دلالة السكوت الذي جُعل بيانًا لضرورة دفع وقوع الناس في الغرر. وقد مثّلوا له: بسكوت المولى إذا رأى عبده يبيع ويشتري؛ فإن سكوته عن النهي يُجعل - كما يقول السرخسي - إذنًا له في التجارة، لضرورة دفع الغرور عن أولئك الذين يعاملون العبد؛ فإن الناس لا يتمكنون من استطلاع رأي المولى في كل معاملة مع عبده، وإنما يتمكنون من التصرف بمرأى العين من المولى، ويستدلون بسكوته على رضاه، وهكذا جُعل سكوته كالتصريح بالإذن، لضرورة دفع الغرور.
ومن هذا النوع عند البزدوي والسرخسي ومن تبعهما: سكوت الشفيع عن طلب الشفعة بعد العلم بالبيع، فإن هذا السكوت من الشفيع في مثل هذه الحال: يُجعل بمنزلة إسقاط الشفعة، وإنما جعل كذلك، لضرورة دفع الغرر عن المشتري (^٢).
النوع الرابع: ما يثبت ضرورة اختصار الكلام.
ومثاله عند الحنفية: ما إذا قال: لفلان عليّ مائة ودرهم، أو مائة ودينار، فإن ذلك بيان أن المعطوف وهو الدرهم أو الدينار من جنس المعطوف عليه وهو المائة؛ فيكون لفظ درهم، أو دينار، تفسيرًا لـ (مائة) في قوله: مائة درهم، أو مائة دينار؛ إذ كل من الدرهم والدينار بيّن بنفسه. ومثل البيِّن بنفسه: المقدرات الشرعية، كالمكيل والموزون؛ كأن يقول: لفلان عليّ مائة وقفيز حنطة، أو مائة وقنطار زيت؛ فإن كلًا من القفيز
_________________
(١) ولقد جعلوا من أمثلة هذا البيان أيضًا نكول المدعى عليه، وهو امتناعه عن الحلف بعد توجه اليمين عليه، فهذا النكول بيان لحال الناكل، وهي امتناعه عن أداء ما لزمه مع القدرة عليه. "أصول البزدوي" (٣/ ٨٦٩ - ٨٧٠)، "أصول السرخسي" (٢/ ٥٠ - ٥١)، "التلويح" على التوضيح (٢/ ٤٠).
(٢) "أصول البزدوي" مع "كشف الأسرار" (٣/ ٨٧٢)، "أصول السرخسي" (٢/ ٥١)، "المنار" للنسفي مع "شرحه" لابن ملك و"حاشيتَي الرهاوي وعزمي زاده" (٢/ ٧٠٦).
[ ١ / ٤٠ ]
والقنطار يكون بيانًا للمائة التي عطف عليها (^١).
هذا ما ذهب إليه الحنفية، وخالف في ذلك الشافعية؛ فلم يعتبروا المعطوف بيانًا للمعطوف عليه في كلٍّ من الحالتين السابقتين؛ لأن العطف يقتضي المغايرة؛ فالمائة مبهمة والعطف لم يوضع للتفسير، فيعود تفسير هذا المبهم للمبهِم نفسه وهكذا يُلزَم المقِرُّ بالمعطوف، ويكون القول قولَه في المعطوف عليه (^٢).