أما بيان التفسير: فهو عند العلماء: (بيان ما فيه خفاء) (^٣) وقد مثّلوا لما فيه خفاء بـ (المشترك، والمجمل، والمشكل والخفي (^٤) ).
على أن فخر الإسلام البزدوي، وشمس الأئمة السرخسي قد اقتصرا
_________________
(١) راجع: "أصول السرخسي" (٢/ ٥٢)، "كشف الأسرار" لعبد العزيز البخاري (٣/ ٨٧٣)، "المنار" للنسفي وشرحه لابن ملك مع حاشية الرهاوي (٢/ ٧٠٦ - ٧٠٧)، "الشامل" شرح أصول البزدوي. مخطوطة دار الكتب المصرية.
(٢) انظر: "المهذب للشيرازي" (٢/ ٣٤٩) فقد حكم الشيرازي بالخطأ على قول أبي ثور - فيمن قال: له علي ألف درهم -: إن الجميع تكون دراهم، وقرر أنه يلزمه درهم، ويرجع في تفسير الألف إلى المقر قال: (لأن العطف لا يقتضي أن يكون المعطوف من جنس المعطوف عليه لأنه قد يعطف الشيء على غير جنسه كما يعطف على جنسه). هذا ومن أهم ما أجاب به الحنفية عما ذهب إليه الشافعية: أن ما جعلوه بيانًا قد جرى مجرى العادة؛ فإن الناس اعتادوا حذف التفسير من المعطوف عليه في العدد، إذا كان المعطوف مفسرًا بنفسه، كما اعتادوا حذف التفسير طلبًا للإيجاز عند طول الكلام فيما يكثر استعماله، وذلك عند كثرة الوجوب بكثرة أسبابه وهذا فيما يثبت في الذمة في عامة المعاملات كالمكيل والموزون. انظر: "السرخسي" (٢/ ٥٢ - ٥٣) ابن ملك على "المنار" (٢/ ٧٠٧).
(٣) راجع: "كشف الأسرار" على "أصول البزدوي" لعبد العزيز البخاري (٣/ ٨٢٧)، "حاشية الرهاوي على شرح ملَك على المنار" (١/ ١٨٩).
(٤) المشترك - كما سيأتي - هو اللفظ الذي وُضع لمعنيين مختلفين أو معاني مختلفة بأوضاع متعددة. والمجمل: هو الذي خفي من ذاته خفاء لا يدرك إلا ببيان من المجمل نفسه. وهذا عند الحنفية، ويرى الشافعية وغيرهم: أن من المجمل ما يمكن أن يكون بيانه من طريق المجتهد بالبحث والاجتهاد. أما المشكل: فهو اللفظ الذي خفي من ذاته خفاء يمكن زواله بالاجتهاد. وأما الخفي: فهو اللفظ الظاهر فيما وضع له، ولكن عرض له الخفاء عند التطبيق، فخفاؤه ليس من ذاته ولكن بعارض. وانظر ما يأتي في مباحث الواضح والمبهم من الألفاظ، وبحث المشترك.
[ ١ / ٤١ ]
على ذكر المشترك والمجمل. حتى إذا جاء المتأخرون، أوضحوا أن الاقتصار على ذكر المشترك والمجمل، لم يكن للحصر، وإنما كان تسامحًا عند التمثيل؛ فعرّف عبد العزيز البخاري هذا النوع من البيان بقوله: (هو بيان ما فيه خفاء من المشترك والمجمل ونحوهما) (^١). وبعد أن مثّل صاحب "مرآة الأصول" بأكثر من المجمل والمشترك قال: (وإن تخصيص المشايخ المشترك والمجمل بالذكر تسامح) (^٢).
وهكذا: قد يكون سبب الغموض والخفاء في النص: وجود لفظ فيه مشترك بين معنيين أو أكثر - كما سيأتي - ولم يعلم عن الشارع تعيين الواحد في المعنيين، أو المعاني التي وضع لها اللفظ. يبدو ذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (البقرة: ٢٣٧).
فـ ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ مشترك بين الزوج والولي .. وقد اختلفت أنظار العلماء في المراد منه في الآية الكريمة، وكانوا في ذلك على مذاهب عند تفسير النص كما سيأتي.
كما يبدو في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فلفظ (القرء) مشترك بين الحيض والطهر في أصل الوضع، وقد استعملته العرب في كليهما. ومن هنا اختلفت أنظار العلماء أيضًا في تحديد المراد منه في النص عند تفسيره (^٣).
وقد يكون سبب الخفاء: الإجمال في اللفظ؛ كما إذا استعمل الشارع لفظًا في معنًى شرعي أراده، ولكنه أجمله ولم يفصِّله، مع أن للَّفظ معنًى خاصًّا به في الأصل.
_________________
(١) راجع: "كشف الأسرار" لعبد العزيز البخاري (٣/ ٨٢٧) مع "أصول البزدوي". وانظر: "أصول السرخسي" (٢/ ٢٨ - ٢٩) "المنار" للنسفي مع شرحه لابن ملك وحواشيه لابن الحلبي وعزمي زاده والرهاوي (٢/ ٦٨٩).
(٢) انظر: "المرآة" (٢/ ١٢٥).
(٣) راجع تفصيل مسألتي ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ و(القروء) فيما يأتي من مباحث: "المشكل والمشترك"، وانظر: "أصول الفقه" للأستاذ الشيخ زكريا البرديسي (ص ٣٩٢).
[ ١ / ٤٢ ]
وذلك كما يُرى في ألفاظ الصلاة، والزكاة، والحج، والربا؛ فحين وردت هذه الألفاظ في نصوص الكتاب: لم يُرَدْ بها معانيها اللغوية، وإنما أريد بها معانٍ شرعيةٍ جاءت بمجيء الشريعة الجديدة، ولكن آيات الكتاب أجملت هذه الألفاظ ولم تبينها، وقد تكفلت السنن القولية والعملية ببيان هذا الإجمال وتفصيله، ليكون في مقدور المكلف أن يخرج من عهدة الامتثال لأوامر الشريعة، والاجتناب لنواهيها.
وقد يكون سبب الخفاء في النص: أن يكون فيه لفظ مشكل بأن يكون اللفظ مشتركًا كما أسلفنا، أو يكون فيه غرابة تدعو إلى ضرورة التفسير كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾ [المعارج: ١٩ - ٢١] ولفظ (هَلُوع) لفظ غريب فكان لا بد من إزالة هذه الغرابة، ليزول الغموض والخفاء؛ والذي فسره وقرب معناه قوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾.
وقد يرد الخفاء عند التطبيق؛ كأن يكون في النص لفظ ظاهر فيما وضع له، ولكن التبس الأمر عند التطبيق على بعض الأفراد؛ لوجود وصف زائد في الفرد الجديد، أو نقصٍ فيه، أو لأي سبب من أسباب الالتباس، حيث يحتاج عند التطبيق إلى نظر، وتأمُّل، واستعانة بأمر خارج عن الصيغة؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. حيث اشتبه الأمر عند تطبيق (السارق) على مرتكب جريمة فيها وصفُ زيادة أو نقص على السرقة؛ كالنبَّاش والطرَّار. ومن هنا يُرى أن الخفاء يمكن أن يكون من ذات اللفظ؛ كما في (المجمل، والمشكل) ويمكن أن يكون لعارض كما في (الخفي) (^١).
وهكذا يكون بيان الخفاء في وظيفة (بيان التفسير) شاملًا لما قد يكون من عمل الشارع؛ كما في (المجمل)، ولما قد يكون من عمل المجتهد كما في (المشكل، والخفي).
هذا: ومما اختلف فيه عند العلماء (التخصيص) الذي هو: قصر العام على بعض أفراده:
_________________
(١) انظر فيما يأتي: مباحث "الواضح والمبهم من الألفاظ" عند الحنفية والمتكلمين.
[ ١ / ٤٣ ]
فذهب الشافعية إلى أنه بيان تفسير.
وذهب الحنفية إلى أنه بيان تغيير.
ومرد هذا الاختلاف: الحكم على دلالة العام على أفراده التي يشملها قبل التخصيص؛ هل هي دلالة قطعية، أو ظنية؟ فهي دلالة ظنية عند الشافعية - كما سيأتي في حينه - وقطعية عند الحنفية.
وبناء على ذلك: كان التخصيص: بيانَ تفسير عند الشافعية؛ لأنه يفسر موجَب العام، ويوضح أنه يوجب الحكم في بعض الأفراد التي يشملها العام فقط.
وكان بيانَ تغيير عند الحنفية؛ لأن التخصيص ينزل بدلالة العام من القطعية إلى الظنية، إذ إن من المتفق عليه: أن العام بعد التخصيص، يصبح ظنيَّ الدلالة (^١).
هذا: وقد عدّ البزدوي والسرخسي وغيرهما من (بيان التفسير) في مسائل الفقه: قول الرجل لامرأته: أنت بائن، أو أنت عليّ حرام، أو غير ذلك من الكنايات ثم قوله: عنيت به الطلاق، فإن قوله: (عنيت به الطلاق) يكون بيان تفسير، ذلك لأن البينونة والحرمة مشتركة محتملة المعاني؛ فإذا قال: عنيت بهذا الكلام الطلاقَ، فقد رفع الإبهام، فكان بيان تفسير، ثم بعد التفسير يجب العمل بأصل الكلام فتقع البينونة والحرمة.
ومن بيان التفسير أيضًا ما إذا قال: لفلان عليّ ألف درهم - وفي البلد نقود مختلفة - كان (مشكلًا) لدخول المبلغ المقر به في أشكاله من النقود، فإذا قال: عنيت به نقد كذا: زال الإشكال، وصار هذا الكلام تفسيرًا له. قال السرخسي: (وسائر الكنايات في الطلاق والعناق على هذا أيضًا) (^٢).
_________________
(١) راجع فيما يأتي: "مباحث العام ودلالته ومخصصاته" عند العلماء، وانظر: "مرآة الأصول على المرقاة" لمنلا خسرو وحاشية الإزميري (٢/ ١٢٦).
(٢) انظر: "أصول السرخسي" (٢/ ٢٨)، "أصول البزدوي" مع "كشف الأسرار" لعبد العزيز البخاري (٣/ ٨٢٧)، "المرقاة" مع "المرآة" لمنلا خسرو مع حاشية الإزميري (٢/ ١٢٦).
[ ١ / ٤٤ ]