روى أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الله يبْعَث لهَذِهِ الْأمة على رَأس كل مائَة سنة من يجدد لَهَا دينهَا
قَالَ بعض شرَّاح الحَدِيث ذهب بعض الْعلمَاء إِلَى أَنه لَا يلْزم أَن يكون الْمَبْعُوث على رَأس الْمِائَة رجلا وَاحِد بل قد يكون وَاحِدًا وَقد يكون أَكثر فَإِن انْتِفَاع الْأمة بالفقهاء وَإِن كَانَ عَاما فِي أُمُور الدّين فَإِن انتفاعهم بغيرهم أَيْضا كَبِير مثل أولى الْأَمر وَأَصْحَاب الطَّبَقَات ينْتَفع بِكُل فِي قَول لَا ينْتَفع بِالْآخرِ فِيهِ
فأولوا الْأَمر ينْتَفع بهم فِي الْعدْل والتناصف وحقن الدِّمَاء والتمكن من إِقَامَة قوانين الشَّرْع
وَأَصْحَاب الحَدِيث ينْتَفع بهم فِي ضبط الْأَحَادِيث الَّتِي هِيَ أَدِلَّة الشَّرْع الدُّنْيَا فَكل وَاحِد ينْتَفع بِغَيْر مَا ينْتَفع بِهِ الآخر
قَالَ لَكِن الَّذِي يَنْبَغِي أَن يكون الْمَبْعُوث على رَأس الْمِائَة وجلا وَاحِدًا مشارا إِلَيْهِ فِي كل فن من هَذِه الْفُنُون وَهُوَ الْمُجْتَهد
قَالَ فَإِذا حمل تَأْوِيل الحَدِيث على هَذَا الْوَجْه كَانَ أولى وأشبه بالحكمة
[ ٥٩ ]
قَالَ ثمَّ المُرَاد من انْقَضتْ الْمِائَة وَهُوَ حَيّ مشار إِلَيْهِ انْتهى
قلت وَيُؤَيّد مَا ذكره هَذَا الشَّارِح عَن أَن المُرَاد فِي الحَدِيث رجل وَاحِد لَا مَجْمُوع أنَاس مَا أخرجه أَبُو إِسْمَاعِيل الْهَرَوِيّ عَن حميد بن زَنْجوَيْه
قَالَ سَمِعت أَحْمد بن حَنْبَل يَقُول يروي فِي الحَدِيث عَن النَّبِي ﷺ يمن على أهل دينه فِي رَأس كل مائَة سنة بِرَجُل فيبين لَهُم أَمر دينهم
وَأَنِّي نظرت فِي مائَة سنة فَإِذا هُوَ عمر بن عبد الْعَزِيز وَفِي رَأس الْمِائَة الثَّانِيَة فَإِذا هُوَ مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي
واخرج الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق أبي بكر الْمروزِي قَالَ قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل ذكر فِي الْخَبَر أَن الله يقيض فِي رَأس كل مائَة سنة من يعلم النَّاس السّنَن وينفي عَن النَّبِي ﷺ الْكَذِب فَنَظَرْنَا فَإِذا فِي رَأس الْمِائَة عمر بن عبد الْعَزِيز وَفِي رَأس الْمِائَتَيْنِ الشَّافِعِي
وَقَالَ الْحَافِظ الْحَاكِم وَسمعت أَبَا الْوَلِيد حسان بن مُحَمَّد الْفَقِيه يَقُول سَمِعت شَيخا من أهل الْعلم يَقُول لأبي الْعَبَّاس بن سُرَيج أبشر أَيهَا القَاضِي فَإِن الله من على الْمُؤمنِينَ بعمر بن عبد الْعَزِيز فأظهر كل سنة وأمات كل بِدعَة وَمن على رَأس الْمِائَتَيْنِ بالشافعي حَتَّى أظهر السّنة وأخفى
[ ٦٠ ]
الْبِدْعَة وَمن على رَأس الثلثمائة بك
قلت قد اسْتَقر المبعوثون على رَأس الْقُرُون فوجدوا كلهم مجتهدون فعمر بن عبد الْعَزِيز قَالَ الذَّهَبِيّ فِي العبر أَنه بلغ رُتْبَة الِاجْتِهَاد وَالشَّافِعِيّ سيد الْمُجْتَهدين وَابْن سُرَيج من كبار الْمُجْتَهدين وَمن أَصْحَاب الْوُجُوه وعدوا على رَأس الْمِائَة الرَّابِعَة أَبَا الطّيب سهل بن مُحَمَّد
[ ٦١ ]
الصعلوكي أَو الشَّيْخ أَبَا حَامِد إِمَام الْعِرَاقِيّين وَكِلَاهُمَا من الْمُجْتَهدين وَأَصْحَاب الْوُجُوه وعدوا على رَأس الْخَامِسَة الْغَزالِيّ وَهُوَ من الْمُجْتَهدين كَمَا ذكره ابْن الصّلاح فِي فَتَاوِيهِ وعَلى السَّادِسَة الرَّافِعِيّ وعَلى السَّابِعَة ابْن دَقِيق الْعِيد وعَلى الثَّامِنَة البلفيني وَكلهمْ مَوْصُوف بِالِاجْتِهَادِ
[ ٦٢ ]