هذه الأسماء أربعة:
الخاص، والعام، والمؤول، والمشترك.
أما الخاص: فاسم للفظ لا يتناول إلا الواحد بذاته ومعناه، كقولك: "زيد" إذا أردت بالخصوص خصوص العين من الجملة.
وإن أردت خصوص الجنس قلت: إنسان وجن وملك.
وإذا أردت خصوص النوع قلت: رجل وامرأة. يقال: اختص فلان بملك كذا إذا لم يشركه فيه غيره، ومنه: خاصة الناس وهم أهل العلم، والحكمة لقلتهم.
وأما العام: فما ينتظم جمعًا من الأسماء لفظًا أو معنى، كقولك: الشيء، فإنه اسم لكل موجود ولكل موجود اسم على حدة وإن الإنسان اسم عام في جنسه لأن جنسه يشتمل على أفراد، ولكل فرد اسم على حدة كقولك: مطر عام، إذا عم الأمكنة فيكون عامًا بمعناه وهو الحلول بالأمكنة لا بأسماء يجمعها المطر، وكذلك يقال خصب عام، ومنه عامة الناس وهم أهل الجهل والسفه لكثرتهم.
ومن الناس من زعم أن العام ما ينتظم جمعًا من الأسماء أو المعاني، وليس كذلك لأن المعاني لا يتصور انتظامها تحت لفظ واحد إلا إذا اختلفت في أنفسها وإذا اختلفت تدافعت ولم تنتظم جمعيًا تحت اسم واحد بل يصير كل واحد منها يحتمل الاسم فلا يثبت مرادًا بالاحتمال، وهذا الاسم يسمى مشتركًا وإنه لا عموم له على ما نذكر وهو بمنزلة المجمل.
وقد ذكر أبو بكر الجصاص: أن العموم ما ينتظم جمعًا من الأسامي أو المعاني.
وكان هذا منه غلطًا في العبارة دون المذهب فإنه ذكر من بعد أن المشترك لا عموم له، وإنما أراد بالمعاني معنى واحدًا كقولك: خصب عام، ومطر عام، فإن عموم الأمكنة منهما بمعنى واحد لا بمعان، فالعام خلاف الخاص بمعنى واحد وهو الشمول.
وأما المشترك: فما اشترك فيه جمع من الأسامي أو المعاني من غير انتظام، ولكن على الاختلاف كالعين فإنه يشترك فيه يشترك فيه مقلة الوجه وينبوع الماء والطليعة ونقد المال.
والشيء المتعين في نفسه من غير انتظام فإن الكل لا يدخل تحته ولكن يحتمل هذا وهذا، وهذا على الاختلاف أي إذا ثبت هذا بطل الآخر.
[ ٩٤ ]
وكالقرء: يشترك فيه الحيض والطهر على اختلاف وتناف.
والبائن: يشترك فيه البينونة والبين والبيان، يقال: بان عني فلان أي هجرني، وبان العضو عن الجسم إذا انفصل عنه، وبان الشيء إذا ظهر، وهذه أسماء مختلفة بخلاف قولنا الشيء، فإنه يشتمل على الموجودات بمعنى واحد وهو صفة الوجود، وفيما ذكرنا من المشترك إنما يدخل كل واحد من الجملة تحته باسم على حدة، أو بمعنى على حدة، وإذا كان كذلك لم يكن للمشترك عموم ولا ظهور مراد لأنا سميناه: "مشتركًا" لاشتراك الأسامي أو المعاني في الدخول تحته والاشتراك يوجب الاستواء وإذا دخلت متساوية ولم يمكن الجمع بينهما ولم يصر بعضها بأولى من بعض صار المراد منه مجهولًا فيصير بمنزلة المجمل.
وأما اختلاف المعاني فإنما يتحقق في المستعار من الكلام وهو المجاز لأن اللفظ إنما يستعار لغير ما وضع له للاتصال بينهما معنى، فيصير المجاز: عبارة عن المعنوي من الكلام.
والحقيقة: ما عبر به عن الشيء باسم علمه عقل معناه أو لم يعقل، فإذا اختلف المعنى الذي يجوز الاستعارة لأجله كان ذلك المجاز مشتركًا.
وقد أجمعت الأمة أن لا عموم لقوله تعالى: ﴿ثلاثة قروء﴾ بل المراد بها إما الحيض وإما الأطهار، وقد قال علماؤنا ﵏– فيمن أوصى لمواليه وله موال أعتقوه وموال أعتقهم-: أن الوصية باطلة لأن معنى الولائين مختلف في حق الوصية فيراد بالوصية للمولى الأعلى الجزاء وللمولى الأسفل زيادة إنعام ترحمًا، ولم يدخل النوعان تحت الاسم على العموم فبقي المراد أحدهما فبطلت الوصية للجهالة.
وإذا قال لامرأة: إن نكحتك فأنت طالق، لم ينصرف إلى الوطء والعقد جميعًا، لأنهما مختلفان معنى بل انصرف إلى أحدهما على ما دل عليه الحال.
وأما المؤول: فما يتبين من المشترك أحد وجوهه المحتملة بغالب الرأي والاجتهاد لا بسماع من يجب تصديقه فإنه متى تبين بالسماع كان مفسرًا بالتحاق هذا البيان، وهو نص مثل الأول، وإذا كان بالرأي لم يكن تفسيرًا لأنه عبارة عن الكشف على ما يأتيك بيانه. والانكشاف على الحقيقة لا يثبت بالرأي ولكن بالرجحان يزول مشاركة سائر الوجوه إياه على السواء فيؤول إليه مراد الكلام من غير انكشاف على الحقيقة فكان تأويلًا.
وكذلك المراد من الكلام متى خفي لدقته فأوضح بالرأي كان مؤولًا فكان المؤول خلاف المشترك والخفي جميعًا.
فالعام في قدر تناوله المسميات أكثر من الخاص.
والخاص في قدر تناوله المسمى أثبت من المؤول أو المشترك، فلا ثبوت للمراد به إلا على سبيل الاحتمال فهذا بيان تفاوتها في قدر التناول في الجملة.
[ ٩٥ ]
وأما الأحكام فإن العلماء اختلفوا في العام ما حكمه؟
فقال بعض الأحداث ممن لا سلف له في القرون الثلاثة: إن حكم العام الوقف فيه حتى يتبين المراد به كالمشترك ..
وقال بعضهم: الثابت به أخص الخصوص حتى تقوم الدلالة على العموم.
وقال الشافعي: إنه على العموم حتى يقوم الدليل على الخصوص، ولكنه غير موجب حكمه لعمومه قطعًا كالخاص لخصوصه، بل على تجوز الخصوص واحتماله كالحكم الثابت بالقياس يكون ثابتًا لا قطعًا، ولكن على تجوز الخطأ واحتماله حتى جوز تخصيص العام بالقياس وجعل الثابت بالقياس أولى من الثابت بالعموم، وإذا عارضه الخاص في بعض محاله جعل الخاص أولى، وجعل قوله هذا قولًا واحدًا فيما يمكن القول بعمومه في نفسه أو لا يمكن في نفسه فإنه عممه بقدر الإمكان.
وقال علماؤنا ﵏: العام يوجب الحكم بعمومه قطعًا وإحاطة، بمنزلة الخاص، أمرًا كان أو نهيًا أو خبرًا. إلا عامًا يمتنع القول بعمومه لكون المحل غير قابل له على ما نذكره، فإنه يجب الوقف فيه حتى يتبين بدليل آخر، ولا يعمل به بقدر الإمكان، وقد دل على هذا القول فتاويهم ومحاجتهم.
أما الفتوى: فقد قالوا- في رجل أوصى لرجل بخاتم وأوصى لآخر بفصه-: أن الحلقة لصاحب الخاتم والفص بينهما. لأن الوصيتين اجتمعتا في الفص، لأن إحدى الوصيتين لا تبطل بالأخرى على ما عرف، ثم الفص اسم خاص له، والخاتم يتناوله بعموم اسمه، فجعلوا الاستحقاق بهما سواء ولم يجعلوا الخاص أولى. هكذا ذكر في "الزيادات".
وذكر في الوصايا: وقرن الوصية بالفص بالوصية بالخاتم وذكر أن الفص لصاحب الفص والحلقة للآخر، لأن الخاص لما قرن بالعام صار بيانًا، ولما تأخر لم يصر بيانًا وكان عارضًا.
وقالوا– في المضارب ورب المال إذا اختلفا في عموم الإذن وخصوصه وأقاما البينة وأرخا-: كانت العبرة للتاريخ وكان الآخر منهما أولى، فرفعوا الخاص بالعام، كما خصوا العام بالخاص فسووا بين التخصيص والرفع أصلًا ولم يرتبوا العام على الخاص، تقدم الخاص أو تأخر، على ما قاله الخصم في ألفاظ الشرع.
وأما الحاجة: فقد قالوا– بجواز الصلاة بدون الفاتحة لعموم قوله تعالى: ﴿فاقرءوا ما تيسر منه﴾ ولم يروا ترتيب هذا العام على قوله ﷺ: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" لأنه خبر الواحد، فجعلوا الآية أولى وإن كانت عامة، والخبر خاصًا، وكان هذا مذهبًا ظاهرًا لعلمائنا.
أما الواقفون: فإنهم احتجوا بأن العام يذكر ويراد به الخاص، وهذا مشهور بين أهل
[ ٩٦ ]
اللسان، وقد نطق به الكتاب والسنة والشعر حتى استحسن الكناية عن الواحد بلفظة الجمع، قال الله تعالى: ﴿إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا﴾ وقال: ﴿رب ارجعون﴾ ولما كان كذلك احتمل العام العموم والخصوص وهما مختلفان لا يجتمعان فحل محل الاسم المشترك.
وأما الذين قالوا بأخص الخصوص فنوع من الواقفية، إلا أنهم قالوا: إن أخص الخصوص ثابت يقينًا أريد به الخصوص أم العموم فزال مهنى الاشتراك فيه، فثبت كما في الكل بعد البيان.
وأما الشافعي فقال: إن العموم من العام حقيقة من حيث الوضع لأن الواضع كما احتاج إلى وضع أسماء خاصة لتعريف الأفراد بمقاصد في كل فرد احتاج إلى وضع أسماء عامة لتعريف الجمل لمقاصد فيها كي لا يحتاج إلى ذكر كل فرد باسمه على حدة لتحصيل المقصود الذي لا ينال إلا من الجملة فيتعذر الذكر عليه، إلا أن العرب استعارت الألفاظ العامة للخاصة توسعة، وتحسينًا للعبارة لمعنى التعظيم بالكناية عن الواحد بذكر الجماعة، كما استعارت لسائر ضروب المجاز، وإذا كان كذلك كان الحكم لحقيقته حتى يقوم الدليل على مجازه لأن المجاز معناه لا يشارك معنى الحقيقة فلا يزاحمه بل الحقيقة هي الثانية قبله، واحتجاجه بالاستعمال ضعيف لأن العام قد استعمل بحقيقته كما استعمل بمجازه كقوله تعالى: ﴿إن الله بكل شيء عليم﴾ وقوله: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة﴾ ونحوهما مما لا يحتمل الخصوص مع شدة العموم، فصار الاستدلال بالعموم استدلالًا بدليل محتمل فلم يكن حجة فبقي الحكم للوضع وقد ظهر القول بالعموم من السلف ظهورًا لا يمكن إنكاره.
احتج عمر ﵁ للمن بسواد العراق على أهلها على الصحابة ﵃ منهم الزبير ألزمه بقول الله تعالى: ﴿للفقراء المهاجرين﴾ إلى قوله: ﴿والذين جاءوا من بعدهم﴾ فقال عمر: أما إني لو قسمتها بينكم لم يكن لمن يجيء بعدكم نصيب في الفيء والله تعالى جعل لهم نصيبًا فرجعوا إلى قوله، وهذه الآيات غاية في العموم.
وأراد عثمان ﵁ رجم امرأة ولدت لستة أشهر فقال ابن عباس ﵁: أما إنها لو خاصمتكم بكتاب الله تعالى لخصمتكم إن الله تعالى يقول: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا﴾ وقال: ﴿وفصاله فى عامين﴾ فيبقى للحمل ستة أشهر، وأخذوا بقوله.
واختلف علي وعبد الله بن مسعود ﵄ في عدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملًا؟
[ ٩٧ ]
فقال علي ﵁: عليها أبعد الأجلين لعموم آية عدة الوفاء وعدة الحوامل.
وقال عبد الله: عدتها بوضع ما في بطنها لأن هذه الآية آخرهما نزولًا وهما آيتان عامتان واحتجا بهما.
فإن قيل: إن الصحابة ﵃ فهموا العموم منها بدلائل وأحوال اقترنت بها دلت على العموم.
قلنا: إن الحكم بالعموم قد ظهر ولم يظهر له سبب آخر إلا عموم النص فلم يجز الحمل على سبب لم يظهر على أن العمل بها لو وجب بدلائل أخر لما قبل منهم الاحتجاج به بدون تلك الدلائل والأحوال، ولأن الشريعة لازمة إلى يوم القيامة، ووجوبها بالكتاب ثم بالسنة ولو لم تكن هذه النصوص حجة في أنفسها بدون تلك الدلائل الموجبة لما حل لهم السكوت عن نقل تلك الدلائل، ولا لزمهم نقلها كما نقلوا النصوص، ولو نقلوها لظهرت ظهور النصوص بأنفسها، وظاهر عن أبي بكر ﵁ أنه قال– لما اختلفت الصحابة في نقل الأخبار-: إنكم إذا اختلفتم في شيء كان من بعدكم أشد اختلافًا، فإذا سألتم عن شيء فلا ترووا ولكن قولوا: معكم كتاب الله فأحلوا حلاله وحرموا حرامه، ولم ينكر عليه أحد فثبت أن الكتاب بنفسه حجة بدون الأحوال التي توهمتها حجة للصحابة.
فإن قيل: إن الخلاف بيننا وبينكم في موجب العام للحال لا لحال النزول فإنا لم نبتل بالعمل به فيما سلف.
فنقول: موجب العام للحال الوقت فيه حتى يتبين ما حكمه، لأن النصوص العامة صارت متفاوتة في أنفسها اليوم من باق على عمومه، ومن مخصوص، ومن منسوخ، فإذا صار حكمها في البقاء محتملًا لم تكن حجة حتى يزول الاحتمال.
قلنا: يلزمك مثله في الخاص فإنه يحتمل الانتساخ، والمجاز ولم يجب الوقف به، وكذلك الشاهد إذا عاين سبب ملك الإنسان حل له الشهادة بالملك له بعد ذلك، وإن احتمال الفسخ أو البيع من آخر وكان ما عاين حجة له للحال ما ذكرنا أن الشيء إذا ثبت دام على ذلك من غير دليل وأنما زواله افتقر إلى دليل مبتدأ فعند عدم الدليل لا يزول ما كان ثابتًا بالاحتمال لأنه كما احتمل الزوال احتمل البقاء.
وجملة الجواب فيه: أن العامي يلزمه العمل بعمومه كما سمع.
وأما الفقيه فيلزمه أن يحتاط لنفسه فيقف ساعة لاستكشاف هذا الاحتمال بالنظر في الاشتباه مع كونه حجة للعمل إن عمل به، ولكن يقف احتياطًا حتى لا يحتاج إلى بعض ما أمضاه بتبين الخلاف، وهذا كالحاكم إذا قامت لديه الحجة فإن شاء حكم بها، وكان الأحوط الوقف وإمهال الخصم للرفع ثم القضاء عند العجز.
[ ٩٨ ]
وكذلك إذا قامت البينة أن هذا الرجل وارث فلان جاز له القضاء بالمال والأحوط له أن يقف فيتعرف عن وراث آخر ثم يقضي إذا لم يتبين له بعد التعرف.
والكلام ليس فيما يجب احتياطًا، واحترازًا عن وهم يتحقق، ولكن الكلام في موجب النص بنفسه وأما الاحتياط فضرب معنى يترك له ما عليه الأصل إلا أن الترك به لا يجب حتمًا.
فإن قيل: فالذي يقف هكذا يحتج لامتناعه عن العمل به ويقول أنا أقف مترويًا.
قلنا: هذا صحيح ولكن لا يثبت الوقف على هذا الحد إلا بعد التزام أصل الحكم واعتقاده أنه ثابت، وأن الوقف بدليل عارض لا من نفس النص، ومتى قال هذا واعتقد ارتفع الخلاف فلا يتحسن مثله في الخاص.
ويقول في الشهادات الخاصة أن الحكم يقف احتياطًا، وكذلك في الخاص إذا احتمل المجاز كان الوقف للتعريف أحوط ما لم يؤد إلى ترك واجب يفوت بالوقت.
قال الشافعي ﵀: وسواء فيه ما أمكن القول بعمومه وما لا يمكن لكون المحل غير قابل له كقول الله تعالى: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ ﴿لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة﴾ فإن هذا المحل غير قابل عموم نفي المساواة بينهما لتساويهما وجودًا وإنسانية وبشرية وصورة وكثيرًا من الأوصاف.
وقال: هذا المانع من القول بعمومه جملة لا يمنع القول بعمومه فيما يمكن منه من الأحكام الشرعية حتى لا تكون دية الذمي مثل دية المسلم ولا يقتل المسلم بالذمي ولا يساوي الذمي المسلم في تملك العبد المسلم لأن العام الذي يثبت خصوصه بدليل شرعي يبقى عامًا في ما بقي بعد الخصوص، والخصوص لا يكون إلا بدليل مقارن للعموم يبين أن المراد به ما بعد الخصوص فأما الرفع بعد الثبوت فيكون نسخًا، ومتى كان الخصوص على هذا الوجه كان ما نحن فيه من الذي امتنع القول بعمومه من حيث الحسن، والذي امتنع من حيث الشرع واحدًا.
قال: ولكن الثابت بالعموم لا يكون قطعًا مثل الثابت بالخصوص لأن العام لا يرد قط إلا على احتمال الخصوص في نفسه، وكذلك الحكم بعمومه يثبت على احتمال أنه غير ثابت فلا يثبت قطعًا كالثابت بالقياس إلا عمومًا ثبت بالدليل أنه غير محتمل للخصوص كقول الله تعالى: ﴿إن الله بكل شيء عليم﴾ بخلاف الخاص فإن حكمه لا يرتفع إلا بالنسخ وإنه لا يحتمل كونه منسوخًا حال وروده، وإنما النسخ يرد على بقاءه بعد ثبوته والكلام في موجب حكمه حال الورود لا حال بقائه.
ودل على صحته رواية الصحابة والسلف والناس إلى يومنا أخبار الأحاد الخاصة في معارضة عموم الكتاب وتخصيص العموم بها. وكذلك بالقياس.
[ ٩٩ ]
وأما علماؤنا فإنهم ذهبوا إلى أن الخاص إنما وجب حكمه قطعًا لأن اللفظ وضع له في الأصل فكان ذلك حقيقته فلاحتمال المجاز لم يتغير حكمه في نفسه ما لم تقم الدلالة، والعموم في الأصل ما وضع إلا للتعميم والشمول منه حقيقة على ما بينا فلاحتمال مجازه وهو المخصوص لا يتغير حكمه في نفسه حتى تقوم الدلالة.
فإن قال قائل: فكذا أقول في الخاص إن حقيقته لا تثبت قطعًا ما لم يتبين أنه لم يرد به مجازه كالنصوص في زمان رسول الله ﷺ ما كانت توجب بقاء الحكم قطعًا لاحتمال النسخ وإن لم يثبت النسخ بعد.
قلنا له: إن المجاز لا يثبت من الكلام إلا بإرادة المتكلم النقل إليه عما وضع اللفظ له، والإرادة لا تثبت إلا ببيان من قبله أو دلالة الحال أو العرف ونحوها، فإذا انعدمت دلالات الإرادة لم يثبت الناقل فلم يثبت النقل فبقيت الحقيقة قطعًا بلا احتمال، وهذا كالنص المطلق فإن حكمه يثبت مطلقًا قطعًا، وإن احتمل التغيير بزيادة قيد أو تعليق شرط لأن الثاني إنما يثبت بزيادة بيان ولم يثبت.
وما هذا بنظير بقاء الحكم قطعًا على ما يثبت ابتداء ً لأن النص أوجب حكمه فأما البقاء على ما يثبت فليس بموجب به، ولكن من حيث أن الشيء إذا ثبت دام حتى يقوم دليل الزوال فكان البقاء بحكم استصحاب الحال لعدم الدلالة والعدم في نفسه فيه احتمال ما كان يعلم قطعًا فكذلك موجبه لا يثبت قطعًا حتى لما تيقنا بعد رسول الله ﷺ بعدم النسخ ثبت البقاء قطعًا.
فإن قيل: إن عدم إرادة المتكلم الخصوص ما عرفت إلا بعدم الدلالة عليها فلا يثبت قطعًا كعدم النسخ في زمن رسول الله ﷺ، بخلاف عدم التعليق والاستثناء فإن طريق ثبوتهما النص عليهما فإذا سكت عنهما ثبت العدم يقينًا.
قلنا: إن الإرادة لما كانت باطنة لا يوقف عليها إلا ببيان لم يكن حجة علينا أصلًا حتى تظهر بطريقها لأن الله تعالى لم يكلفنا ما ليس في وسعنا فلا يجعل الباطن الذي لا نقف عليه حجة حتى يظهر، ويكون ابتداء ثبوته حجة بظهوره فصارت بمنزلة الشرط والاستثناء في الحكم، وهذا كما قيل إن ابتداء الشرائع ما كانت تلزم إلا بعد السماع لأن العبد لا يقف عليه إلا بسماعه فكان لحال سماعه حكم نزول الخطاب ابتداء، وهذا كما قيل فيمن قال لامرأته: إن كنت تحبيني فأنت طالق، فقالت: أحبك، كذبًا وهي تبغضه، أو علق الطلاق بمحبتها النار، فقالت: أحب. طلقت، وإن تيقنا بالكذب لأن المحبة لا تعرف إلا بالخبر عنها فقام الخبر مقام المحبة حقيقة ليكون بناء الحكم على ما نطلع عليه، وصار كأنه قال لها: إن أخبرتني أنك تحبيني فأنت طالق، والخبر يشتمل على الكذب والصدق جميعًا فطلقت في الحالتين بوجود الخبر دون المحبة حقيقة، فهذا سر المسألة ومزل القدم.
[ ١٠٠ ]
فالخصم مال إلى أن الإرادة مغيرة حكم الحقيقة لا محالة، واحتمال الإرادة ثابت حال التكلم فثبت احتمال التغيير به إلا أن الله تعالى لما لم يكلفنا ما ليس في وسعنا سقط اعتبار الإرادة في حق العمل فلزمنا العمل بالعموم الظاهرة دون ما لا نصل إليه من الإرادة الباطنة، وبقيت الإرادة معتبرة في حق العلم فلا يعلم قطعًا لأنه ليس في وسعنا ذلك، وإنه كلام حسن.
ويجب على هذا الأصل أن لا تطلق المرأة فيما إذا قال لها زوجها: إن كنت تحبين النار فأنت طالق، فقالت: أحب لأنا علمنا يقينًا ببغضها النار طبعًا، وإنما يقام الخبر مقام المحبة لأن سبب علمنا به فيما يحتمل المحبة والبغض فإذا كان الاحتمال زائلًا بدلالة أخرى وجب الحكم بها ولم يجز الوقوف على بيان يقع بالخبر، كما قال في مسألة العموم إنه إنما يحتمل بيان الخصوص بدليل يرد إذا كان مما يحتمل الخصوص بإرادة المتكلم وامتنع العمل بالإرادة لاحتمالها.
فأما إذا كان لا يحتمل إرادة الخصوص كقول الله تعالى: ﴿إن الله بكل شيء عليم﴾ فلا يجب الوقوف على البيان، وكذلك يجب أن يقول به في حقيقة الخاص مع مجازه.
والجواب عنه لعلمائنا: أن الله تعالى لما لم يكلفنا ما ليس في وسعنا وليس في وسعنا الوقوف على الباطن إلا بدلالة ظاهرة لم يجعل الباطن حجة أصلًا في حقنا فسقط اعتباره في حق العمل والعلم جميعًا، وجعل الحجة ما يظهر به الباطن وإن كان سببًا لثبوت الحجة في الباطن إقامة السبب الظاهر مقام ما هو حجة باطنة في نفسها تيسيرًا على عباده بزوال كلفة التأمل في الباطن، لاعتبار الحكم بحسب احتمال ثبوته على ما قاله الخصم.
وهذا كما أن الخطاب متعلق باعتدال العقل وإنه أمر باطن والبلوغ سبب ظاهر له على ما عليه الجبلة بلا آفة فعلق الشرع الخطاب بالبلوغ الذي هو سبب ظاهر، وأقامه مقام اعتدال العقل الذي هو أصل فيه تيسيرًا فأسقط حقوقه عن الصبي وإن اعتدل عقله كأنه لم يعتدل، وخاطب البالغ وإن لم يعتدل عقله بلا خلاف كأنه اعتدل.
وكذلك رخص السفر في الأصل متعلقة بالمشقة وهذه صفة باطنة، والسفر سبب ظاهر لها فأقام هذا السبب الظاهر مقام المشقة فأثبت به الرخص وإن لم يلحقه مشقة وأزالها بالإقامة وإن لحقته فيها مشقة السفر إلا أن يضطر فيباح له الترك دفعًا للضرورة لا بحكم سقوط الخطاب حتى إذا صبر فقتل كان مأجورًا، أو بمرض في الإقامة فيثبت الرخص في المرض، وإنه جنس آخر غير جنس المشقة.
[ ١٠١ ]
وكذلك الاستبراء في الأصل يجب صيانة للمياه عن الاختلاط في الإماء وسبب الاختلاط في الإماء استحداث ملك الوطء بملك اليمين لأن زوال ملك اليمين عن الأول وإن كان بعد الوطء لا يوجب استبراء مانعًا من الحدوث لآخر، فلو أبحنا للآخر بلا استبراء لاختلاط الماءان، والماء أمر باطن والإباحة بسبب ملك اليمين أمر ظاهر فأقيم هذا السبب الظاهر مقام الماء، وجعل علة في نفسه وأدير الحكم معه.
فقيل؛ متى استحدث الرجل ملك الوطء بملك اليمين لم يحل له إلا بالاستبراء، سواء كانت الأمة بكرًا أو ثيبًا، وطئت عند الأول أو لم توطء ومتى كان الاستحداث بالنكاح لم يجب الاستبراء.
وإن كانت وطئت عند الأول نحو الأمة يطأها مولاها ثم تزوجها فإنه لا استبراء يجب على الزوج، وإن كان يؤدي إلى اختلاط المياه لأن النكاح أصله في الحرائر لأن الرق أمر عارض والحرة لا توطأً إلا بنكاح، وزواله بعد الوطء يوجب عدة مانعة من نكاح آخر والاستبراء يقع بالعدة فلم يصر إباحة الوطء للزوج على ما عليه أصل الوضع بلا استبراء موجبًا لاختلاط المياه فلم يصر علة.
وكذلك قال علماؤنا- في رجل قال لامرأته؛ إن كان في علم الله تعالى أن فلانًا يقدم إلى شهر فأنت طالق الساعة، فقدم فلان إلى شهر-: فإن الطلاق يقع بعد القدوم، كما قال لها: أنت طالق الساعة إذا قدم فلان إلى شهر، وإن تبين بالقدوم أنه كان في علم الله ذلك وأنه علق الطلاق بشرط موجود لأنا لا نطلع على علم الله تعالى بقدومه إلا بعد قدومه، فكان القدوم هو الدليل الذي نقف به على العلم فقام مقام العلم فيما علق به من الحكم ولغا اعتبار الباطن في حق تعلق الطلاق به كأنه لم يذكره.
بخلاف ما إذا قال: إن كان زيد في الدار فأنت طالق فعلم به بعد شهر أنه كان في الدار يوم حلف طلقت امرأته من حين تكلم لأن كينونته في الدار مما نقف عليه نحن فلم يلغ اعتباره وتعلق الحكم بحقيقته لا بالدليل الذي يظهرها فثبت أن ما قلناه طريق بين في الشرع تيسيرًا ودفعًا للحرج، فكان أولى مما قاله خصمنا فإنه أسقط اعتبار الباطن بقدر ما لا يمكنه لا غير، والله تعالى كما أخبر أنه لم يكلف إلا بقدر الوسع أخبر أنه ما جعل في الدين من حرج، واعتبار الباطن على الوجه الذي قاله في حق العمل يوقعنا في الحرج والتأمل ليمكننا التمييز بالإرادة الباطنة أحرج من التأمل في الصبيان للتمييز بين من اعتدل عقله منهم ومن لم يعتدل، ولهذا أبى علماؤنا تأخير بيان الظاهر بوجه يحتمله من حيث ترك ظاهره على ما يأتيك من بعد.
لأن الظاهر يوجب موجبه قطعًا على حقيقة بلا احتمال فيه فلا يبقى للبيان وجه فإنه لا يتصور إلا بعد احتمال.
[ ١٠٢ ]
ولأن الله تعالى خاطبنا بلسان العرب فيلزمنا فيه ما يتفاهم من خطابنا فيما بيننا وفيما بينا لو قائل: أعط هؤلاء الفقراء مئة درهم وهم مئة فهم منه تفريق المئة عليهم على السواء، كما لو قال: اعط كل واحد منهم درهمًا.
ولو قال: لا تعتق عبدي سالمًا، ثم قال: اعتق البيض من عبيدي، ومنهم سالمًا دخل تحت الأمر العام وارتفع النهي الخاص به فثبت أن العام والخاص، سواء في خطابنا فيما بيننا فكذلك في خطاب الشرع وإن الإرادة التي هي موهمة ليس لها عبرة حتى تنص عليها أو تثبت بدلالة أخرى ظاهرة.
فإن قيل: إن تخصيص العام بالقياس جائز، وكذلك حمل الخاص على مجازه بالقياس جائز، وما يجوز تركه رأسًا بالقياس ولو كان العموم ثابتًا قطعًا لما جاز تبديله بالقياس كترك الكل.
قلنا: عندنا لا يجوز تخصيص العام ابتداء بالقياس، ولا الحمل على المجاز، وإنما يجوز بيان العموم بالقياس إذا ثبت خصوصه بدلالة يجوز رفع الكل بها من خبر ثابت تأيد بالإجماع أو بالاستفاضة في السلف أو بالإجماع نفسه ثم وقع الإشكال في حادثة إنها من جنس ما دخل تحت الخصوص، أو من جنس ما بقى تحت العموم فيعرف ذلك بالقياس لأن حكمها في نفسها قبل القياس عن ثابت قطعًا لظهور دليل الخصوص، واحتمال الحادثة في نفسها أن تكون داخلة تحت الخصوص وإنا وإنما ألغينا الباطن واحتماله دون الظاهر واحتماله لعموم النص بعد الخصوص، فيبقى عندنا على حكم عمومه. قيل: الخصوص عند الشافعي على ما بينا في بابه بعد هذا.
فإن قيل: في إثبات المعارضة بين الخاص والعام إذا لم يعلم التاريخ ألغي الحكم الخاص أصلًا ولبعض العام بقدر المعارضة بين العام والخاص، وفي نسخ الخاص بالعام إذا تأخر العام رفع الخاص بأصله وفي ترتيب العام على الخاص عمل بالخاص في الحالين كله حقيقة وبالعام بما بقى مجازًا والأصل في النصوص إنما يعمل بها ما أمكن فكان هذا الوجه أولى.
قلنا: نعم يجب العمل بها ما أمكن ولا إمكان لما ذكرنا أن موجب العام في كل ما دخل تحته بمنزلة موجب الخاص فيما دخل تحته فلا يثبت ترجيح الخاص على العام مع التساوي في قدر ما تعارضا فيه، وإذا لم يثبت الرجحان بطل الترتيب وسقط هذا الإمكان الذي يشير إليه.
أرأيت قائلًا لو قال: إني أعمل بحقيقة العموم وأحمل الخاص بالعموم على ما ضرب من المجاز أكان ذلك مقبولًا منه؟ لا، فكذلك منك إذا قلت: إني أحمل العموم على الخصوص وهو مجازه ليمكنني العمل بحقيقة الخاص وكل واحد من هذين القولين
[ ١٠٣ ]
يكون معارضًا بالآخر، ولأن موجب الحجة ليس العمل بها وحدها بل العمل بها إذا لم يعارضها أخرى والمدافعة إذا عارضتها أخرى مثلها كالشهادات في خصومات العباد، فمن لم يثبت المدافعة بعد التساوي فهو الذي ترك العمل بحقيقة الحجج وحكمها في هذه الحالة.
فالخصم سوى بين محتمل الحال وبين محتمل اللفظ الذي ورد مخصصًا فسلب حكم العموم بالاحتمالين قطعًا.
وفرق أصحابنا بين محتمل اللفظ ومحتمل الحال فألغوا اعتبار محتمل الحال لأنه أمر باطن، واعتبروا محتمل اللفظ لأنه أمر ظاهر على ما بينا، وسواء عندنا الأمر والنهي والخبر لأن صيغة العموم توجد في الكل.
وأما ما امتنع العمل بعمومه لمعنى في المحل قارن الخطاب فلا عموم له فيما بقي بدليل ما ذكرناه في باب: "العام إذا خص منه شيء ما حكمه في البقية؟ ".