هذه الأقسام أربعة:
أ- الثابت بعين النص.
ب- والثابت بإشارة النص.
ج- والثابت بدلالة النص.
د- والثابت بمقتضى النص.
فأما النوعان الأولان: فالثابت بالنص ما أوجبه نفس الكلام وسياقه.
والثابت بالإشارة ما لا يوجبه سياق الكلام ولا يتناوله، ولكن يوجبه الظاهر نفسه بمعناه من غير زيادة عليه أو نقصان عنه، وبمثله يظهر حد البلاغة ويبلغ حد الإعجاز ويكون على مثال من ينظر فيرى شخصًا بإقباله عليه، وآخرين يمنة ويسرة بغمز عينه.
ويرمي سهمًا فيصيب صيدين أحدهما قصدًا على ما يوجد في العادة والآخر فضلًا على ما يوجد في العادة بزيادة حذقه في الباب وذلك نحو قوله تعالى: ﴿للفقراء المهاجرين﴾ الآية، فإنها نص على إيجاب سهم لهم من الغنيمة، فالآية سيقت لبيان قسمة الغنائم وإشارة إلى زوال أملاكهم بمكة بقهر الكفار، فالفقير في الحقيقة عديم الملك لا البعيد عن الملك لأنه ضد الغنى والغني من ملك المال لا من أصابه بيده حتى كان المكاتب فقيرًا وإن أصاب كثيرًا.
ونحو قول الله تعالى: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا﴾ فهو نص على بيان منة الوالدة على الوالد، فالآية سيقت له وإشارة إلى أن أقل مدة الحمل ستة أشهر فمدة الفصال حولان بنص آخر (وفصاله في عامين) فاختفى هذا الحكم على الصحابة واختص بفهمه عبد الله بن عباس ولما أظهره قبلوه منه.
ومنها قول الله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ فالآية نص على إيجاب رزق الولد على الوالد، وفيه إشارة بالإضافة إلى الوالد بلام التمليك إلى أن الأنساب إلى الآباء، وإلى علة اختصاص الأب بالتزام النفقة فإنها تجب بسبب الإضافة إليه بلام التمليك كما تجب نفقه عبده.
ومنها قول الله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ إلى قوله: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ فالآية
[ ١٣٠ ]
نص على إباحة الأكل والشرب والجماع جميع الليل.
وفيها إشارة إلى صحة الصوم مع الجنابة فإن من ضرورة الجماع إلى النهار أن يصبح جنبًا وقد أمر بالصيام بعد ذلك.
وكذلك قوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ نص على وجوب الصوم نهارًا وفيه إشارة إلى تأدي الصوم بالكف عن الأكل والشرب والجماع لأن الآية سيقت لبيان قسمة الزمان للفطر والصوم إذ الصوم لا يمكن وصالًا فلا بد من أن يكون الزمان في حقه قسمين.
فقسم الليالي للفطر وجعل العلم عليه علة فعل الجماع والأكل والشرب فكانت القسمة إشارة إلى أن العلم على قسم الصوم ضده وهو الكف عن الأكل والشرب والجماع فيصير بإشارة النص الكف عنها نمطًا وركنًا به يتأدى الصوم ضرورة معرفة ضد الشيء بعلم هو ضد علم الآخر.
وقال الله تعالى في كفارة اليمين: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين﴾ إلى قوله: ﴿أو كسوتهم﴾ فكانت الآية بكلمة أو نصًا على أن الواجب أحد الفعلين والخيار إلينا.
وبكلمة الكسوة إشارة إلى أن تمليك الكسوة شرط دون تمليك الطعام لأن الواجب علينا فعل التكفير كما في العبادات فحقوق الله تعالى قبلنا أفعال ابتلانا بإقامتها أو الكف عنها، وقد شرع التكفير بالطعام بالفعل وهو الإطعام كما شرع التكفير بالتحرير فصار الواجب الفعل الذي يسمى إطعامًا لغة إلا أن لا يصلح فنزيد ضرورة ما فيه الكفاية.
والإطعام اسم لفعل يتصف به الغير بطاعم فمتى اتصف الغير بطاعم بتسليط من قبل إنسان كان المسلط مطعمًا لغة لأنه متعدي من طعم كالإجلاس متعد من جلس وذا القدر يكفي للتكفير لأن ملكه يتلف بالإطعام إذا تم.
والكفارة قد شرعت بإتلاف الملك بالتمليك كالتحرير فلم تجز الزيادة.
وشرع الآخر بلفظ الكسوة، وهو اسم لما يكتسى لا لفعله والتكفير فعله فاضطررنا إلى زيادة فعل منه لتصير الكسوة كفارة لذلك الفعل، وإنما تصير الكسوة كفارة بفعل يخرج الكسوة عن ملكه لأن التكفير يكون بالإخراج عن ملكه إلى ملك غيره.
وقد يكون بالإخراج لا غير وهو الأدنى وبأن يكسو الفقراء عارية لا يخرج عن ملكه فلا يكون فعل تكفير وقد اضطررنا إلى ما يخرج، وما ذلك إلى إخراج بتمليك فتزيد ضرورة وإشارة بلفظة الإطعام والكسوة إلى أن المصروف إليه صار أهلًا لحاجته إلى الطعام والكسوة لأن الله تعالى ما شرع صلة مالية إلا للحاجة إليها.
[ ١٣١ ]
ولما خص هذه الصلة بالكسوة وهي اسم لثياب تكتسى وبالإطعام علم أن سبب الاستحقاق حاجة خاصة أيضًا، وهي الحاجة إلى الإطعام والإكساء وهذه الحاجة مما يتجدد بالأزمنة لفقير واحد على أصل الخلقة، فصار الواحد على اختلاف الأزمنة المجددة للحاجة قائمًا مقام العشرة بإشارة النص إلى هذه العلة، لا بذكر بالنص فصارت الآية نصًا على شرع أنواع ثلاثة، ونصًا على التخيير، وإشارة باختيار اسم الفعل لأحدهما واسم الثوب للآخر على تعليق الحكم بعين المنصوص عليه من الفعل، وبزيادة على المنصوص عليه من اسم الثوب.
وإشارة أيضًا باختيار الاسم المشتق من الأكل والاكتساء اللذين لا يتصوران إلا بحاجة إلى العلة التي بها صار الفقير أهلًا للصرف إليه فجرت الإشارة من النص مجرى التعريض والكناية من الصريح والمحتمل من المحكم أو المشكل من الواضح الذي لا ينال المراد به إلا بضرب تأمل، وتبين ثم قد يوجب العلم بموجبه بعد البيان، وقد لا يوجب وإنه من أبلغ الكلام فقد أصاب عرضين بنص واحد فهذان نوعان ظاهران ثابتان بالظاهر نفسه بلا زيادة ولا نقصان والله أعلم.
وأما الثابت بدلالة النص: فما ثبت بالاسم المنصوص عليه عينًا أو معنى بلا خلل فيه، ولكن في مسمى آخر هو غير منصوص عليه.
فمن حيث كان الموجب ثابتًا بمعنى النص لغة بلا خلل لم يكن الحكم في المحل الذي لا نص فيه ثابتًا قياسًا شرعيًا، لأن معناه بلا خلل فيه معروف باللغة لا بالشريعة.
ومن حيث ثبت في محل لا نص فيه لم يكن منصوصًا عليه بعينه فسميناه دلالة النص لأن الحكم أبدًا يعم بعموم موجبه فالمحل المنصوص عليه وإن كان خاصًا فالموجب عام فدل عمومه على عموم الحكم لما لا نص فيه.
مثال قوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما﴾ فالتأفيف حرام نصًا والشتم والقتل دلالة النص حتى فهمه كل من عرف معنى النص لغة كما لو كان النص عامًا، وذلك لأن الحرام بالنص التأفيف وإنه اسم وضع لكلام فيه ضرب إيذاء واستخفاف فصار حرامًا بمعناه لا بصورة النظم حتى لا يحرم على قوم لا يعقلون معناه أو كان عندهم هذا اسمًا لضرب كرامة فكانت الصورة محلًا للمعنى.
ولما كان سبب الحرمة معناه وهو الإيذاء وإنه بقدره موجود في كلمات أخر وأفعال من الضرب والقتل مع زيادة ثبتت الحرمة عامة، ولم يكن قياسًا.
فالقياس منا: استنباط علة من النص بالرأي ظهر أثرها في الحكم بالشرع لا باللغة متعدية إلى محل لا نص فيه كما قلنا في قوله ﷺ: "الحنطة بالحنطة" إنه معلول
[ ١٣٢ ]
بالكيل والجنس بالرأي لأنه ليس بعين الحنطة ولا عين معناها لغة، ولا ما أوجبه النص.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٤] فإنه نص على إيجاب القضاء على المسافر إذا أفطر.
ودليل على إيجاب القضاء على من أفطر بغير عذر لأن القضاء بالإجماع لا يجب إلا بعد وجوب الأداء.
فوجوب الأداء في حق المسافر لما أوجب القضاء إذا لم يصم مع العذر المبيح للتأخير فإذا زال العذر والوجوب قائم مع ترك الأداء بلا عذر في حق غيره فكان الحكم ثابتًا من طريق الأولى.
وروي أن ماعزًا زنا وهو محصن فرجم فصار رجمه ثابتًا بالنص، ورجم من سواه إذا زنا وهو محصن ثابت دلالة لأنا عرفنا بالنص وبالإجماع أن السبب الموجب في حق ما عززناه في إحصانه لا كونه ماعزًا، وهذا السبب يعم غيره فكذلك حكمه.
وقال ﷺ: "الهرة ليست بنجسة لأنها من الطوافين والطوافات عليكم" فثبتت الطهارة للهرة نصًا وللحية بدلالة النص لعموم العلة.
وقال ﷺ للمستحاضة: "إنه دم عرق توضئي لكل صلاة" فوجب الوضوء عليها بدمها نصًا، وعلى غيرها بسائر الدماء دلالة لعموم العلة فالعلة منصوص عليها في هذين البابين وبمنزلة المنصوص عليه فيما مضى.
لأن معنى النص لغة الذي لأجله صح وضع الاسم دون غيره بمنزلة المنصوص عليه لأن الكلام ما صار مفيدًا ولا موجبًا إلا بمعناه.
وكذلك الله تعالى أوجب الحد على الزاني ثم أوجب عامة العلماء الحد على اللوطي دلالة فإن الحدود لا تثبت قياسًا فقالوا: إن الزنا اسم لفعل حرام لغة وهو اقتضاء شهوة الفرج على قصد اقتضاء الشهوة بسفح الماء لا غير، ولهذا سمي سفاحًا لا لقصد الولد.
واللواطة من حيث اقتضاء الشهوة وسفح الماء على سبيل تضييع النسل مثل الزنا بل أبلغ.
أما الاشتهاء فالمحلان فيه سواء طبعًا.
وأما الحرمة فآكد في حق اللواطة شرعًا وعقلًا لا تزول بحال في هذا المحل.
وأما الضياع فلأن الولد لا يتخلق في هذا المحل أصلًا فتعدى الحكم إليها لعموم
[ ١٣٣ ]
معنى الزنا، إلا أن أبا حنيفة ﵁ يقول فيه معنى زائدًا وهو أن الحدود شرعت زواجر، وليست اللواطة كالزنا في الحاجة إلى الزاجر.
لأن الزنا مما يرغب فيه الفاعل والمفعول بها، واللواطة لا يرغب فيها المفعول به طبعًا.
ولأن في الزنا ضياع النسل وفساد فراش الزوج، وليس في اللواطة فساد الفراش فلم تساويه جناية.
ومن ذلك أن النبي ﷺ قال للذي أكل وشرب ناسيًا: "أتم على صومك فإن الله تعالى أطعمك وسقاك" فسقط حكم الفطر من الأكل بالنص، ومن الجماع بدلالة النص.
لأن المسقط من حيث النص نسيانه للصوم وإنه يتعدى إلى الجماع، والجماع مفطر مثل الأكل سواء.
وكذلك كفارة الإفطار على الأعرابي الذي جامع امرأته في نهار رمضان ثبت بالنص، وعلى غيره بدلالة النص بالإجماع.
وكذلك يجب بالأكل والشرب بدلالة النص لأن الجماع أوجبها بالإجماع لا بمعناه وقوعًا على المرأة، وهو اقتضاء شهوة الفرج فإنه لو كان سببًا لصومه لا يجب ولكن بمعناه وقوعًا على الصوم فإنه مفطر للصوم، والكفارة كفارة فطر، ومعنى الإفطار عام تعلق به وبالأكل والشرب سواء لأن الصوم كان صومًا للكف عن اقتضاء شهوة البطن والفرج، فلما استويا في قيام الصوم بالكف عنهما استويا في انتقاضه بفعلهما ضرورة، وذلك هو الإفطار.
ولما كان الإيجاب في الأكل بالإفطار الذي هو في الجماع لم يكن قياسًا بل كان عملًا بمعنى الاسم الثابت نصًا إلا أنه اسم شرعي فالأكل اسم للإفطار شرعًا كالصوم بل كان القياس ما قاله الشافعي رحمه الله تعالى في أن من أكل مكرهًا لم يفسد صومه كالناسي لأن الكره غير النسيان اسمًا ومعنى.
فلما لم يكن الحكم مضافًا إلى الموجب الثابت بالنص بل إلى غيره كان قياسًا فكان فاسدًا لأن النص معدول بحكمه عن القياس على ما بينا في موضعه.
ومن ذلك قول النبي ﷺ: "لا قود إلا بالسيف" فوجب القود بالسيف بالنص، وبالرمح لأنه مثل السيف فالمراد بالسيف هو القتل به لا قبضه، والرمح مثله قتلًا به، وكذلك السهم وما يجرح.
[ ١٣٤ ]
ومن ذلك الجماع لما أوجب على الرجل الكفارة بعلة الفطرية نصًا دل على الإيجاب على المرأة لأن الجماع يعمهما.
ولما صح صوم عاشوراء بالنية من النهار وهو واجب نصًا بالأمر دل على صحة صوم رمضان وإن لم يتناوله النص لأنه مثله في صفة الوجوب، وهو أنه واجب بسبب ذلك الوقت عينه لا سبب له غيره.
وضرب الدلالة من باب البلاغة معنى.
وضرب الإشارة من باب البلاغة لفظًا فذلك لفظ تضمن معنيين وهذا لفظ في محل خاص تضمن معنى عامًا فكانا من ضروب الفصاحة.
وقد قال الشافعي ﵀: إن الكفارة لما وجبت بقتل الخطأ فبقتل العمد أولى لأن الخطأ عذر مسقط لا موجب لحقوق الله تعالى، فلما لم يسقط ضمان الكفارة مع قيام العذر فبدون قيامه أولى كما قلنا نحن في قضاء صوم السفر.
وكذلك الكفارة لما وجبت باليمين المعقودة إذا حنث فيها وصارت كاذبة فالتي هي كاذبة من الأصل أولى بالإيجاب لوجود ذلك الكذب فيه وزيادة إلا أن نقول بالقتل خطأ وجبت الكفارة لا بنفس القتل لأن نفسه فعل محظور إذا كان بغير حق، وإنما يأخذ صفة الإباحة بالخطأ فإن الشرع أباح له الرمي باجتهاده.
ولا بد لسبب الكفارة من صفة الإباحة مع صفة الحظر لأن في الكفارة معنى العبادة، ومعنى العقوبة على ما بينا من بعد.
ووجوب العبادات لا يتعلق بارتكاب المحظورات والمعاصي، بل بأسباب مباحة موجبة كملك النصاب.
ووقت الصلاة، والعقوبات تتعلق بارتكاب الجرائم، فإذا اجتمع لها صفة العبادة والعقوبة لم يجب إلا بسبب مباح محظور فلم يصر الحرام المحض بمعنى ما فيه الإباحة في صلاحه سببًا للكفارة.
وكذلك اليمين الغموس حرام محض ما فيه وجه إباحة شرعًا، والمعقودة مباحة فإن الشرع أمر به في بيعة الرسول ﷺ والحلف الحق محظورة من وجه لقوله تعالى: ﴿واحفظوا أيمانكم﴾ أي لا تحلفوا، وقوله: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم﴾ الآية فكان الوجوب معلقًا في المعقودة بالوصفين جميعًا فلا يصير الحرام المحض من جنسه بل الحرام المحض من جنس الزنا والردة والسرقة فلا يصلح سببًا للكفارة بل للعقوبة المحضة إما في الدنيا وإما في الآخرة.
وأما النوع الرابع وهو المقتضى فزيادة على النص لم يتحقق معنى النص بدونها
[ ١٣٥ ]
فاقتضاها النص ليتحقق معناه، ولا يلغو فصار حكم المقتضى مضافًا إلى النص لأن النص أوجب المقتضى فصار المقتضى مع حكمه حكمين للنص، كشراء الأب إعتاق حكمًا، وإن لم يوجب العتق بنفسه بل بزيادة الملك، ولكن الملك لما ثبت بالشراء كان حكمه، وهو العتق مع الملك حكمين للشراء فكذلك ها هنا، ولما أضيف المقتضى مع حكمه إلى النص صار بمنزلة الحكم الثابت بالنص بعينه بلا مقتضى ولم يكن قياسًا وهذا لا خلاف فيه، إنما الخلاف في أن المقتضى هل له عموم النص أم لا؟
قال علماؤنا: لا عموم له.
وقال الشافعي: له عموم لما ذكرنا أن الحكم الثابت به بمنزلة الحكم الثابت بالنص، والحكم الثابت بالنص، والحكم الثابت بالنص له عموم فكذلك هذا إلا أنا نقول أن مقتضى النص ساقط من النص بنفسه في الأصل لا حكم له، وإنما يثبت ضرورة أن يصير الكلام مفيدًا فيتقدر بقدر الضرورة.
وإذا ثبت بقدر ما يصير الكلام مفيدًا زالت الضرورة المثبتة فسقط ثبوته كالميتة حكمها الحرمة في الأصل، والحل يثبت بالضرورة فيتقدر بقدرها، وهو قدر سد الرمق دون ما سواه من التمول والحمل والشبع، بخلاف الثابت بالنص نفسه لأن ثبوت معناه منه الأصل فلا يسقط إذا كان عامًا إلا بدلالة كحل الذبيحة.
ومثاله: قول الله تعالى: ﴿وسئل القرية﴾ أي أهلها اقتضاء لأن السؤال للتبيين، فاقتضى موجب هذا الكلام أن يكون المسؤول من أهل البيان ليفيد فيثبت الأهل زيادة اقتضاء ليفيد.
وقال النبي ﷺ: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" وعينها غير مرفوع فيصير كذبًا لو أريد بها عينها، وهذا لا يجوز على النبي ﷺ فاقتضى ضرورة زيادة وهو الحكم ليصير مفيدًا وصار المرفوع حكمها، وثبت رفع الحكم عامًا عند الشافعي في الآخرة وهو المؤاخذة بالعقاب، وفي الدنيا من حيث الصحة شرعًا.
وقال: طلاق المكره والمخطئ باطل وكذلك كل تصرفاته، والأكل مكرهًا ومخطئًا لا يفسد الصوم لأنه متى فسد لزمه القضاء، وهو من الأحكام المشروعة في الدنيا.
وكذلك صحة أداء الصوم في نفسه حتى يسقط المؤاخذة عنه من أحكام الدنيا والثواب من أحكام الآخرة فتثبت عامة، كما لو ثبت نفي حكم الخطأ نصًا فقال ﷺ: "رفع عن أمتي" حكم الفعل ناسيًا ومكرهًا وخطئًا.
[ ١٣٦ ]
وقال علماؤنا رحمهم الله تعالى: إنما يرتفع بها حكم الآخرة لا غير، ولا يرتفع عامًا لأن حكم الآخرة وهو المؤاخذة مرفوع بها بالإجماع وبهذا القدر يصير مفيدًا فتزول الضرورة فلا يتعدى إلى حكم آخر.
وقال ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات" والمراد بها: حكم الأعمال فعينها تثبت بلا نية.
وقال الشافعي: كل حكم يتعلق ثبوته شرعًا بالنية إلا حيث قام الدليل.
وقلنا: لا يتعلق بها إلا حكم الآخرة من الثواب فإنه مراد بالإجماع فالعبادات التي يتعلق بها ثواب لا تصح مؤادة بنفسها إلا بنية، ولما ثبت هذا مرادًا وبه يصير الكلام مفيدًا لم يتعد إلى ما وراءه، وصار كأنه قال: إنما ثواب الأعمال بالنيات.
وقال علماؤنا فيمن قال لامرأته: أنت طالق، ونوى بها ثلاثًا: لم يصح.
وقال الشافعي: يصح، لأن قوله: طالق يقتضي طلاقًا لا محالة، ولو قال لها: أنت طالق طلاقًا، ونوى به ثلاثًا صح فكذلك ها هنا.
وقلنا: النية لا تصح في قوله: طالق، لأنه نعت لفرد لا يحتمل الثلاث، وإنما يصح في الطلاق لأنه اسم يحتمل العموم والخصوص، والطلاق غير منصوص عليه، ولكنه مقتضى النص، والمقتضى لا عموم لثبوته عندنا بل يثبت بقدر ما ترتفع به ضرورة النص، وضرورته ترتفع بثبوته في حق طالق ليقع لأن النعت لا يثبت بدون المصدر فلم يبق ثابتًا في حق نية الثلاث، لأن النعت صح بدون الثلاث فلم تكن الضرورة المثبتة في حق نية الثلاث ثابتة فلم يثبت في حقها، وكان كالاستحقاق الثابت على المشتري بإقراره يثبت خاصًا في حقه دون البائع، لأن قوله جعل حجة عليه لا على غيره فثبت خاصًا بقدر خصوص الحجة.
وكما قالوا فيمن قال لآخر: اعتق عبدك عني بألف درهم. فقال: أعتقت، ثبت العتق عنه، وثبت الشراء من المأمور مقتضيًا بالإجماع، فصار الطلب مقتضيًا بيعًا منه ضرورة أن يصح العتق عنه، وثبت البيع خاصًا في حق تصحيح العتق عنه، ولم يثبت حيث لا تصحيح للعتق، حتى لو قال المأمور: بعتك بألف درهم ثم أعتقه لم يصر مجيبًا لكلامه بل كان مبتدئًا ووقع العتق عن نفسه.
وكذلك من قال لامرأته: حجب، ونوى الطلاق لم يصح وإن اقتضى الحج ذهابًا لأنه اقتضاء ضرورة أن الحج لا يتصور إلا بذهاب، فثبت ذهاب لتصحيح الحج لا ذهاب
[ ١٣٧ ]
مطلق، وذهاب الحج لا يحتمل معنى الطلاق فلم يصح فيه نية الطلاق، كما لو قال: اذهبي إلى بيت الله، والذي يدل على أن المقتضى من باب الاختصار، والعرب إنما تختصر على وجه يدل الباقي على ما سقط كما في قوله تعال: ﴿وسئل القرية﴾ فالسؤال للتبيين، فدل على أن المختصر هو الأهل الذي هو أهل للبيان.
وكذلك في قوله ﷺ: "رفع عن أمتي الخطأ" الخبر وقوله: "إنما الأعمال بالنيات" دليل على أن المرفوع والواجب حكمان من حقوق الله تعالى دون الناس لأن الخطأ والنسيان والكره من صفات القلب، وكذلك النية، والقلب باطن لا يقف على عمله إلا الله تعالى، فحكم عمله لا يثبت إلا في حق الله تعالى، وذلك في معنى العبادة من العمل أو معنى المعصية فأما ما عداها فللعباد.
ولهذا قال علماؤنا أن بيع المكره يجوز، وكذلك كل تصرفاته معتبرة لأنه صفة القلب، ولكن لا يحل ولا يطيب. لأن الحل والطيب والحرمة حق الله تعالى.
وجملة حد المقتضى أن تنظر إلى النص نفسه، وإلى المعنى الذي هو شرط صحة الكلام فتثبته مقتضيًا كما في قوله تعالى: ﴿وسئل القرية﴾ فإنه لو تم بنفسه لوجب أن تكون القرية ذات بيان فإذا لم يوجد فيها هذا الشرط أثبتنا من فيه ذلك، وقوله: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" لأن الفعل خطأ لو تم بنفسه لوجب أن يكون المرفوع حقًا لله تعالى لما ذكرنا، فإذا لم يتم وتصور العمل واقعًا معه أثبتنا ما فيه ذلك الوصف، وهو معنى المعصية من العمل ليكون ثبوت المقتضى من حيث يدل عليه اللفظ، فإن الإثبات بلا نص أو دلالته أو إشارته لا يكون إلا بالقياس والقياس حجة في تعدية حكم النص إلى غيره، دون إثبات النصوص وقد نص كتاب الله تعالى على هذا فإن من قتل خطأ لم يأثم ولم يعاقب عليه في الآخرة، ولزمه ضمان الدم والكفارة لأنها ليست بعقوبة محضة.
ومن حنث في يمينه خطأ أو ناسيًا ليمينه لزمته الكفارة ولم يأثم.
ومن زنى بامرأة خطأ لزمه العقد ولا يلزمه الحد لأنه عقوبة خالصة لله تعالى، وهذا قريب من الضرب الأول فإنا أوجبنا بالضرب الأول حكما حيث لا نص فيه بدلالة النص، وها هنا أوجبنا زيادة موجب ليس في النص بدلالة النص إلا أن تلك في محل الحكم، وههنا في علة الحكم.
فإن قيل، إذا قال الرجل لولد له أم معروفة: هذا ولدي، حتى يثبت النسب منه، ثم
[ ١٣٨ ]
جاءت أم الغلام بعد موت الأب وصدقته ورثته ودعوة الغلام نصًا إقرار بنكاح الأم اقتضاء، وثبت في حقق تصحيح النسب الذي لا بد له من الوالدة في حق الميراث، كما لو ثبتت أمًا بالإقرار.
قلنا: قوله: هذا ولدي، إقرار بأنه ولده منها إشارة لا اقتضاء ولأن الولد اسم مشترك لا يتم إلا بوالد ووالدة كاسم الأخ لا يتم إلا بأخ آخر، فكذلك الولد لا يتم إلا بوالدين، ولو صار تسمية الولد تسمية للوالدين إشارة، صار الثابت بالإشارة كالثابت بالظاهر فثبت عامًا بخلاف المقتضى فهذه حدود متشابهة ما يميز بينها إلا الفهم المنصف وشيء منها لا يحتمل الخصوص.
أما المقتضى فلأنه لا عموم له.
وأما الدلالة فلأنها تعم بحسب عموم العلة، والعلة بعدما ثبتت علة لا تحتمل الخصوص لما ذكرنا أن الخصوص لبيان أن قدر المخصوص لم يدخل تحت النص فأما بعد الدخول فلا يكون تخصيصًا بل يكون تركًا.
وأما الإشارة فلأنها زيادة معنى على معنى النص، وإنما تثبت بإيجاب النص إياه لا محالة فلا يحتمل الخصوص وبيان أنه غير ثابت.
وقد لقب بعض الناس فقال: أن النص يعمل بمنظومه ومفهومه، وإنه لقب حسن غير أنهم لم يفرقوا بين أنواع ما فهم من النص بهذا الاسم مما قد مر، وبين ما لا يفهم منه.
ومنها ما قال بعضهم: أن التنصيص دليل على التخصيص، وعنى به قطع المشاركة بين المنصوص عليه وغيره من جنسه، قال: لأن الشرع لما نص على عين من الجملة دل على تخصيصه إياه بذلك الحكم لولاه لما كان للتخصيص بنصه فائدة.
وهذا تلبيس ظاهر لأنه إن عنى بالتخصيص أن ما لا يدخل تحته لا يشاركه في حكم النص بالنص فما أحد يخالفه، إلا أن نقول إنما لا يشاركه لأن سبب الوجوب لم يتناوله، والحكم إنما يثبت بحسب سببه لا أن الخالص نفاه، وإن قال لا يجوز أن يشاركه ما عداه في حكمه لمانع من حيث النص فغلط ظاهر لأن ما عداه لم يدخل تحته فكيف يتعدى إليه حكمه بنفيه، على أن النص كان لإيجاب حكم فكيف يوجب نفيا؟ وهو ليس بمعناه لغة بل هو ضده فكيف يقال هذا؟
وما من نص إلا ويجوز تعليله عند من يقول بالقياس وإذا علل يتعدى، ولو كان النص مانعا من التعدي لما كان بعرض التعليل ولأن من أبى القياس أباه لأنه رآه محتملا
[ ١٣٩ ]
للكذب والصدق فأبطله لضعف فيه لا لأن النص منع القياس عليه كما لا يكون خبر الفاسق حجة لا لأن النص الذي يرويه الفاسق يمنعه من كونه صحيحا في ذلك بل لضعف في سنده، فيصير هذا القول خارجا عن حدود الإجماع.
ومنها ما قال الشافعي﵀- فيما يحكي عنه أصحابه: أن تنصيص الشرع على وصف من جملة أوصاف المسمى باسمه يفهمنا نفي ذلك الحكم عند عدم ذلك الوصف ويجري مجرى النص عليه نفيًا كقول النبي ﷺ: "في خمس من الإبل السائمة شاة" فلا تجب الزكاة إذا لم تكن سائمة، كأنه قال: ولا زكاة إذا لم تكن سائمة، قال ألا ترى أنا خصصنا به عموم قوله: "في خمس من الإبل شاة".
وقال ﷺ: "أدوا صدقة الفطر عن كل حر وعبد من المسلمين" فأوجب بمفهومه نفي الصدقة عن الكفار فأوجب تخصيص عموم الأمر بالأداء عن كل حر وعبد تقييده بالإسلام.
وكذلك النبي ﷺ: "نهى عن ربح ما لم يضمن" فدل بمفهومه على طيبة ربح ما قد ضمن، قال: لأن تخصيص صاحب الشرع وصفًا من أوصاف المسمى باسمه يوجب تعلق الحكم بذلك الوصف نصًا بدليل أنه لولا الوصف لثبت الحكم قبله والآن تعلق ثبوته مع وجود الاسم العام الموجب لولا ذكر الوصف بوجود الوصف، وهو كقول الرجل لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار فالدخول شرط لأن الطلاق كان يجب بقوله: أنت طالق لولا الدخول فلما تعلق بالدخول كان شرطًا، وإذا قال: أنت طالق إن دخلت الدار وأنت راكبة، كان الركوب شرطًا، والطلاق يتعلق بالركوب كما يتعلق بالدخول، ولما جرى مجرى الشرط وجد الحكم عند وجوده بمنظومه وعدم عند فقده بمفهومه، بخلاف اسم العلم فإنه يذكر للتعريف لا لتعليق الحكم به.
فأما الوصف فهو اسم الحال والنعت المعنوي فدل على تعلق الحكم به، ولأن الاسم لابتداء الإيجاب كالعلة والوصف بعده لتعليق حكم الاسم بالوصف حكمًا فكان شرطًا والفرق بينهما ما نذكره في فصل الشرط.
وأبى علماؤنا﵏- هذا فإن أبلغ ما في الباب أن يصير الوصف المعنوي المؤثر في إيجاب الحكم بمنزلة ذكر العلة.
ولا خلاف بين العلماء أن العلة توجد الحكم عند وجودها ولا يعدم عند عدمها بل الحكم يبقى عند العدم على ما كان قبل معرفة العلة، وإنما يصير الوصف شرطًا إذا عطف على شرط كما في مسألة الطلاق فإن حكم المعطوف حكم المعطوف عليه.
[ ١٤٠ ]
فأما إذا قرن بنص فيصير بمنزلته ثم الاسم كان موجبًا للحكم ابتداءً فكذلك الوصف إلا أنه معنوي مؤثر فيصير عليه النص، ولهذا كان السوم بمنزلة العلة في باب الزكاة يضاف إليه الوجوب، والشرط لا يضاف إليه الوجوب، نحو قول الرجل لآخر: أعتق عبدي الصالح، أو طلق امرأتي البدية فيدل الوصف على أنه المشير للحكم فيصير بمنزلة العلة.
على أنا وإن سلمنا أنه يصير شرطًا فالشرط عندنا يوجد الحكم عند وجوده، ولا يقتضي نفيًا عند عدمه بل الحكم حال عدم الشرط يبقى موقوفًا على قيام الدلالة، كما قلنا في العلة، ولهذا قلنا: إن صدقة الفطر تجب عن العبد الكافر لقول النبي ﷺ: "أدوا عن كل حر وعبد" من غير تفصيل، وقوله: "من المسلمين" لا يوجب التخصيص لأنه لا حكم له فيمن ليسوا مسلمين، وإنما أوجب تقييد كل عبد ذكر في صدر هذا النص بالإسلام لأنه كلام واحد فلا يحكم بصدره قبل الاختتام عليه وما اختتم إلا بقيد الإسلام فصار المذكور عبدًا مسلمًا من الأصل فلم يدخل تحته الكافر، لا أن صفة الإسلام رفع الحكم عن الكافر فأما النص المطلق الذي اختتم على إطلاقه فقد دخل تحته الكافر والمسلم فلا يخرج الكافر إلا برافع.
وأما الزكاة فإنما لم تجب في الإبل العوامل لقوله ﷺ: "لا زكاة في الإبل العوامل" لا بقوله: "في خمس من الإبل السائمة شاة" ألا ترى أن من قال لآخر: اعتق عبدي الأسود، ثم قال: اعتق عبدي الأبيض لم يكن نهيًا عن عتق الأسود.
ومنها الحكم المعلق بشرط.
قال الشافعي﵀-: إنه ينتفي حال عدم الشرط بمفهومه.
وقال علماؤنا﵏-: انتفاء المعلق حال عدم الشرط لا يفهم من التعليق بل يبقى على ما كان قبل ورود النص.
واحتج الشافعي بأن تعليق الحكم بشرط ينفيه عما قبله ويعدمه على اعتبار أنه لولاه لكان موجودًا كقول الرجل لعبده: أنت حر، يوجب وجود الحرية صفة للعبد، فإذا قال: إن دخلت الدار، وتعلق به العتق أوجب إعدامه عن محله ونفيه مع وجود قوله: أنت حر فثبت أن التعليق كما يوجب الوجود عند الشرط أوجب النفي عما قبله وكذلك التعليق الحسي فإن تعليق القنديل بالحبل بسماء البيت يوجب وجوده في الهواء ونفيه عن الأرض والمكان الذي كان فيه لولا العلقة.
وليس الشرط كالعلة فإن العلة يتعلق بها ابتداء ثبوت الحكم وعدم الحكم قبل أولية
[ ١٤١ ]
الوجود لا يكون بعلة ولكن بانعدام علة الوجود أو سببه فلم يكن من حكم العلة إلا وجوب الحكم عندها، فإنه السبب لابتداء الوجوب والتعليق لتغيير حكم الوجوب بعد وجود سبب الوجوب فجرى مجرى الأصل ولهذا لم يجوز الشافعي تعليق الطلاق أو العتاق بالملك، لأن وجوده لا يسبق الملك وملك المحل هو الشرط لابتداء صحة التطليق أو الإعتاق فيه والتعليق لتغيير حكمهما بعد وجودهما، فلا بد أن يكون ملك التعليق مرتبًا على شرط صحة العلة.
وقال الشافعي﵀-: لا يجوز نكاح الأمة حال وجود طول الحرة لأن الله تعالى قال: ﴿ومن لم يستطع منكم طولًا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ فعلق جواز نكاح الأمة بعدم طول الحرة فأوجب الإباحة عند عدم الطول ونفيها عند وجود الطول.
وقال أيضًا: لا يجوز نكاح الأمة الكتابية لأن الله تعالى علق الإباحة في الأمة بصفة الإيمان وقد ذكرنا أنه يجري مجرى الشرط.
وقال: إن تعجيل الكفارة قبل الحنث جائز، وإن علق الوجوب بالحنث كما لو قال: إن دخلت الدار فعلي كفارة لأنه، على أصله بمنزلة التأجيل، كأنه قال: لله علي أن أتصدق بدرهم غدًا، والأجل لا يمنع تعجيل العبادة المالية بالإجماع فكذلك الكفارة بالمال وهذا لما ذكرنا أن ابتداء وجوب الحكم يكون مع السبب لا مع الشرط.
وإنما يكون مع الشرط تأدية فإذا وجد السبب لم يمتنع أداؤه قبل الشرط فيما يتصور وجوده ثابتًا قبل فعل الأداء من نحو العبادات المالية لأنها حقوق مالية تجب في الذمة ثم تؤدى بالفعل كديون العباد، فيتصور فيها الفصل بين الواجب بنفسه وبين وجوب الأداء على العبد فعلًا، كما في الديون المؤجلة فإذا تأخر الأداء بسبب جاز التعجيل بعد السبب بناء على ثبوته في نفسه.
فأما البدني فلا يمكن الفصل فيه بين الواجب وبين المؤدى فإنه فعل فيكون ابتداء وجوده حال الأداء فالشرط الذي يؤخر الأداء كينونته في نفسه فيمنع ثبوته قبل الشرط ويستوضح هذا بالعقد الوارد على العين دون الذمة، كمن اشترى عبدًا بعينه فلا بدأن يكون التسليم مرتبًا على ملك المبيع في نفسه.
وإذا اشترى منفعة عين نحو استئجار الدار لم تسبق المنفعة في الحقيقة التسليم لأنه لا يبقى زمانين، فحال التسليم حال ابتداء دخوله تحت العقد حقيقة، فكذلك ما يلتزم في الذمة إن كان الملتزم مالًا فالأداء يترتب على الواجب، ويمكن الفصل بينهما حقيقة أو اعتبارًا، وإن كان الملتزم فعلًا فلا يمكن الفصل بين المؤدى والواجب.
وأما علماؤنا فإنهم ذهبوا إلى أن الأسباب الموجبة للأحكام إذا علقت بالشروط كان
[ ١٤٢ ]
التعليق تصرفًا في العلل بإعدامها لا في أحكامها وعند وجود الشرط يكون ابتداء وجود الأحكام كما عند وجود العلل لا فرق بينهما في حكم الابتداء، وإنما يفترقان في الإضافة فيقال عند الشرط تجب ابتداء، ولكن بالعلة تجب، وإذا كانت بمنزلة العلل في حكم الابتداء كان الانعدام قبلها بحكم أن لا تصور للوجود قبل ابتدائه لا بسبب باق كما قال الخصم في العلة، ولا إشكال فيه، وإنما الإشكال في إثبات هذا الأصل وبيانه فيمن قال لعبده: أنت حر إن دخلت الدار، فالحرية قبل الدخول منعدمة لانعدام العلة لا لأن الشرط نفاه بعد وجود سببه لأن قوله: أنت حر كما لا يعمل حتى يتم الصيغة بقوله أنت مقرونًا بقوله حر لا يعمل حتى يحل محلًا صالحًا للتحرير، فإنه لو أضافه إلى بهيمة أو ميتة؛ لغا، كما إذا قال: أنت، وسكت، أو قال: حر، وسكت.
وقوله: إن دخلت الدار، منع وصول هذا الإيجاب إلى العبد لأنه تعلق بالدخول فلا يصل إليه قبل وجوده كالقنديل المعلق بحبل لا يكون واصلًا إلى الأرض ضرورة لاستحالة كينونته كائن في مكانين أو زمانين في حين واحد، وإذا لم يصل إلى محله لم يصر أنت حر علة بل كان يعرض أن يصير علة للوصول إليه عند وجود الشرط كالرمي لا يكون سببًا للقتل قبل وقوع السهم في المرمى ولكنه يعرض أن يكون علة إذا وصل إلى محله.
وكذلك النذر المعلق بالشرط ليس بسبب لأنه لا يصير سببًا ما لم يضف إلى ذمة قابلة للحكم، والشرط يمنع الوصول إلى الذمة فلا يكون سببًا كبعض النذر، ألا ترى أن بعض النصاب لما لم يكن سببًا للزكاة فكذلك النصاب بكماله في ملك كافر ليس بسبب لأنه ليس بأهل العبادة فالتعليق قرن العلة بالشرط فانعدم للحال وانعدم الحكم حكمًا لانعدام أصل العلة لا لمنع الشرط الحكم بعد العلة، وعند وجود الشرط توجد العلة ثم الحكم.
فأما قوله: بأن الشرط يمنع الحكم بمنزلة الأجل فلا كذلك بل الشرط يحول بين صورة العلة ومحلها فلا تصير معه علة لأنه دخل على أصل العلة دون الحكم ومتى دخل الشرط على الحكم ما منع السبب أن يكون سببًا كالبيع بشرط الخيار فإن الخيار داخل على الحكم دون البيع فكان البيع بيعًا وأحكامه معدومة حتى يسقط الخيار فيكون حينئذ كالأجل الداخل على حكم السبب دون السبب.
وقيل: إن من حلف لا يبيع فباع بأجل أو بشرط الخيار حنث، ولو حلف لا يطلق فقال لها: أنت طالق إن دخلت الدار لا يحنث لأنه لم يطلقها بعد، وليس هذا بنظير تعليق القنديل بالحبل لأن القنديل موجود بذاته في مكان قبل التعليق، فالتعليق لم يكن لابتداء وجوده بل كان للنقل عن مكان إلى مكان آخر فلذلك أوجب تفريغ مكان وشغل مكان آخر ولهذا جوزنا تعليق الطلاق بالملك لأنه ليس بطلاق ما دام معلقًا بشرط غير واصل إلى
[ ١٤٣ ]
المرأة على ما ذكرنا، ولكنه يمين وإنما يصير طلاقًا عند الشرط فاعتبر ذكر الملك حينئذ لأن ملك المرأة شرط الطلاق لا اليمين بل اليمين تتناول الذمة كاليمين بالله، ولذلك لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث، ولا النذر المعلق بشرط قبل الشرط لأن الكفارة علقت بالحنث لأن اليمين عنده تصير علة الكفارة، فاليمين سبب الوجود بشرط الحنث فقبل الحنث لا تكون سببًا ويكون ابتداء وجوب الكفارة حال الحنث فلا يتصور الأداء قبله كما لا يتصور قبل اليمين وكما لا يتصور تعجيل الصوم.
وفرقه الذي ذهب إليه بين المالي والبدني ساقط لما ذكرنا فيما مضى أن العبادة عبارة عن فعل العبد ماليًا كان أو بدنيًا وإنما يختلف محل الفعل.
فالمالي: ما يكون محل فعل العبد من تمليك أو إعتاق المال.
والبدني: ما يكون محل فعله بدنه.
فأما الواجب: ففعل في الحالين واجب في الذمة بإيجاب الله تعالى.
والأداء: فعل العبد بماله أو بدنه بعد الوجوب، والمسمى من صلاة أو صدقة ما يحصل بفعل العبد لا بالأمر فيكون ابتداء وجوده حال فعله على ما قرره بخلاف ديون العباد التي تجب أعواضًا لأن الواجب هو المال، والتسليم لتعيين الواجب لأن صاحبه ما استحق لنفسه عوضًا إلا مالًا بإزاء حقه وما استحق فعلًا، والله تعالى ما استحق على عباده إلا عبادة وما هي إلا فعل، فأما ذوات الأموال والنفوس فلا تكون عبادة على ما مر بيانه فيما مضى.
وكذلك الله تعالى يقول: ﴿ومن لم يستطع منكم طولًا﴾ أباح نكاح الأمة حال عدم الطول وما حرم حال وجوده بل لم يذكره فاستبيح بسائر الآيات فصار نكاح الأمة حال طول الحرة حلالًا بالآيات المطلقة، وحال عدم طول الحرة حلالًا بتلك الآيات وبهذه، وهذا جائز لأن عقد النكاح بعد معدوم والحل صفة له فصح أن يتعلق ابتداء وجوده حلالًا بوصفين وبعلتين وبعلل كثيرة.
ألا ترى أن الرجل يقول لآخر: اعتق عبدي إن دخل الدار، ثم يقول: اعتق عبدي إن كلم زيدًا، ودخل الدار فيصح، ولو دخل الدار فأعتقه كان حلالًا له، ولو كلم زيدًا ودخل الدار كان إعتاقه حلالًا له أيضًا بالأمرين جميعًا.
وكذلك لو قال له: اعتق عبدي ثم قال له: اعتقه إن دخل الدار. ملك المرسل والمعلق جميعًا حتى إذا عزله عن أحدهما بقي له الآخر وأحدهما متعلق بذاته والآخر بشرط.
ولو قال لعبده: أنت حر إذا جاء يوم الخميس، ثم قال له: أنت حر إذا جاء يوم الجمعة مع التعليقان، ويوم الخميس يوجد قبل الجمعة ولا يعتبر مانعًا لجواز أن يوجد
[ ١٤٤ ]
العتاق يوم الجمعة في الجملة نحو أن يبيع العبد حتى يمضي يوم الخميس ثم يشتريه وإنما يستنكر بأن يكون الحكم حالًا ومعلقًا في ساعة واحدة، فأما إذا كان الحكم منعدمًا فجائز تعلق وجوبه بما شاء الموجب أن يعلقه به، والتعليق بشرط لا يمنع تعليقه بآخر قبله أو بعده.
فإن قيل: كيف يتعلق الحكم بشرطين وبأحدهما فيصير أحدهما كل الشرط وبعضه؟
قلنا: هذا مستنكر بعلقة واحدة فأما إذا ثبتت العلقة بنصين فهما علقتان أحدهما بشرطين، والأخرى بشرط واحد منهما فيكون كلًا في واحد وبعضًا في الآخر كصوم ثلاثة أيام كل في كفارة اليمين بعض في كفارة الكتل.
وكذلك لو قال لعبده: أنت حر إن أكلت، ثم قال: إن أكلت وشربت فأنت حر صح اليمينان جميعًا.
وأما الآجال التي لم تمنع التعجيل فهي آجال دخلت على أحكام العلل وأخرتها إذا كان الحكم مما يقبل التأخير.
فأما العلل فقد بقيت على ما كانت فلذلك لم تمنع التعجيل لأن الأجل متى سقط وجب الحكم بالعلة، وكانت موجودة قبل سقوط الأجل على ما ذكرنا أن الأجل تعرض للحكم لا غير فيستند الوجوب إلى العلة بعد زوال الأجل فيبقى الأداء بعد الوجوب حقيقة فيجوز.
فأما الشروط التي فيها النزاع فقد دخلت على نفس العلل فمنعتها الوصول إلى محالها فلم تصر علة للحال، وإنما تصير علة عنه حين وجود الشرط فلا يسبق الحكم العلة والأداء كان قبل ذلك فلم يجز.
فإن قيل: أليس إن من قال لامرأته: أنت طالق ثلاثًا إن دخلت الدار ثم طلقها ثلاثًا بطلت اليمين لوجود الجزاء قبل الشرط، حتى لو تزوجها بعد زوج ودخلت الدار لم تطلق فدلت هذه المسألة أن المعلق بالشرط ينتفي وجوده قبله، وأن الوجود قبله يبطل التعليق به فلا يجوز أن تكون الأمة مباحة النكاح بنفسها وتتعلق الإباحة بعدم الطول؟
قلنا: إن التعليق بالشرط لا ينفي، ولكن يقتضي أن يكون ابتداء الوجود عنده على ما ذكرنا كالعلة سواء، فإذا ثبت الوجود قبله لا بد أن يبقى معه الابتداء إذا كان الحكم واحدًا فيبطل التعليق والحكم في مسألة نكاح الأمة جواز النكاح، والجواز صفة النكاح لا صفة المنكوحة، والنكاح قبل أن يقع معدوم للحل فنقول نحن: إن جواز النكاح قبل أن يقع معلق بذاتها وبعدم طول الحرة أيضًا، كما أن حل الوطء معلق بتزوجها وبشرائها وإذا وكل رجل بعتق عبده، ثم وكله بعتقه إن دخل الدار فالوكالة معلقة بذات العبد ودخوله الدار، حتى إذا تزوجها مع الطول وجاز النكاح لم يبق هذا الجائز معلقًا بعدم الطول،
[ ١٤٥ ]
وإنما يبقى معه نكاح آخر لو تصور كالطلاق الثلاث جاز أن يتعلق وجودها بالشرط وبذاتها كما لو أرسل الثلاث للحال فبان.
وإن ملك الإرسال بغير شرط لم يدل على بطلان الوجود بالشرط إذا لم يرسل، ولكن إذا أرسل ووجدت قبل الشرط لم يبق مع الشرط لأن الثلاث كل طلاقها في هذا المحل على ما عرف والكل لا يثنى، فإذا وجد قبل الشرط لم يبق مع الشرط ضرورة لأن الواحد لا يتصور في مكانين.
وأبعد من هذا أن الشافعي فهم من المقيد حمل المطلق عليه، وإن كانا حكمين فقيد كفارة اليمين بالأيمان كما قيده الله تعالى به في كفارة القتل وهما كفارتان مختلفتان.
وفهمنا نحن من النصين أن نعمل بهما على حسب مقتضاهما في اللغة من غير حمل قال: لأن القيد زيادة وصف وإنه بمنزلة التعليق بالشرط على ما مر، والتعليق ينفي الجواز دونه فثبت النفي فيه وفي نظيره من التحرير في أنواع التكفير بخلاف زيادة الصوم في القتل فإنها لم تثبت في اليمين لأنه زيادة قدر باسم العلم، وههنا تخصيص بوصف ومثل هذا يوجب الإثبات والنفي وهذا عندنا أبعد من الأول لأنه في الباب الأول اتحد الحكم وإن اختلفت العلة وههنا اختلف الحكم والعلة، وقد روي عن ابن عباس﵄-: "أبهموا ما أبهم الله"، وعن عمر﵁-: "أم المرأة مبهمة في كتاب الله تعالى" أي حال تحريمها عن قيد الدخول الثابت في الربيبة وعليه إجماع من بعدهم، لأن النساء في حق الأمهات ذكرن مطلقات، وفي حق الربائب قيدن بالدخول، فلم يحمل المطلق على المقيد.
والدليل على أن الدخول زيادة قيد وليس بشرط أنه دخل على النساء، والنساء معارف بالإضافة إلينا فكان زيادة القيد فيهن زيادة معرفة أيضًا كقولك عبد امرأتي، وعبد امرأتي البيضاء وهذا لما ذكرنا أنه ليس في التعليق نفي لذلك الحكم قبل القيد وإنما لا يجوز في القتل تحرير الكفارة لأنها تشرع كفارة كما لا يجوز تحرير النصف أو ذبح شاة لا لأن القيد نفى جوازه فالكفارة في نفسها وقدرها ليس تعرف إلا شرعًا، فلا يحتاج إلى الشرع لانعدام الكفارة.
ولأنا وإن سلمنا نفي ذلك الحكم بعينه قبل الشرط فلا يثبت في غيره إلا استدلالًا به، وإنما يثبت استدلالًا به إذا كان الثاني مثله سواء، والتحرير في كفارة اليمين يخالف كفارة القتل لأن الأسباب مختلفة فتختلف الأحكام وإن اتفقت اسمًا كالملك الثابت بالهبة، غير الثابت صدقة وشراء وإرثًا ألا ترى كيف اختلفت صورة وحكمًا فيما عدا الإعتاق من الصيام والإطعام، وكيف ظهر اختلاف في التعيين وعدمه فإن كفارة القتل تتعين وكفارة اليمين أحد الأنواع الثلاثة غير عين.
[ ١٤٦ ]
ولا فرق عندنا بين التخصيص بوصف وبين التخصيص باسم العلم لا لأن اسم العلم إذا لم تعقل علته يصير بمنزلة العلة، والعلة لابتداء الوجوب فلا يكون الانعدام قبل الابتداء بسبب باقي وهذا حكم الشرط والقيد عندنا على ما بينا فصار زيادة القيد، وزيادة عدد أيام الصوم والمساكين بمنزلة واحدة على هذا الوجه فلما لم تثبت زيادة العدد في كفارة اليمين، فكذلك زيادة الوصف وكان يجب على هذا القياس أن تصير أعداد ركعات الصلاة على نمط واحد.
ولما تعلق جواز الجمعة بزيادة صفة الجماعة إن وجب أن تثبت شرطًا في سائر الصلوات فإنها جنس واحد على أن الكفارات أجناس مختلفة حكمًا لاختلاف أجناس أسبابها.
وكذلك صفة التتابع زيد في كفارة القتل ولم يزد على صوم كفارة اليمين، وليس في الكفارات ما قيد بصفة التفريق ليمتنع الحكم به بحكم المعارضة.
وكذلك الجواب عندنا في الحكم المطلق أنه على إطلاقه والمقيد على قيده في الحادثة الواحدة بعد أن يكونا حكمين.
قال أبو حنيفة –﵁- فيمن كفر عن ظهاره بالصيام وجامع التي ظاهر عنها ليلًا: استقبل الصيام لقول الله تعالى: ﴿من قبل أن يتماسا﴾ وكذلك قال أبو حنيفة –﵁-: لو كفر بالعتق فأعتق نصف عبده ثم جامعها ثم أعتق البقية لم يجزه، وعليه الاستقبال لأن الله تعالى قال: ﴿فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾، وبمثله لو كفر فأطعم ثلاثين مسكينًا ثم جامعها ثم أطعم ثلاثين مسكينًا أجزأه لأن الله تعالى لم يقل فيه ﴿من قبل أن يتماسا﴾.
فإن قيل: إنكم زدتم صفة التتابع في كفارة اليمين حملًا على كفارة القتل.
قلنا: لا هكذا، ولكن بقراءة عبد الله بن مسعود –﵁-: ﴿فصيام ثلاثة أيام﴾ متتابعات وقراءته كانت رواية عن رسول الله ﷺ فكانت مشهورة في السلف فجوزنا الزيادة على النص بها كما جوزنا النسخ بمثلها من أخبار الآحاد.
فإن قيل: ألا جعلتهما كنصين فعملت بكل واحد منهما فجوزت المتابعة بقراءة عبد الله بن مسعود، والمطلقة بقراءة الجماعة، كما قلت في صدقة الفطر عن العبد الكافر أنه يجب بالنص المطلق باسم العبد، وعن المسلم بالنص المقيد بالإسلام؟
قلنا: لأن القيد هاهنا ورد على الوجوب باليمين، وأنه حكم واحد إذا قيد لم يبق غير مقيد وفي باب صدقة الفطر ورد القيد على سبب الوجوب، ويجوز أن يكون لواجب واحد سببان فأثبتنا المقيد بقيده سببًا والمطلق بإطلاقه سببًا آخر.
فإن قيل: أليست العدالة شرطًا في باب الشهادات أجمع، فالله تعالى قيد بالعدالة بعضها.
[ ١٤٧ ]
قلنا: إنما توقفنا في شهادة الفاسق بقول الله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ لا بقيد العدالة في البعض، وبقوله: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ والفاسق لا يرتضى بشهادته.
والجملة: أن النفي ليس من جنس الإثبات ليثبت بدليل النص ولا مما دخل تحت النص ليثبت به أو إشارته ولا مما لا يستغنى النص عنه ليثبت مقتضى به، لأن القياس في علتين أو شرطين أو حكمين فتعيين أحدهما لا يوجب تعيين الآخر إذا كانا ينفصلان فكان هذا من جنس الاستدلال بلا دليل والاحتجاج بلا حجة، وإنه كلام متناقض في نفسه، وسيأتيك بيانه على الوجه في أبواب المقاييس في باب مفرد لقولهم لا دليل حجة، وبالله التوفيق.
ثم الخصم ترك أصله في الصوم المطلق حيث لم يشترط التتابع والله تعالى قيد بعض الصيام بالتتابع.
فإن قيل: إن الله تعالى قيد بعض الصيام بالتتابع وبعضها بالتفرق كما في صوم المتعة، وقال: ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم﴾ فالعشرة الكاملة صوم المتعة بالنص، ولو صامها متصلة لم يجزه فالمطلق منها بقي على إطلاقه لتعارض وقع بين التفريق والتتابع.
قلنا له: إن صوم السبعة لا يجب إلا بعد الرجوع فلم يصح الأداء قبله، كمن صام رمضان قبل الوقت لا أن يكون الفساد لعدم التفريق حتى لو فرق ولكن صام قبل الرجوع لم يجزه فعلم أن الفساد ليس لعدم التفريق وأنه ليس بشرط للجواز، والتتابع شرط الجواز فلا يبقى للتتابع معارض، ومع ذلك المطلق من الصيام لم يتقيد بالتتابع فبطل هذا الأصل.
فإن قيل: ألستم قلتم في رجل له أمة فولدت ثلاثة أولاد في بطون مختلفة، فقال الأكبر: ابني لم يثبت نسب الأصغرين، وإن كان المذهب عندكم أن ولد أم الولد يحدث ثابت النسب ولا ينتفي إلا بالنفي وقد صارت أم ولد بالولد الأكبر، فعلم أن نسب الأصغرين ما انتفى إلا بنفي وإن تخصيص الأكبر بالإثبات، نفي لنسب الأصغرين.
قلنا: قد ذكرنا أن التخصيص بوصف سكوت عما وراءه غير أن السكوت في موضع الحاجة إلى بيان حجة على أن حكم المسكوت عنه بخلاف المنطوق به لأنه لو لم يكن كذلك لما حل السكوت عن بيانه مع وقوع الحاجة إليه، وفي غير موضع الحاجة إلى
[ ١٤٨ ]
البيان لا يكون حجة وفي مسألة الأولاد سكت المولى عن البيان في وقت الحاجة إليه لأن دعوة الأولاد فريضة عليه متى علم أنهم منه نصًا، لا بناءً على أنهم ولدوا على فراشه لأن في ذلك إثبات النسب على طريق استصحاب الحال.
ألا ترى أنه ينتفي بالنفي والواجب علة إذا علم أنهم منه بيان نصًا حتى يصير بحيث لا يحتمل النفي بعده.
ولأنه حين الدعوة لم يكن لواحد منهم فراش يغنيه عن النص فلما خص الأكبر بالبيان وسكت عن الأصغرين مع الحاجة لو كانوا منه علم أنهم لم يكونوا منه، ولم يحتج إلى بيان النسب في حقهم ليكون حملًا لحاله على ما يحل له، ألا ترى أنه لو قال: هذا ابني، وأشار إلى الأكبر كان الجواب هكذا وما هنا هنا تخصيص بوصف بل بالإشارة وإنها تجري مجرى اسم العلم ولا إشكال أنه لا يتضمن نفيًا.
فإن قيل: قد قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله في شاهدين شهدا أن هذا الرجل وارث فلان لا نعلم له وارثًا آخر بأرض كذا: إن هذه الشهادة لا تقبل لأن تخصيص بعض الأماكن بالنفي دليل على الإثبات من غيره.
قلنا: إنهما قالا إن الشهادة تتم بقولهما إنه وارث فلما زاد لا نعلم له وارثًا آخر وخصا موضعًا اتهما بعلم الوارث في مكان آخر، والشهادات ترد بالتهم. فأما الأحكام فلا تثبت بالتهم، وأبو حنيفة ﵁ يقول: هذه الشهادة مقبولة لأنهما سكتا عن النفي فيما عدا المخصوص من غير حاجة إلى البيان، لأنهما لو سكتا أصلًا عن النفي كانت الشهادة تامة والسكوت في غير موضع الحاجة أن البيان لا يكون حجة فأما التهمة فليست تثبت بالتخصيص لاحتمال أنهما خصا احترازًا عن الكذب بعلمهما بوارث في مكان آخر ويحتمل أنهما خصا احترازًا عن الخبر بغير دليل كأنهما تفحصا عن الوارث في المكان المذكور فلم يقفا عليه ولم يتفحصا عن الوارث في سائر الأمكنة، والنفي لا يعلم علم مثله إلا بدليل التفحص، فإذا احتمل الأمرين جميعًا لم تثبت التهمة بالاحتمال إلا أنهما احتاطا لأمر الشهادة.