أقسام الإجماع أربعة:
١ - إجماع الصحابة نصًا.
٢ - وإجماعهم بنص البعض وسكوت الباقين.
٣ - وإجماع أهل كل عصر بعدهم على حكم لم يسبقهم فيه قول.
٤ - وإجماعهم على أحد أقوال اختلف فيها السلف.
ومن الناس من قال: إن إجماع أهل كل عصر حجة.
ومنهم من قال: لا إجماع لمن بعد الصحابة.
ومنهم من قال: لا إجماع إلا لأهل المدينة.
ومنهم من قال: لا إجماع إلا لعترة الرسول ﷺ لأن الإمام منهم والإمام معصوم عن الكذب.
ومنهم من قال: لا إجماع إذا كان في السلف من خالفهم.
والصحيح هو القول الأول، لأن الدلائل التي جعلت الإجماع حجة لم تخص قومًا بنسب ولا مكان ولا قرن، والأقوال الأربعة الأخيرة مهجورة.
وقد حكى مشايخنا عن محمد بن الحسن نصًا: أن إجماع أهل كل عصر حجة إلا أنه على مراتب أربعة.
فالأقوى إجماع الصحابة نصًا لأنه لا خلاف فيه بين الأمة لأن العترة يكونون فيهم، وكذلك أهل المدينة.
ثم الذي ثبت بنص بعضهم وسكوت الباقين، لأن السكوت في الدلالة على التقرير دون النص.
ثم إجماع من بعد الصحابة على حكم لم يظهر فيه قول من سبقهم لأن الصحابة كانوا خلفاء الرسول ﷺ، ومن بعدهم كانوا خلفاء الصحابة فيقع بينهم وبين من خلفهم من التفاوت قريب ما يقع بينهم وبين الرسول ﷺ، ولأن النبي ﷺ قال: "خير الناس رهطي الذين أنا فيهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب".
[ ٣١ ]
فرتبهم رسول الله ﷺ على مراتب الخيرية.
فكذلك نحن نرتبهم في كونهم حجة أنه نهاية ما ينتهي إلى صفة الخيرية.
ثم إجماعهم على حكم سبق فيه مخالف لأن هذا فصل اختلف فيه العلماء والفقهاء.
فقال بعضهم: هذا لا يكون إجماعًا لأن الدلائل الموجبة عمت جميع الأمة، والأم: اسم يعم الحي والميت، فلا ينعقد الإجماع ما وجد في الأمة مخالف من حي أو ميت.
ولأن ذلك المخالف لو كان حيًا للحال لم ينعقد إجماع من سواه إجماعًا فكذلك وإن مات، لأنا لا نعتبر خلافة خلافًا لحياته بل لحجيته وبالموت لا تتبدل الحجة.
ولأنا متى جعلنا إجماع المتأخرين حجة موجبة وجب تضليل المخالف ولا يجوز تضليله.
أيجوز تضليل ابن عباس ﵄ في مسألة العول؟ ومسألة توريث الأم مع الزوج والأب ثلث المال كاملًا؟ وقد أجمعوا على خلافه.
وقال محمد بن الحسن رحمه الله تعالى فيمن قال لامرأته: أنت خلية، ونوى به ثلاثًا ثم جامعها في العدة وقال: علمت أنها علي حرام: لم يحد، لأن عمر ﵁ كان يراها واحدة رجعية، وقد أجمعنا بخلافه فنية الثلاث صحيحة بلا خلاف بين الأمة اليوم.
ولو سقط قول السابق لانقطعت الشبهة كالآية المنسوخة لا تبقى شبهة في استباحة المنسوخ، ولكن الذي ثبت عندنا أنه إجماع.
وقد روى محمد بن الحسن عنهم جميعًا أن القاضي إذا قضى ببيع أم الولد لم يجز وقد اختلف فيها الصدر الأول لأن الخلف بعدهم أجمعوا على أنه لا يجوز، ولو بقي قول القاضي معتبرًا كأنه حي لنفذ قضاء القاضي بما اختلف فيه الفقهاء.
والحجة فيه ان إجماع الصحابة إنما كان حجة لامتناع ان يعدو الحق جماعتهم بالدلائل التي أوجبت الكرامة لهم لكونهم امة محمد ﷺ، فلم يجز كذلك: أن يعدو الحق جماعة التابعين أو من بعدهم.
ولأن الله تعالى جعلهم خير امة يأمرون بالمعروف وجعل إجماعهم حجة، وصفة الخيرية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتصور إثباتها إلا مع الحياة فإن الميت لا يتصور منه الأمر بالمعروف فثبت أنه لم يرد بهذه الكلمة جماعة الأمة من حين رسول الله ﷺ إلى يوم القيامة، ولكن أمته الأحياء في كل عصر.
[ ٣٢ ]
وإذا كان كذلك فتبين بإجماع الخلف على قول واحد من الجملة أن ما سواه خطأ يقينًا، كما لو عرض على الرسول ﷺ فصوب ذلك الواحد ولا يصير من خالفه ضالًا لأنه خالف حين لا إجماع، فكان كخلاف وجد من الصحابة فعرض على الرسول ﷺ فبين خطا بعضهم فإنه لا يصير ضالًا بما قاله قبل بلوغه نص رسول الله ﷺ.
وكما كان أهل قباء يصلون إلى بيت المقدس بعد نزول التوجه إلى الكعبة فأتاهم آتٍ وهم في الصلاة فأخبرهم بذلك فاستداروا كهيئتهم إلى الكعبة في صلاتهم فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فلم ينكر عليهم.
وهذا لأن الإجماع هو الحجة التي يضل الإنسان بمخالفتها ولم يكن حين ما قاله هذا القائل يخالفه إجماع.
أليس أن ابن عباس ﵄ كان يجوز بيع الدرهم بالدرهمين؟ وكان يبيح المتعة بعد وفاة النبي ﷺ ثم رجع لما بلغه النص؟ ولسنا نسميه ضالًا فيما كان يقوله أولًا قبل بلوغه النص فهذا مثله.
وإنما أسقط محمد بن الحسن ﵀ الحد عن الذي جامع امرأته في العدة وقد قال لها: أنت خلية، ونوى بها ثلاث؛ لأن الحد لا يجب مع الشبهة، وقد اختلف الناس في هذا الإجماع أهو حجة أم لا؟ فلا يصير موجبًا علمًا بلا شبهة ولهذا كان هذا الإجماع حجة على أدنى المراتب.
[ ٣٣ ]