أقسامهم أربعة:
أ- الصبي العاقل والمعتوه بعد البلوغ، ومن بمنزلتهما ممن به نقصان عقل ومعرفة بعد وجود أصل العقل والمعرفة.
ب- والعاقل التام العقل الفاسق، ومن بمنزلته ممن انعقد له سبب تهمة الكذب في خبره.
ج- والعدل الضابط الذي لا تهمة له سوى أنه غير معصوم عن الكذب.
د- ورسل الله وأنبياؤه﵈- المعصومون عن الكذب.
فأما المجنون ومن بمنزلته كالنائم والمغمى عليه: فلا عبرة بهم لأنه لا معرفة لهم ولا تمييز.
والخبر إنما يقبل لما فيه من الإعلام، وكذلك أصل الكلام إنما يصح ممن له معرفة إخبارًا كان أو إنشاء لأنه اسم لصوت مفهم وحروف منظمة أعلامًا على أعيان وأفعال.
هذا حد الكلام في الشاهد فلا يصير صاحب الصوت من أهله إلا بعد المعرفة والتمييز بين الاسم والاسم لينطق به على وجهه فيصير الكلام قبل المعرفة وسائر الألحان من ألحان الطيور بمنزلة كلام السكران.
فإنه إذا أنشأ شيئًا يلزمه واعتبر صحيحًا منه عقوبة له بأن بقي مخاطبًا غير معذور بالتباس عقله لسكره لأنه كان منه بفعل هو معصية.
فأما إذا أخبر فلا يقبل منه ولا يعمل به لأن حكمه في صدقه لا عينه فالعين وإن صح لقيام الخطاب لم يثبت معنى الصدق، لأنه أمر لا يبنى على الخطاب بل على ما يزيل جهة الكذب، ولم توجد هذه الشريطة فأشبه إقرار المكره.
فأما الصبي العاقل ومن بمنزلته فخبره مقبول في البعض دون البعض على ما نبينه في البا الذي يلي هذا الباب لبيان أقسام المخبر عنه لأنه ينطق عن معرفة، وهذا حد صحة الكلام.
إلا أنه لا ضابط له لنقصان عقله وغلبة هواه، والخبر صحته من حيث يعمل به في صدقه وتمام ذلك في ضبطه بعد المعرفة فقبل خبره في البعض دون البعض على ما نبين
[ ١٧٥ ]
الحد بينهما، والمعتوه بمنزلته لأنه هو الذي اختلط عقله ولم يزل، وكذلك المغفل هو الذي به غلبة النسيان فلا يبقى له ضبط لما يسمع فيلتحق بغلبة النسيان بالذي انتقص عقله أو به غفلة عن التأمل والتحفظ فليلتحق بالعاجز عن الحفظ بترك استعمال الآلة.
وأما العاقل البالغ الفاسق: فقد أخبر عن عقل تام وضبط إلا أنه متهم بالكذب لفسقه، فإن الفسق في ارتكاب الإنسان ما اعتقده حرامًا في دينه فأما إذا ظهر منه ذلك وفيه مكابرة لدينه وعقله، فإن عقله يلزمه إقامة دينه اتهم أيضًا بالكذب مكابرًا لعقله ودينه.
والكافر العدل في تعاطيه بمنزلته فيما يخبر من أمور الدين لظهور العداوة فيه بيننا وبينهم، والعداوة سبب تحمل المرء على مكابرة عقله فيما يضر بعدوه.
وكذلك كل من أخبر على عدوه أو أخبر لمن اتهم به كالأب لولده ونحوهم فهؤلاء كلهم متهمون بالكذب بأسباب باعثة على الكذب لا بقلة الضبط وخبرهم مما يجب التثبت فيه، لقوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبإٍ فتبينوا﴾ الآية، إلا في بعض الأحوال على ما يأتيك بيانه في الباب الذي يليه.
ولهذا المعنى يجب التثبت في القسم الأول إلا فيما استثنى بدليله لأن التهمة بسبب الغفلة ونقصان العقل تقرب من تهمة قصد الكذب بأسباب باعثة عليه مع كمال العقل.
وأما العدل: فخبره حجة لترجح جهة صدقه على جهة كذبه، على ما مر في الباب الأول، ولا يبطل إلا بمعارضة.
وأما خبر الرسل: فحجة موجبة علمًا يقينًا لقيام الدلالة على عصمتهم عن الكذب كرامة من الله تعالى حتى صلحوا لنقل رسالته، وخبرهم من قبيل ما مضى من الحجج الموجبة.
[ ١٧٦ ]
باب