قد مر تفسير المعارضة فيما مضى وحدها، وهذا الباب لبيان أقسامها في باب المقاييس وتمييز الصحيح من الفاسد منها.
المعارضة نوعان: نوع في علة الأصل، والثاني في حكم الفرع.
فأما الذي في حكم الفرع: فأنواع خمسة:
معارضة بضد ذلك الحكم نصًا في ذلك المحل.
أو بضرب تغيير تفسير للحكم المختلف فيه وتقريره إياه.
أو بضرب تغيير فيه إخلال بالحكم المختلف فيه.
أو نفي لما لم يثبته الأول.
أو إثبات لما لم ينفه الأول.
ولكن تحته معارضة للأول.
أو إثبات للحكم الأول في غير محل الأول.
والمعارضة في علة الأصل أنواع ثلاثة:
معارض بعلة أخرى غير متعدية.
أو متعدية إلى فروع اختلف في الحكم بها.
أو متعدية إلى فروع اتفق على حكمها، فتصير الجملة ثمانية أنواع، خمس منها صحيحة أو فيها معنى الصحة، وهي التي تكون في حكم الفروع، وثلاث منها فاسدة أصلًا، وهي التي تكون في علة الأصل.
فأما الصحيح بأصلها فالنوعان الأول نحو قولهم: المسح ركن من الوضوء فيسن تثليث وظيفته كالغسل.
وقولنا: أنه مسح فلا يسن تثليثه كالمسح على الخف فيكون نفيًا لما أثبته الأول بعينه في محله.
وقولنا: إنه ركن من الوضوء فلا يسن تثليثه بعد إكمال الفرض في محله قياسًا على الغسل معارضة بزيادة هي تفسير للحكم المتنازع فيه فيكون صحيحًا.
[ ٣٣٦ ]
وأما النوعان اللذان بعدهما: فالتي فيها منافاة لما أثبته المجيب بضرب تغيير فصحيحة من وجه نحو قولنا: اليتيمة تزوج لأنها صغيرة فيولى عليها نكاحًا قياسًا على التي لها أب.
فيقولون هي يتيمة فلا يولى عليها بقرابة الأخوة قياسًا على ولاية المال، فزاد زيادة فيها إخلال بالمتنازع فيه.
لأن النزاع بيننا وبينه في إثبات أصل الولاية على اليتيمة لا في تعيين مستحق الولاية فنحن أثبتنا أصل الولاية، وانه نفى أصل الولاية بسبب خاص فلم يعارض تلك الجملة.
ولكن قد عارض البعض فإن الخلاف ثابت في ولاية الأخ وغيره.
ولأنه يقول تحت ثبوت هذا نفي لما تقولونه لأنا بهذا نفينا ولاية الأخ، وولاية من وراءه منفية بالإجماع بالأخ.
وأما النوع الرابع فالعكس الذي ذكرناه نحن قولنا: أن الكافر يملك بيع العبد المسلم فيملك شراءه قياسًا على المسلم.
وقولهم لما ملك بيعه وجب أن يستوي حكم الشراء والتقرير عليه كالمسلم ثم هذا لا يقر على الملك بل يرد عليه.
فكذلك يرد شراؤه وهذه فاسدة لأنا لم نعلل للتفرق بينهما لتكون التسوية معارضة بل حكم علتنا جواز الشراء.
والتسوية بين الشراء والإدامة حكم آخر لم نتعرض له، غير أنه تجنب هذه التسوية دفعًا للحكم الأول من وجه على سبيل البناء [وليس للسائل البناء]، فتصلح مثل هذه المعارضة لترجيح العلة التي لا تنعكس على التي انعكست هكذا. وأما المعارضة ابتداء فلا على ما مر في باب العكس.
وأما النوع الخامس فنحو قولهم، في امرأة لها زوج غائب فنعي إليها فتزوجت، وولدت من الثاني، فحضر الأول، فإن أبا حنيفة يقول: الولد للأول لأن فراشه صحيح، وقد ولدت على فراشه فيقول الخصم للحاضر فراش بالنكاح الفاسد وقد ولدت على فراشه لأن المحل.
وإن اختلف فيجب إثبات النسب في محل آخر، وهو نسب واحد نفي للأول لأن الشيء الواحد لا يكون في محلين وهذا كالخارج وذي اليد يقيم كل واحد منهما بينة أن هذا الشيء نتج في ملكي يثبت بينهما معارضة وترجحت بينة ذي اليد.
ولو قال الخارج: هو عبدي ولد في ملكي ودبرته أو أعتقته صار أولى من ذي اليد. .
[ ٣٣٧ ]
وأما المعارضات في علة الأصل بعلة أخرى فلغو من الكلام: لأنه جائز اجتماعهما جميعًا علتين في الأصل.
وإذا جاز الاجتماع بلا تدافع لم تقع بينهما معارضة.
ولأن ما لا تتعدى من العلة فباطلة بنفسها عندنا على ما مر وما يتعدى فعدمها لا يوجب عدم الحكم ليثبت بالعدم معارضة في حكم الفرع.
والتعليل كان لإثبات حكم الفرع فالمعارضة إنما تصح بما ينفيه الكلام فيما مضى في باب أن العدم شرط لصحة العلة أم لا وفي غيره، وكذا ما يتعدى إلى فرع مختلف في حكمه نحو قولنا فيمن باع قفيز جص بقفيز جص: أنه ربا لأنه باع مكيلًا بجنسه متفاضلًا فلا يجوز قياسًا على الحنطة.
فيقولون: المعنى في الأصل أنه باع مطعومًا بجنسه، قالوا: وتتعدى علتنا إلى فروع لا يقولون بها كالتفاحة والحبة فمن الناس من زعم أنه ممانعة حسنة لأن المسلمين أجمعوا على ترك القول بهما فصارتا متدافعتين إجماعًا.
والجواب: أنا جمعنا على جواز الجمع بينهما من حيث ذاتيهما فيكون الكيل علة والطعم علة، وغنما نفى كل واحد منهما علة خصمه بدليل قام على فسادها لا بصحة علتها فتكون ممانعة بصحة علته فاسدة بالإجماع، والله أعلم.
[ ٣٣٨ ]