الأسباب التي تسمى أسبابا شرعا أربعة أقسام:
أ- سبب اسما لا معنى.
ب- وسبب محض اسما ومعنى.
ج- وسبب هو علة العلة.
د- وسبب هو علة معنى.
أما السبب اسما لا معنى وحكما: فنحو اليمين بالله في حق الكفارة فإنها بعد الحنث تجب باليمين لا بالحنث على ما عرف.
وكذلك النذر المعلق بالشرط فإنه يلزم بعد الشرط بالنذر لا بالشرط فسمي النذر المعلق بالشرط سببا.
وكذلك اليمين إلا أنه اسم مجاز لتصوره بصورة الأسباب لا حقيقة لعدم معنى السبب فيه، لأن معنى السبب ما يكون مؤديا إلى غيره، وطريقا واليمين تعقد للبر، وإنه مانع من الحنث الذي عنده تجب الكفارة وليس بطريق.
ولكن لما كان بعرض أن يزول المانع فيصير علة كان في صورة السبب، وبتخلل المانع ذهب عنه معنى السببية، وكذلك النذر المعلق بشرط لا يراد كونه فهو على هذا لأنه نذر للمنع عن الشرط.
وأما إذا علق بشرط يراد كونه فلأن قوله: على كذا تعلق بالشرط، ولما تعلق به لم يصل إلى ذمته فصار نذرا تسمية لا معنى، لأن الشيء في غير محله لا يثبت كبيع الحر، ولأن التعليق مانع حكما كما لو كان شرطا لا يراد كونه والعبرة للحكم لا للغرض، غير أن هذا لما كان بغرض الوصول إلى محله كان معتبرا بخلاف بيع الحر، وكان قبل وجود الشرط بمنزلة الرمي قبل الوصول إلى المرمى يكون معتبرا على أن يصير قتلا بالوصول إليه ثم السراية إلى أن يموت.
فأما قبل الوصول إلى محله فلا يكون قتلا.
وإذا كان بينهما ترس مانع فلا يكون سببا.
وكذلك الطلاق المعلق بشرط ليس بطلاق، وليس هو سبب له بل هو للحال عقد
[ ٣٧٣ ]
آخر وهو عقد اليمين المانع عن شرط الحنث. ولهذا قال علماؤنا: لا يجوز تعجيل الكفارة قبل الحنث، ولا تعجيل النذر قبل الشرط ويجوز تعليق الطلاق بالنكاح لأنه ليس بطلاق ولا سبب للطلاق فلا يشترط لصحة انعقاده شرط الطلاق، وهو ملك النكاح كما لو حلف بشيء آخر وإنما هذا تكلم بما سيصير طلاقا إذا وصل إلى المرأة التي هي محلها بعد الشرط فيعتبر للحال كون الرجل من أهل التكلم به، ومن أهل اليمين.
ولأن السبب ما يتقرر عند الوصول إلى المقصود لا ما يرتفع واليمين ترتفع بعد الحنث الذي بعده يجب الطلاق والكفارة، لأنه بعدما يدخل الدار يبقى أنت طالق أو على صدقة، وهذا القدر لا يكون يمينا.
وكذلك اليمين بالله قبل الحنث يمين منعقدة للبر، وبعده يزول الانعقاد للبر كعقد بيع قائم من مفسوخ.
ولا يكون البيع سببا لحكم الفسخ بحال وبالفسخ يزول معنى البيع.
وكذلك بالحنث يزول معنى اليمين المنعقدة لإيجاب البر فلا تكون المنعقدة سببا لما يتعلق ثبوته بانفساخه.
وكذلك المتمتع بالحج إذا صام السبعة الأيام قبل الرجوع من منى لم يجز لأن الله تعالى قال: ﴿وسبعة إذا رجعتم﴾ فلما علق بالشرط لم يجز التعجيل قبله ولم يكن ما قبله سببا له والمسافر إذا عجل الصوم قبل الإقامة يجوز لأن الله تعالى يقولك ﴿فعدة من أيام أخر﴾ أجل الإيجاب عليه ولم يعلقه بالشرط فتأجل، ولم يخرج الشهر من أن يعتبر سبب الوجوب كالثمن المؤجل والزكاة قبل الحول فالمعلقات بشروط ليست بأسباب حكما ومعنى لما يجب عند الشروط وقد تسمى أسبابا تسمية ومجازا، فهذا ضرب مجاز لكنه معتبر شرعا، لأنها للحال تعتبر أسبابا لحكم شرع اليمين له فكان عقدا صحيحا لحكم صحيح، وإنما أبطلنا كونه سببا بحكم يتعلق بانفساخ العقد المنعقد للحال.
وأما السبب المحض فنحو: حل قيد العبد حتى أبق، فإن الحل سبب محض فلا يضمن به العبد لأن الهلاك من الإباق، فكان الإباق باختيار من العبد لا بقوة حدثت من الحل، وكذلك إذا دل سارقا على مال حتى سرق لم يضمن الدال لأن أخذ المال باختيار السارق الأخذ، لا بقوة حدثت من الدلالة.
ولهذا قال علماؤنا: إن الدابة إذا أتلفت زرع إنسان ليلا لم يضمن صاحب الدابة لأن التلف كان بأكل أو وطء فعلت الدابة باختيارها لا بقوة حدثت من تسييب صاحبها، وكذلك من فتح باب اصطبل حتى خرجت الدابة أو باب قفص حتى طار الطير لم يضمن لأن الخروج كان باختيار من الطير والدابة لا بقوة حدثت من الفتح أوجب له الاختيار ولا بإلجاء الدابة إليه ليفسد الاختيار بالكره.
[ ٣٧٤ ]
ولا يلزمنا قولنا: إن المحرم إذا دل على صيد فقتل ضمن لأن الدلالة سبب محض في حق جناية الأخذ ولا ضمان عليه من حيث أخذ الصيد، ولكنه يضمن من حيث إزالة أمنه عن الاصطياد وقد لزمه بالإحرام أن لا يزيل أمنه فتكون الإزالة جناية عليه كما يكون ترك الحفظ من المودع جناية على الوديعة يضمن به، أو يضمن من حيث جنى على إحرامه، فإن إزالة الأمن عن الصيد محظور إحرامه كالحلق ولبس المخيط والدلالة مباشرة ما يزيل الأمن عنه، لأن أمنه بسبب تواريه عن العيون فأما بعد العلم فلا ينجيه إلا الفرار على خوف، ولهذا قلنا: إن حافز البئر إذا تلف فيها إنسان لم يضمن الكفارة ولا يحرم الإرث، لأنهما يجبان جزأين بإزاء فعل القتل مباشرة والمباشرة من الحافز في حفره وقد انقضى قبل الاتصال بالساقط.
وإنما اتصل به عمق حادث بفعله فصار مشيه سقوطا للعمق الحادث به إلا أنه شرط لسقوطه لا علة فسقوطه بسبب ثقله الذي لا يحمله الهواء، والأرض كان تحمله ولما صار العمق الحادث بفعله شرطا للتلف والكفارة جزاء علة التلف لم يضمن صاحب الشرط لعدم العلة والكفارة جزاؤها.
وهذا كما قالوا فيمن قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر فدخل ونوى عن الكفارة: لم يجز لأن التكفير تعلق جوازه بمباشرة الإعتاق وهو بالدخول أوجد شرط العتق فلم يكن مباشرا فلا تتأدى به الكفارة.
فأما ضمان التلف ليس بجزاء علة التلف لينعدم بعدمها بل عوض التالف بتلف مضاف إليه.
والحكم يضاف إلى الشرط وجودا وإن لم يضف إليه وجوبا.
وإذا أضيف إليه ضمن إلا أنه إذا اجتمع علة التلف مع شرط التلف وصلح كل واحد منهما أن يجعل سبب ضمان كانت الإضافة إلى العلة أولى، وههنا العلة ثقله أو مشيه وذلك مما لا يصلح سبب ضمان لأنه ليس يتعدى من حيث الإضافة إلى صاحب الشرط.
وكذلك زوائد الغصب المنفصلة والمتصلة أمانة عندنا، لأن الضمان الغصب ضمان فعل خاص، وهو أخذ مال مملوك ولا يتصور الأخذ على هذا الحد إلا بإزالة يد بيد عن شيء واحد وهذا الحد وجد في الأم ولم يوجد في الزوائد لأنها حدثت في يد الغاصب ابتداء بسبب بقاء الأصل في يده، وذلك ليس بغصب بل حكم الغصب فلا يجب ضمان الغصب به، وإن سلمنا أن البقاء تعدى حكما وهو آثم على الإدامة لأنه تعدى غير الغصب كالإصرار على الزنا ولما كان تعديا آخر لم يجب به ضمان الغصب فإن ادعى ضمانا آخر غير ضمان الغصب تكلما فيه.
وقلنا: إن المحرم إذا أخذ ظبية فولدت في يده حدث الولد مضمونا عليه لا ضمان
[ ٣٧٥ ]
أخذ فإنه لم يوجد، ولكن ضمان الجناية على الصيد من حيث إزالة الأمن عن الصيد بسبب هو تعد لأن الصيد آمن في حقه عن أيدي الناس بالإحرام، وفي نفس الحدوث في يده زوال الأمن الواجب له بالإحرام، فمتى كانت يده متعدية صارت سببا لضمان تعد هو إزالة أمن لا ضمان تعد هو أخذ كالمودع يضمن بترك الحفظ، وكان ذلك تعديا منه بحكم عقده.
وهذا كما يوجب الضمان على الدال والدلالة سبب محض للقتل والأخذ، ولا يوجب الضمان به بل بمباشرة الجناية من حيث إزالة الأمن كما يضمن المودع بدلالة السارق على الوديعة لأنه مباشرة جناية من حيث ترك الحفظ وزيادة لا من حيث الغصب والأخذ.
وكذلك شهود القصاص إذا رجعوا بعدما قتل المشهود عليه بشهادتهم لا يضمنون الكفارة، ولا يحرمون الإرث ويضمنون الدية كالحافز سواء لأن المباشرة منهم في أداء الشهادة، وقد انقطعت بالفراغ عن الأداء ثم حكم الحاكم وما وجب به مضاف إليهم لأنهم ألزموا الحاكم ذلك، إلا أن التلف الواقع بالحكم تلف حكمي والكفارة جزاء إتلاف حقيقة، وذلك بمباشرة الولي، وهو فيه مختار غير ملجأ حكما فيقتصر فعله عليه، ولا ينتقل إلى الشهود فلا يلزمهم ضمان القتل حقيقة.
وكذلك الرجل يكون له امرأتان صغيرة وكبيرة، فترضع الكبيرة والصغيرة حتى بانتا، فإن الزوج يغرم للصغيرة نصف الصداق ويرجع بما غرم على الكبيرة إن تعمدت الفساد، ولا يرجع إن لم تتعمد الفساد لأن المرضعة مسببة للفرقة.
وليست بصاحبة علة كالحافر سواء، لأن فعلها في التمكين من الارتضاع لا غير، والفرقة تتعلق بوصول اللبن إلى الجوف، وذلك إنما يحصل بارتضاع الصغيرة وهي مختارة في ذلك كالطير في طيرانه والماشي في مشيه، غير أن مصة الصغيرة إنما تكون ارتضاعا ببقاء أثر فعل الكبيرة وهو بقاء الثدي في فمها بإلقاء كان منها ابتداء.
فإن كان الإلقاء تعديا كان البقاء تعديا.
وإن لم يكن تعديا فكذلك البقاء كالحفر سواء.
وإذا لم يكن تعديا لم يكن وجوب نصف المهر على الزوج بتعد كان منها فلا يكون سبب ضمان لأن الوجوب لا يكون فوق التلف، والتلف إذا لم يكن بتعد من الحافر لم يضمن فكذل الوجوب ههنا.
وعندنا يجب الضمان بإيجاب المهر لا بإتلاف ملك النكاح فإنه غير متقوم عندنا، ولو شهد الشهود بالفرقة بعد الدخول وقضى القاضي ثم رجعوا لم يضمنوا شيئا، ومتى كان البقاء تعديا وارتضاع الصغيرة مباح لها كمشي الماشي على الطريق أضيف الإيجاب إلى ما هو التعدي فوجب الضمان على ما مر.
[ ٣٧٦ ]
ومن الأسباب المحضة وجود بعض ما يتم علة بانضمام معنى آخر إليه كأحد شطري البيع، وأحد وصفي علة الربا فهي من الأسباب المحضة، لأن الحكم لا يجب ما لم يتم العلة فكان المبدأ معتبرا لتمامه، وكان كالطريق إليه فلا يضاف الحكم إليه بوجه.
فإن قيل: قد ذكرت أن حد السبب ما يكون بينه وبين الحكم الذي هو سببه محضا علة تامة يضاف الحكم إليها، والجزء الباقي من العلة في مسألتنا قط لا يكون علة بانفرادها.
قلنا: نعم، ولكن العلة لا يجب حكمها ما لم تتم العلة فالوصف الأخير يجعل ما مضى علة فيكون الحكم مضافا إليه وحده ويصير منزلة علة العلة كالرمي علة النفوذ.
والنفوذ علة الإصابة.
والإصابة علة السراية.
والسراية علة الموت.
ولكن لما حدثت العلل المتوسطة بالأولى أضيف الحكم إلى الأولى فكذلك ههنا ما قبل التمام من الأوصاف، إنما تصير موجبة بالوصف الأخير، ثم يجب الحكم بكل العلة فيصير الكل مضافا إلى الوصف الأخير، حتى قالوا فيمن حمل سفينة مائة من، وهي لا تطيق أكثر منها، ثم إن رجلا طرح فيها منا زائدا فغرقت السفينة، ضمن طارح المن جميع السفينة بمنزلة ما لو طرح الأمناء كلها.
وقال علماؤنا - ﵏ - فيمن أصاب من الماء قدر ما لا يكفيه لوضوئه: أنه يتيمم ولا يبالي بذلك الماء كأنه نجس أو لم يجد شيئا وذلك لأن التراب جعل طهورا شرعا بشرط عدم ماء طهور في حق الصلاة.
وحكم الطهارة في حق الصلاة لا يتجزأ ثبوته بل يثبت جملة فإن الحكم إباحة أداء الصلاة وهذا حكم لا يتصور تجزيه وكان بعض الماء بعض علة ليصير علة، طهورا للصلاة عند تمامه فكان في حكم السبب المحض ماله حكم العلة المانعة من التيمم بوجه.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله: إن الأشربة التي حرمت لعلة السكر، لا يحرم منها القليل لأن السكر مضاف إلى الشربة الأخيرة التي بها تصير ما مضى من الشراب مسكرة، وإنما ترك محمد - ﵀ - هذا الأصل احتياطا لباب الحرمة فحرم القليل منه لأنه سبب داع إلى الكثير، وإن لم يكن علة.
وقالوا أيضا: لا تجب صدقة الفطر عن نصف عبد لأن علتها الرأس فلا يكون للبعض حكم العلة بل يكون له حكم العدم، وكذلك الحفنة بالحفنة لا ربا فيها لأن العلة هي المكيل وهذه بعض ما يكال وليس بمكيل.
[ ٣٧٧ ]
وقالوا: إن المحرمية بالرحم مع الملك علة للعتق بمنزلة التحرير.
ثم قالوا في العبد بين اثنين إذا ادعى أحدهما أنه ابنه عتق عليه، وضمن، وإن ثبت الملك بهما جميعا لأن تمام العلة بالقرابة، وهي ثبتت بالدعوة وبمثله لو كانت البنوة ظاهرة وهو بين رجلين فاشترى الأب نصيب أحدهما ضمن لأن تمام العلة كان بالملك، وإنما يثبت بصنع الأب فأضيف الحكم إليه وسقط اعتبار الأول.
وقالوا إذا قال لامرأته: إن دخلت هاتين الدارين فأنت طالق، فأبانها وانقضت عدتها فدخلت إحدى الدارين، ثم تزوجها فدخلت الدار الأخرى: طلقت، لأن تمام الشرط علة حلول الطلاق، والتمام وجد في الملك فصار ما قبل التمام من الشرط كأنه ليس بشرط الطلاق فصح وجوده حكما بلا ملك النكاح، والله أعلم.