أ- شروط محض.
ب- وشرط هو في حكم العلة.
ج- وشرط هو في حكم العلامة المحضة.
د- وشرط صورة ماله حكم.
فأما الشرط المحض: فما يمتنع به وجود العلة إلا بوجوده على ما مر تفسيره في باب الفرق بين الشرط والعلة، وهو كلمة أن نحو قولك: عبدي حر إن دخل الدار، فإن التحرير قد انعدم حكما، وامتنع وجوده بكلمة إن حتى يوجد الشرط وهو الدخول.
وحكمه ما ذكرنا: أن وجود العتق يضاف إلى الشرط دون الوجوب بل الوجوب يضاف إلى قوله أنت حر.
وعلى هذا شروط العبادات، فإن الوقت علة الوجوب وعلم العبد بالخطاب شرطه فلا يوجد ابتداء الوجوب إلا بعد العلم، أو ما يقوم مقامه ولكن يجب بالوقت.
وكذلك الأداء إنما يثبت بالفعل من قيام وقراءة وركوع وسجود ولكن الوجود شرعا يتعلق بالطهارة، والنية وسائر الشروط.
وكذلك في المعاملات عقد النكاح إنما يكون بالإيجاب والقبول ولا يوجد شرعا إلا بشهود.
وأما الشرط الذي هو في حكم العلة: فنحو شق زق الدهن وقطع حبل القنديل، فإن الشاق يضمن كأنه أكل الدهن أو أحرقه بالسراج وإن كان الشق مباشرة إتلاف للزق، وإزالة لما يمنع سيلان الدهن فيوجد السيلان عند الشق لا به بل يكون الدهن مائعا سيالا.
لكنه في حكم العلة لأن تماسك الشيء يعتبر بقدر الممكن في العادات وتماسك الدهن محفوظا عن التلف في العادة لا يكون إلا بالأوعية.
وكذلك تماسك القنديل على الوجه الذي يحفظه عن التلف حال الانتفاع به على الوجه الذي صنعت القناديل له لا تكون إلا معلقة بالحبال فلم يكن إرسال القنديل بحبل علة تلف بل كان حفظا.
وكذلك صب الدهن في الوعاء كان حفظا فيكون شق الوعاء أو قطع الحبل والحفظ
[ ٣٨٤ ]
بهما إتلافا هذا كالقتل مباشرة إتلاف والقتل اسم لما يزيل الحياة لا لما يفيت جزءا عينا من الشخص فإنه قطع والقاطع يسمى قاتلا إذا مات منه المجروح، لأن الحياة ليست بعين يمكن أخذها بمد اليد إليها أو إتلافها بالقصد إليها، ولكن علق بقاؤها محفوظة بسلامة البنية فكان نقض البنية وبها قوامها إتلافا للحياة.
فأما الطلاق فمما يحفظ بترك التكلم به وبه يبقى ملك الطلاق للزوج، فإذا تكلم به وعلق بالشرط لم يعتبر الشرط حافظا بل اعتبر مانعا من الوقوع، واعتبر الإرسال عن لسانه إيقاعا وعلة فلم يكن للشرط حكم العلة إذا انفردت العلة وهي الإيقاع.
وعن هذا الأصل اختلفوا في الطلاق المعلق بالولادة إذا أنكر الزوج الولادة، وشهدت القابلة لم تطلق عند أبي حنفية ﵀ لأن للشرط حكم العلة في إيجاد الحكم فلا يثبت وجود الطلاق بشهادة امرأة.
وهما قالا: الوجوب لا يضاف إلى الشرط فيبقى علامة محضة في حق الوجوب فيثبت بشهادة النساء، ألا ترى أن الزنا إذا أثبت على رجل واختلف في إحصان يثبت الإحصان بشهادة رجل وامرأتين، وإن كان الحد لا يجب بشهادة النساء مع الرجل لأن الوجوب مضاف إلى الزنا والإحصان شرط.
والانفصال لأبي حنيفة أن الإحصان لا يتعلق به الوجوب ولا الوجود بل يتبين بالإحصان أن الرجم كان واجبا.
وقالوا جميعا: إن الزنا إذا ثبت على مسلم واختلف في عتقه وكان عبد نصراني فشهد نصرانيا على مولاه أنه أعتقه صار حرا، ولم يجب الرجم عليه لأن الإحصاء شرط يوجد إقامة الرجم عنده لا أن يتبين الإقامة به ولما كانت الإقامة توجد عند الإحصان صار الوجود على الزاني مضافا إليه.
وشهادة الكافر ليست بحجة في حق المسلم المشهود عليه فلم يعمل في حقه والحق الوجود بالوجوب.
فأما شهادة النساء مع الرجال فحجة في حق الناس أجمع وإنما لها خصوص في حق المشهود بها وهي الحدود، والحد لا يجب بالإحصان ولا يثبت وجود الوجوب به بل يتبين به أنه كان واجبا فكان الإحصان علما مظهرا للواجب شرطا موجدا للإقامة.
وكذلك قال أبو حنيفة ﵁: إذا ولدت المعتدة وأنكر الزوج الولادة وشهدت القابلة لم يثبت النسب بشهادتها إلا أن يكون الحبل ظاهرا أو كان الزوج أقر بالحبل أو كان النكاح قائما حال الولادة.
وعندهما: يثبت لأن النسب ثبت بالفراش القائم عند العلوق والولادة شرط ظهور الولد قالا فهذه الولادة في حق النسب علم محض مظهر لنسب قد كان.
[ ٣٨٥ ]
وأبو حنيفة ﵁ يقول: إن كان الحبل ظاهر حال قيام الفراش أو كان أقر الزوج به فقد أوجب علة ثبوت النسب بالولادة وبالولادة يظهر ولد كان ثابت النسب فلم يمتنع الظهور لمكان ثبوت الولادة بشهادة المرأة.
وكذلك إن كان النكاح قائما لأن الولادة تثبت بشهادة المرأة والنسب يثبت بعلة قائمة وهي النكاح فلا يصير مضافا إلى شهادتها فأما إذا لم يكن إقرار الزوج، ولا حبل ظاهر ولا نكاح قائم فابتداء الوجود في حقنا إنما يثبت بشهادة المرأة بالولادة لأن ما قبله من الوجود وجود باطن في حق الله تعالى لا سبيل لنا إلى علمه فيعتبر بالعدم في حقنا، كالخطاب النازل من السماء يعتبر عدما في حق من لم يبلغه ولم يقصر في طلبه، وحال البلوغ إليه معتبر في حقه بابتداء الشرع ليكون التكليف بقدر الوسع فكذا هذا.
وإذا اعتبر بالابتداء والعلة غير قائمة للحال بقي مضافا حكما إلى الشهادة فلم يثبت بشهادة القابلة لأنها ليست بحجة على النسب بحيث يضاف إليها.
وكذلك الميراث لا يثبت للولد بشهادة القابلة أنه كان حيا لأن الإرث لا يثبت إلا بكونه حيا، وما قبل الولادة من الحياة أمر باطن لا سبيل لنا إلى علمه فصار الظاهر بعد الولادة في حكم ابتداء الحياة وإنما يثبت وجوده بالولادة فيصير لهذا الشرط حكم العلة من وجه، ولهذا يتعلق الضمان به إذا امتنعت الإضافة إلى ما هو علة.
وأما الشرط الذي هو في حكم العلامة: فالإحصان بعد الزنا فإنه يتبين بالإحصان أن الحد كان رجما، فيصير ثبوت الإحصان علما على موجود واجب قبله فلا يكون لهذا الشرط حكم العلة بوجه، حتى أن أربعة لو شهدوا على زنى، واثنان على الإحصان فرجم المشهود عليه ثم رجع شهود الإحصان وحدهم لم يضمنوا شيئا وإن لم يوجد ههنا سبب ضمان آخر والولادة بعد حبل ظاهر علم على النسب.
وأما الشرط الذي هو شرط صورة لا معنى: فالشرط الخارج على وفاق العادة كقوله تعالى: ﴿وربائبكم التي في حجوركم﴾، ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾، ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ لأن العادة جارية بترك نكاح الإماء إلا عند عدم الحرة والعجز عنها، وليس لهذا الشرط حكم ويكون ذكره والسكوت عنه بمنزلة، والفائدة في تخصيص الله تعالى حال الابتلاء بتلك الحادثة في العادات بالذكر كونها أولى بالبيان لأن الحاجة إليها أمس. والله أعلم.
[ ٣٨٦ ]
باب