إن الأداء: اسم لفعل تسليم ما طلب من العمل بعينه.
والقضاء: بمثل ذلك العمل من عند المطلوب منه.
قال الله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ وإنه في تسليم أعيانها إلى أربابها، ويقال للغاصب_ إذا رد المغصوب بعينه_ أدى إلى صاحبه حقه.
وإذا استهلكه وسلم المثل يقال: قضاه حقه.
ويقال: أدى الصلاة لوقتها لأنه أتى بعين الواجب من العمل المطلوب منه، وقضاء الفائتة لأن العين فائتة بفوات الوقت، وإنما جعل العبد صلاة من عنده قائمة مقام ما ضمن بالفوات.
ثم الأداء نوعان:
واجب: كالفرض في وقته.
وغير واجب: كالنفل، والقضاء على ما فسرنا لا يتصور إلا واجبًا، لأن النفل لا يضمن بالترك غير أنه نوعان:
أ- مثل مشروع معقول.
ب- ومثل مشروع غير معقول.
فتصير الأنواع أربعة.
وقد يستعار القضاء لأداء الواجب لما فيه من إسقاط الحق كما في القضاء.
ويستعار الأداء للقضاء لما فيه من التسليم، ولهذا اختلف المشايخ المتأخرون في قضاء العبادات؟
فقال بعضهم: لا يجب إلا بالنص لأن الفائتة عبادة فلا تقضى إلا بمثل هو عبادة، ولا يصير المثل عبادة إلا بالنص.
والجواب عنه: أن مثل الواجب لا يصير عبادة إلا بالنص ولا كلام فيه، وإنما الكلام في عبادة شرعت عبادة بوقت علم إنها شرعت عبادة لذلك الوقت أو لسبب آخر وقد وجد السبب: أيجب بتفويت الواجب مثله قياسًا من غير نص؟.
فنقول بأنه يجب لأن الله تعالى قد أوجب في باب الصيام والصلاة القضاء بالمثل في الوقت الذي علم سببًا لشرع مطلق الصوم، والصلاة عبادة فيقاس عليهما غيرهما.
[ ٨٧ ]
وكذلك الله تعالى جعل لمن عليه حق العباد أن يخرج عنه بعين الواجب وبمثله حتى يجب على صاحبه الحق أخذ المثل كما يجب أخذ العين نظرًا لمن عليه الحق ليخرج عن عهدة الواجب، فلما كان كذلك في حقوق العباد ففي حقوق الله تعالى أولى لأنه أكرم.
ثم الشرع فرق بين وجوب القضاء والأداء حكمًا فجعل من شرط وجوب الأداء مكنة الصبر منه حكمة وعدلًا فقال: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ ولأن المطلوب بالأمر فعل مختار على ما عرف، ولا اختيار بدون القدرة والمكنة، ومكنة المال بملك المال لأنه لا يتأدى ما هو عبادة بمال غيره، وإن أذن صاحبه، وغير العبادة وإن كان يتأدى بمال الغير فلا يقدر عليه من عليه الحق بدون الإذن من صاحبه، ويتأدى بدون قدرة بدنه فإنه يأمر غيره بالأداء من ملكه فيصح، وإن عجز هو في نفسه ومكنه البدني بقدرة بدنه لأنه لا يتأدى ببدن غيره بحال.
ثم المكنة التي هي شرط وجوب الأداء حكمة وعدلًا ما لابد لأداء الواجب منه وهي بوجودها بالعمر بقدر ما يتمكن من الأداء بها لجواز الإيجاب على أن يكون الأداء متأخرًا عنه إلى حين، فإن كانت المكنة قائمة عند الوجوب ثم زالت بعد التمكن من الأداء لم يسقط الواجب بزوالها، لأن العجز جاء من قبل العبد بالتأخير مع الإمكان فاعتبر في حق الوقت الذي هو ظرف الفعل قدر الإمكان، كما اعتبر في حق الآلة التي يؤدى بها بقدر الإمكان فإن مات بعد أن تعذر أن يقدر، أثم لما فيه الفوت بتأخيره مختارًا ولم تكن الإباحة عذرًا له، لما ذكرنا في تأخير الحج على أصل محمد ﵀، ولم يأثم قبله لأنه تأخير وإنه مباح له ما لم يصر تفويتًا على ما مر أن نفس الوجوب لا يوجب البدار إلى الأداء لازمًا إلا بطلب صاحبه، وإن لم تكن المكنة قائمة عند الإيجاب ولم يقدر حتى مات لم يؤاخذ به لأنه لم يصيب المكنة وإنها شرط ليجب الأداء، وما لم يجب لم يأثم بتفويته.
ومن الأداء ما لا يجب إلا بقدرة زائدة على المكنة ميسرة للأداء رحمة من الله تعالى وفضلًا على ما قال الله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ وقال: ﴿ويضع عنهم إصرهم﴾.
ومن حكم هذه القدرة: أن دوامها شرط لبقاء أداء الواجب كما يشترط للابتداء بخلاف الأولى لأنها شرطت بقدر المكنة، وإنها تحصل بالتمكن من الأداء فلم تشترط أمد منه، وهذه شرطت ميسرة وهي في الزيادة على قدر المكنة فلم يتقدر الوجوب بقدر المكنة من الفعل في حق الوقت الذي هو ظرف كما لم يجب بقدر الممكن من حيث الآلة التي بها يتأدى فبقي متعلقًا بالزيادة عليه، وهي في الدوام، ولأن القدرة الميسرة متي شرطت للوجوب كانت مغيرة لصفة الوجوب بأن تجعله خفيفًا سهلًا بالحال التي تعلق الوجوب بها
[ ٨٨ ]
التي تثبت له بها زيادة القدرة، وإذا وجب خفيفًا لا يبقى إلا كذلك، كما إذا وجب بقدر ناقص لا يبقى إلا كذلك وبيانه فيما قال علماؤنا: أن العشر يسقط بهلاك الخارج بعد التمكن من الأداء، لأن الوجوب متعلق بسلامة الخارج وبه إثبات تيسير الأداء لا الإمكان فإن الإمكان ثابت بمال آخر ولكنه من الخارج الذي هو نماء أيسر لئلا ينقص أصل ماله به، وكذلك الخارج لا يجب بإمكان الأداء نفسه فإن لا يجب إذا أهلك الخارج أو إذا نزت الأرض، وفسدت قبل وقت الوجوب وإن أمكنه الأداء بمال آخر، وإنما يجب إذا سلم له الخارج حقيقة أو اعتبارًا وهو في أن يكون بحيث لو انتفع بها سلم له الخارج، ولكن حرم بسبب أنه لم ينتفع به فاعتبر سالمًا حكمًا بقيام صلاحها له وفوت السلامة من قبله لا بأنه لم يزرع ولم يأمر، ولما تعلق بسلامة الخارج صار كالعشر.
وكذلك لا يجب الخراج إذا قل الخارج إلا الأقل من الموظف، ومن نصف الخارج ليكون بعض الخارج له على كل حال، ولا ينتقص به أصل ماله إلا بسبب تقصير جاء منه في الانتفاع بالأرض.
وكذلك الزكاة تسقط بهلاك النصاب بعد التمكن من الأداء لأنها لا تجب إذا هلك قبل التمكن، وإن قدر على الأداء بمال آخر فثبت أن الشرط سلامة النصاب لتيسير الأداء عليه بقليل من كثير مال نام ينجبر ما انتقص منه بالأداء بنموه إلى زوائد في سنته في الأغلب فصار كالعشر أيضًا فيشترط دوام القدرة بذلك المال ما لم يفت، ولا فوت بالتأخير لأنه غير مؤقت.
وكذلك دوام القدرة على التفكير بالمال شرط لبقاء وجوبها على العبد لأن الله تعالى لما أسقط المالية إلى الصوم بعدم المال عند الوجوب علم أن الشرط لوجوبه ليس أصل المكنة فأصلها مما يثبت بعده في العمر على ما مر، ولكن الشرط قدرة ميسرة حال الوجوب حتى سقطت بالعدم إلى الصوم ليبرأ عنها بصوم الممكن ولا تبقى تحت عهدة الوجوب إلى أن يقدر في الثاني، ولما صار الشرط قدرة ميسرة اعتبرت دائمة ما بقيت أداء، والكفارة غير مؤقتة فلا تصير فائتة بالتأخير، بخلاف موت صاحب المال فإن الموت مانع من الوجوب، ولا تسقط إذا طرأ لأنا نشترط حياته للوجوب لا للقدرة تحريم الأمر الميسر للأداء، فأداء المالي بماله لا بحياته؛ ألا ترى كيف يجوز الأداء بعد موته إذا أوصى به، ولكن لا وجوب إلا في الذمة، ولا ذمة إلا مع الحياة.
وبخلاف صدقة الفطر فإنها لا تجب بدون مال محرم للصدقة وبدونه يبقى واجبًا إذا هلك المال بعد التمكن من الأداء لأنا نشترط قيام الغنى بالمال للوجوب لا للأداء، ولأن الصدقة لا يستقيم إيجابها شرعًا إلا على غنى، كما لا يستقيم إيجابها إلا على مؤمن لأنها ما شرعت إلا لإغناء الفقير وكفاية المحتاج بدليل أنها لا تتأدى إلا بمال يصرف إلى الفقير
[ ٨٩ ]
المحتاج بالتمليك ليدفع به إذا ملك ما شاء من وجوه حاجته، ولم يتأدى بالغنى الذي لا حاجة به، ولا بغير المال الذي لا يدفع حاجة الفقير.
ولما شرعت للإغناء عن الفقر لم يكن الفقير أهلًا لوجوبها عليه فتصير مشروعة لأحواجه بخلاف الكفارة فإنها شرعت للتكفير عن ارتكاب المحظور بدليل أنها تتأدى بالصوم الصالح للتكفير، وإن لم يصلح للإغناء ولكن الإغناء صالح للتكفير لأنه عبادة أيضًا يصلح للتكفير فيصير الإغناء آلة للتكفير لا أن تكون الكفارة شرعت للإغناء فلذلك لم نشترط الغنى بالمال لوجوب الكفارة، بل جعلها الشرط من يصلح لثواب العبادة، فالتكفير يقع بالثواب.
ولما ثبت بالدليل أن الغنى بالمال شرط للوجوب لم يشترط للأداء بل يشترط للأداء نفس المكنة، والزيادة لا تثبت إلا رحمة بدليل زائد فإذا تمكن من الأداء تقرر الوجوب ولم يشترط دوامها لبقاء الواجب لما ذكرنا.
وكذلك قيام كمال النصاب شرط للوجوب عند الحول ويبقى بعض الواجب بعد هلاك بعض النصاب بعد الحول، لأن الكمال شرط للوجوب لا شرط للأداء لما ذكرنا أن الغنى شرط لوجوب الصدقة فأكد الشرع هذا الشرط في باب الزكاة، ولم يجعل الغنى أهلًا لوجوب الزكاة إلا إذا غني بالمال الذي جعل سببا لوجوب الزكاة، ولا يغنى به الغنى المحرم للصدقة لولا مال آخر إلا إذا كان نصابًا كاملًا.
والدليل عليه: أن أداء الواجب وهو ربع عشر النصاب لا يتيسر بكمال النصاب فإن انتقص أو كمل لم يؤد إلا ربع عشر ما عنده من المال النامي، ونحن شرطنا دوام الشرط الذي يتيسر به الأداء لا ما لا يتيسر به الأداء.
وكذلك الحج لا يجب إلا بشرط الاستطاعة بملك الزاد والرحلة ويبقى بدونها إذا فات بعد التمكن من الأداء لأن الشرط من الاستطاعة بقدر المكنة من السفر المعتاد بزاد وراحلة، لا بما يتيسر زيادة يسر على المعتاد من محمل وخدم ونحوها.
وقدر المكنة معتبر في حق الوقت بقدر التمكن من الأداء فيه على ما مر، ولا يلزم إذا استهلك المال، فإنه لو استهلك النصاب قبل الوجوب لم يجب.
ولو استهلك بعده لم يسقط لأنه إذا استهلك قبل أن يجب لم يضمن شيئًا لأن المال خالص له.
وإذا استهلك بعدما وجب صدق بعضه إلى الفقير ضمن مثل ما صار محلًا لزمه تمليكه وصرفه إلى الفقير، وهذا كعبد جنى جناية ولزم المولى دفعه فأعتقه قبل العلم به ضمن قيمته لأنه صار واجب الصرف إلى الولي، وإن لم يصر ملكًا له فضمن بالاستهلاك مثل الواجب بعينه فيكون قضاء لا أداء.
[ ٩٠ ]
وكذلك إذا عين شاة ليضحي بها ثم استهلكها ضمن شاة أخرى مثلها، وإن كانت الأولى في ملكه لأنها تعينت لأداء الواجب منها، ولأنه بالاستهلاك يريد إسقاط ما عليه باختياره فيه فيصير متعديًا في حق الواجب فلم يعذر، وجعل كأنه لم يستهلك وإن كان الهلاك مسقطًا، ألا ترى أن الصائم إذا سافر لم يسقط عنه وجوب الصوب ولو مرض سقط، وهما سواء في الإسقاط قبل الشروع لأن السفر باختياره كان، ثم القضاء بالمثل يجب على ما مر، وإنما قصر على المثل لأنه يجب انتصافًا منه على تعديه بالتفويت، معنى الانتصاف يفوت بالزيادة على المعتدي والنقصان لصاحب الحق فوجب المثل ليكون عدلًا فمجازاة العدوان واجبة بالعدل، وإيجاب القضاء مجازة والعفو جائز فضلًا إن شاء صاحبه.
فإذا عرفنا هذا وجب قضاء الصلاة الفائتة بمثلها، لأن مثلها صلاة هي عبادة مشروعة في كل وقت فأمكن العبد قضاءها بالمثل.
وكذلك الصيام في الأيام والصدقة في كل مال.
وكذلك الحج في وقته والأضحية في أيامها فإذا عين واحدة واستهلكها ضمن مثلها.
وكذلك الرمي في أيامه في الحج فإذا لم يضح بها حتى مضت الأيام لزمه التصدق بها ولا يخرج بالتضحية وإن عاد الوقت في السنة القابلة لأن الشاة في الأصل محل التقرب إلى الله تعالى بالصدقة إما واجبة في باب الزكاة، وإما نذرًا، وإما تطوعًا وبأيام النحر جعلت محلًا للتقرب بالتضحية قائمة مقام الصدقة مخصوصة بهذه الأيام لأنا أمرنا بها مقدمة على الصدقة، فإذا ذهبت الأيام وجب القضاء بالصدقة.
ألا ترى أنه لو جز صوفها حتى لم يمكن التقرب في حقه بالإراقة وجب التقرب بالصدقة لأن شرع الله تعالى التضحية مكان الصدقة دليل على ضرب مماثلة حتى صلحت للقيام مقام الصدقة.
ولما تعينت الصدقة لم تعد إلى المثل بعود الوقت، كمن استهلك رطبًا فذهب أوانه وقضى عليه بالقيمة له لم يعد إلى الرطب بمجيء أوانه.
وكذلك الرمي في الحج إذا فات عن وقته قضى في أيامه لأنه مشروع عبادة في تلك الأيام وإذا ذهبت الأيام وجب الجبر بالشاة عينًا شرعًا فلا يعود الرمي، وإن عاد الوقت.
وأما إذا عجز عن قضاء الصوم بالصوم فالقياس أن لا يقضي بالمال لأنه غيره اسمًا ومعنى ولكنا أوجبناه إذا أيس عن الصوم بالشرع بخلاف القياس.
وإذا عجز عن الحج بنفسه كان القياس أن لا يقضي بالإحجاج لأن الذي يؤديه بالإحجاج مال، وإنه غير الحج إلا أنا جوزنا بشرط اليأس عن الحج بالشرع.
[ ٩١ ]
وأما الصلاة فلا نص فيها فقلنا تقضى بما يقضى به الصوم لأنها بالصوم أشبه لأنها عبادة بدنية محضة لا تعلق لوجوبها ولا لأدائها بالمال، بخلاف الحج لأنه لا يجب إلا بعد ملك الاستطاعة ولا يتأدى بدون المال للنفقة والراحلة.
فإن قيل: أليس قضاء الصوم بالمال ليس بقياس فكيف قستم عليه الصلاة؟
قلنا: إن الندم على ما فات والتوبة مما يمحو الذنب بينه وبين ربه تعالى إذا لم يقدر على زيادة أمر سوى التوبة إلا أنهم أوجبوا فدية الصوم احتياطًا لقدرته عليها حتى إذا كانت كالصوم عند الله تعالى لم يبق تحت عهدة المال.
وعلى هذا المثال وجب الخروج عن حقوق العباد فإن الغاصب يلزمه الخروج عن ضمانه برد العين، فإن عجز عنه بفواته رد مثله صورة ومعنى، فإن عجز عنه بتفاوت جنس ذلك العين رد قيمته التي هي معنى ذلك العين وبه صار مضمونًا بالغصب.
فإن لم يكن أصل الحق مالًا نحو المنكوحة أمة كانت أو حرة أو رجلًا عليه قصاص عبدًا كان أو حرًا لم يضمن بالغصب لصاحب ملك القصاص، وملك النكاح إلا في حق تسليم العين فإذا هلك العين فلا يضمن شيئًا في الدنيا.
وكذلك إذا شهد شاهدان على ولي القصاص أنه عفا عن القصاص وقضى القاضي به ثم رجعا لم يضمنا شيئًا للولي.
وكذلك إذا شهدا على رجل أنه طلق امرأته ثلاثًا وقضى القاضي به ثم رجعا وكان دخل بها لم يضمنا شيئًا، وإن أتلفا الملك بالشهادة لأن المتلف لم يكن مالًا فلا يكون المال مثلًا له لا صورة ولا معنى فمعنى النكاح إقامة النسل والسكن، ومعنى المال مصالح البدن. لذلك قال علماؤنا ﵏: إن المنافع لا تضمن بالإتلاف بعد قولهم أنها أموال حتى كان عقد الإجارة واردًا عليها، وعقد الإجارة من التجارة والتجارة لا تكون إلا بعقد المال بالمال.
وكذلك قالوا: لا يثبت الحيوان دينًا في الذمة بدلًا عن المنفعة وثبت دينًا بدلًا عما ليس بمال من العتاق وملك النكاح وملك القصاص لأن ضمان الإتلاف مقيد بشرط المماثلة، وما للمنافع مثل إما من جنسها فلا إشكال، وفيه إجماع لأنها تحدث ساعة فساعة من أعيان متفاوتة فكذلك هي تتفاوت بحسب تفاوت الأعيان.
وأما من الدراهم والدنانير فلأنها في الجملة خير من المنافع ذاتًا لأنها من جملة الجواهر، والمنافع أعراض، والجوهر خير من العرض ذاتًا في الجملة لأن الأعراض قيامها بغيرها والجواهر تقوم بنفسها فكانت الأعراض منها كالتبع من المتبوع.
ثم هذا التفاوت وإن كان عفوًا في التجارات في حق المالية حتى كانت المنافع في الأسواق في حكم الأعيان في حق المالية يبادل أحدهما بالآخر بلا حرج.
[ ٩٢ ]
وكذلك الوصي يبادل عن مال اليتيم بالمنفعة فيجوز.
وكذلك في العقود الفاسدة التي توجب ضمان المثل توجب الدراهم عن المنافع فإنه لا يعفى في حق ضمان الإتلاف لأن ضمان التجارة على ما يتراضى عليه الناس في الأصل دون المعادلة والمماثلة، ولكن الشرع ربما حجر على بعض التجار الذين أطلق لهم بشرط النظر إن يأتوا بخسر هو خسر في عرف التجار فما لا يتعارف خسرًا في الأسواق لقلة التفاوت وتعذر إقامة السوق مع اعتباره كان عفوًا لأن التجارة أمر مشروع لا تقوم بدونها مصالح الناس فلا يبتنى على ما يضيق معه استعماله كالعبادات، ألا ترى أنه في الأسواق لا يظهر التفاوت الذي يكون بين الحجر المبنية للإيجارة على هيئة واحدة بل تؤاجر بغلة واحدة.
وكذلك للوصي أن يؤاجر منها واحدًا بواحد على قول من يرى الجواز مع اتفاق جنس المنفعة.
وكذلك المأذون في التجارة يملك من التبرع ما لابد للتجارة منه وإن كان هبة على الحقيقة فكذلك التفاوت الذي لابد منه لأنه دونه.
فأما ضمان الإتلاف فمبني على المثل في الأصل فوجب اعتبار التفاوت وإن قل حتى لا يجب على المعتدي زيادة فيكون جورًا وليس يجب اعتباره تضييق على الناس فإنه يجب بالعدوان وسبيل العدوان أن لا يكون وإن كان، فإن تقرب في الجزاء من باب الإحسان كان أولى من باب الجور.
ألا ترى أنه إذا أتلف منفعة حجرة لا يضمن بإزائها منفعة حجرة أخرى مثلها في الغلة عرفًا وتجارة، وكان التأخير إلى الآخر أهون لأن الزيادة جور وإنه لا يحل بحال والتأخير جائز كما في إتلاف الخمر وإيذاء الحر والشتم ولهذا قلنا: إن القياس أن لا يجب مال بإتلاف الآدمي لأنه لا مماثلة بينهما معنى ولا صورة، وإنما وجب بالنص حال تعذر القصاص بالخطأ كي لا يهدر دم الآدمي بخلاف القياس فلا نقيس عليه حال إمكان القصاص.
[ ٩٣ ]