قال بعض مثبتي القياس: الأصول ليست بمعلولة في الأصل إلا بدليل.
وقال بعضهم: هي معلولة بكل وصف منها واجب العمل به إلا بدليل.
وقال الشافعي: على ما دلت عليه مسائله، ولست أحققه مذهبًا له: إن الأصول معلولة، ولكن لا يجب العمل بما جعل علة إلا بدليل يميز بينها وبين غيرها.
وقال علماؤنا كذلك وزادوا فقالوا: لا يجب العمل بها إلا بدليل يدل على كون الأصل شاهدًا للحال.
فأما الأولون فاحتجوا بأن الأصول هي النصوص، والنص حجة يجب العمل بها على موجب اللغة في الأصل، فلا يجب العدول عنه إلى العلل الشرعية التي لا تنبئ عنها اللغة إلا بدليل.
وكان ذلك بمنزلة ترك الحقيقة إلى مجازه بل أبعد، لأن المجاز أحد أنواع اللسان وهذا لا يعرف لسانًا بحال.
ولأن التعليل ببعض الأوصاف بعد ظهور الحكم عقيب الكل تخصيص فلا يثبت إلا بدليل.
ولئن سلمنا أن كل وصف يجوز علة فلا يثبت الترجيح للبعض على البعض إلا بدليل إذ كل وصف، وإن صلح علة احتمل أن لا يكون علة فلا يصير علة مع الاحتمال.
وأما الفريق الثاني فقالوا: إن الدلائل التي جعلت القياس على النص حجة جعلت النص معلولًا في أصله لأنه لا قياس إلا بعلة، وجعلت كل وصف علة لأن القياس لا يتصور بكل الأوصاف، فصار كل وصف علة إلا بمانع، وهذا كما أن دلائل الشرع جعلت الأخبار حجة، وإنما تثبت بالرواة ولا يمكن شرط الكل لأنه يتعذر، فصار كل واحد بروايته حجة إلا بمانع.
فأما الجواب عن قولهم أن في التعليل تركًا لحقيقة النص، فلا كذلك لما مر أن من شرط صحة التعليل بالرأي أن يبقى حكم الأصل فيه، كما كان قبل التعليل معمولًا به في النص بنصه لا بالعلة، ولما صار كل وصف علة بانفراده لم يترجح واحد إلا بدليل، وإنما لم نجعل كل الأوصاف علة لأنها لا تتعدى حينئذ فلا يمكن المقايسة لها.
[ ٣٠١ ]
وأما الاحتمال فنعم ثابت، ولكن لما ثبت الوصف علة بدلائل صحة القياس لم يبطل بالاحتمال كما لا يثبت ابتداء بالاحتمال.
وأما الفريق الثالث: فيقول إن الدلائل الموجبة للقياس على النص جعلت النص معلولًا ليمكن القياس، ولا قياس إلا بتعليل، والإمكان يثبت بوصف من الجملة فلا يجب بتلك الدلائل أن يجعل كل وصف علة بل صار البعض من الجملة علة.
واحتمل الزيادة على الواحد، فلا تثبت الزيادة على الواحد إلا بدليل.
وهذا الواحد مجهول من بين الجملة فلا يمكن العمل به حتى يمتاز عن الكل، ولا يثبت الامتياز إلا بدليل.
وأما علماؤنا فإنهم ذهبوا إلى أنه لا بد من دليل يميز الوصف الذي هو علة عن غيره كما قال الشافعي ﵀.
وسنذكر شرح ذلك في باب: صيرورة الوصف علة يجب العمل بها بعد هذا الباب.
وقبل هذا الدليل نحتاج إلى دليل يدل على كون الأصل شاهدًا يعمل بشهادته، لأن الأصول وإن كانت معلولة في الأصل بالدلائل الموجبة للقياس فقد احتمل واحد بعينه من الجملة أن لا يكون معلولًا فبالإجماع نصوص من بين النصوص غير معلولة، فلم يخرج في نفسه من أن يكون شاهدًا بالاحتمال بعدما صار الأصل للشهادة.
ولكن لا يبقى حجة على غيره، وهو الفرع مع قيام الاحتمال حتى يقوم دليل يدل على كونه شاهدًا للحال كالرجل المجهول الحال إذا شهد قبلت شهادته.
وإذا طعن الخصم في حريته لم يصر حجة عليه بكونه حرًا في الأصل، إلا بدليل يوجب حريته للحال في حقه لأنه احتمل التغيير بعارض، فلم تبطل حريته في نفسه بالاحتمال، ولم يبق حجة على غيره مع الاحتمال على ما بينا في باب استصحاب الحال؛ أن الاستشهاد بأصل ثابت احتمل التغير لا يكون حجة ملزمة، وإنما يكون حجة دافعة.
فإن قيل: أليس النبي ﷺ قدوة أمته فيما كان له وعليه، وقد احتمل أن يكون مخصوصًا كما ظهر في أحكام، ومع ذلك كان حجة على غيره؟
قلنا: إن الحجة لوجوب الاقتداء به كونه نبيًا، وما اختلف الحال في كونه مقتدى به، والخصوص من ثبت بدليله في بعض أفعاله وأحكامه فيبقى في الباقي على عمومه كالنص العام إذا خص منه شيء ولم ينسخ ولا احتمله، فإن الباقي يبقى على عمومه فأما فيما نحن فيه فالنص المعلول هو الشاهد بعلته فاحتمل في نفسه أن لا يكون معلولًا بعارض كالشاهد هو الحجة بشهادته، فاحتمل أن لا يكون حجة بعارض رق فيصير احتمالًا في نفس ما هو حجة، وفي الفصل الأول كان الاحتمال في العمل بما ثبت حجة.
[ ٣٠٢ ]
ومثال ذلك: أنا متى عللنا حرمة الفضل من الذهب بالذهب بكونه موزونًا.
وقيل لنا: أنه مخصوص بعلة الثمنية، ومعدو لبه عن سنن قياس غيره عليه احتجنا نحن إلى بيان أنه معلول بهذا الوصف بدليل موجب له غير الدلائل المصححة للقياس.
فنقول: إن كون الذهب ثمنًا ليس بمسقط صفة أنه معلول بعلة يتعدى حكمه إلى غيره، ولا بموجب له صفة الخصوص بحكمه، ألا ترى أن من حكمه وجوب القبض في المجلس، وقد تعدى هذا الحكم إلى عقد السلم.
وكل عقد بيع كان دينًا بدين بعلة الدينية فكذا لا تصير الثمنية مانعة مما نحن فيه، وصحت التعدي بعلة الوزنية، وهذا كالشاهد يطعن فيه بجهل فلا يكون طعنًا لأن الجهل لا يسقط ولايته، والشهادة من جملة الولاية، وإنما يكون طعنًا ذكر الشاهد بوصف مسقط للولاية كالصبا والرق والكفر في حق المسلم ونحوها، فكذلك ههنا.
إنما يكون طعنًا إذا أشير إلى وصف مانع من ولاية الشهادة بحكم الفرع جملة.
فأما إذا وجدناه مع الوصف الذي طعن به شاهدًا في موضع فيعلم أن ذلك الوصف ليس بطعن، ولا هو بمبطل عليه صفة الشهادة فمرة ثبتت صفة الشهادة للشاهد بسبب ثبوت الولاية من الأسباب الموجبة للحرية، ومرة بحكم شهادته فإذا وجدناها مقبولة في حادثة على وجه الصحة صارت حجة.
فكذلك الأصل إنما يصير من جملة ما يعمل بعلته إذا وجدناه عمل به في حادثة، أو وجدناه من النبي ﷺ نصًا على كونه معلولًا بعينه، أو دليلًا من النص مما يثبت به الأحكام من استدلال ونحوه، والله أعلم.
[ ٣٠٣ ]
باب