وقد ذكرنا أن النسخ بيان لمدة بقاء المشروع مشروعًا، فلا بد أن يكون المشروع مما يحتمل الثبوت مؤقتا بالنص حتى يقبل النسخ.
فإما ما لا يحتمل التوقيت بالنص فلا يقبل النسخ. كوجوب الإيمان بالله تعالى، وبصفاته، وبكتبه وبرسله، لأن الله تعالى بصفاته كان لم يزل ويكون لا يزال ومن صفاته أنه مطاع، وأنه صادق.
وإنما يجوز فيما لو قال الله شرعت هذا إلى وقت كذا لصح ولم يبق بعده، وهو شرع الفروع التي لم تكن، ثم شرعت وما كانت تكون ثابتة لولا الشرع، لأنها لم احتملت أن لم تكن حقًا لله تعالى احتملت أن لا تبقى ثم هذه الأحكام في ثبوتها في حق الوقت أقسام أربعة:
١ - إما أن تكون ثابتة أبدًا بدلالة موجبة اقترنت به، كشريعة محمد ﷺ بعده ثابتة أبدًا لأنه لا نسخ إلا بخبر عن الله تعالى. وثبت بالنص أنه خاتم الأنبياء فعرف دوامه بدلالة أن لا نبي بعده، وكانت كالمخلوق الذي نص على بقائه أبدًا كالدار الآخرة وقد شرع الله تعالى علينا أن نعتقده كذلك.
٢ - وإما أن تكون ثابتة أبدًا بالنص كقوله تعالى: ﴿وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة﴾.
٣ - أو تكون ثابتة إلى وقت معلوم بالنص كقول القائل: حرمت كذا سنة، أو أحللت سنة، أو جعلت لك كذا أو كذا عملًا تعمله عشر سنين، ومالها مثال من المنصوصات شرعًا.
٤ - أو كان مطلقًا عن ذكر الوقت من حكم وسبب لحكم كالوقت لوجوب الصلاة والصيام، والزنا لوجوب الحد، واليمين لوجوب الكفارة.
والنسخ لا يرد إلا على القسم الرابع:
أما الذي نص الله عليه وقته أبدًا، أو شهرًا، أو يومًا، فلأن الله تعالى أخبر أنه مشروع في ذلك الوقت كله فلا يجوز أن يصير غير مشروع إلا بغلط، فيما أخبر أو فيما قدر حتى رجع عنه وكلاهما لا يجوز على الله تعالى.
[ ٢٣٥ ]
وأما المطلق عن الوقت فلأن المشروع بالشرع هي الأسباب. والأحكام وجبت بناء عليها لما ذكرنا في أول الكتاب في باب بيان أسباب الشرائع، فكان حكم الجعل الذي هو شرع أن تصير تلك الأسباب أسبابًا موجبة.
ولا يجوز أن يرد النسخ على أنها لم تكن أسبابًا، وإنما يرد على البقاء سببًا. لأن البقاء كذلك سببًا لم يثبت بنص على البقاء والنص الجاعل سببًا لا يوجب البقاء كالأمر الذي أوجب كون العالم ما أوجب البقاء.
وكالإحياء الذي أوجب حياة الأرض بالنبات، وحياتنا بالقدرة على الأفعال الاختيارية لم يوجب البقاء.
وكالبيع الذي يوجب الملك لا يوجب البقاء.
ولما لم يجب البقاء بما شرعها أسبابًا لم يكن رفع البقاء تعرضًا لما وجب بالأول بل كان بياتًا لمدة البقاء التي كانت محتملة للتوقت والتأبد كإماتة الأحياء.
وإفناء العالم يوم القيامة يكون بيانًا لمدة البقاء الثابتة بحكم الله تعالى لما خلقها لعباده، فثبت أن النسخ بيان لمدة البقاء التي كانت مجهولة في حقنا ولم تكن ثابتة بالنص.
ثم الحكم بعده يرتفع لزوال سببه كما لا يبقى صوم بمجيء الليل لانتهاء الصوم بالليل.
وكذلك جعل الموت سببًا لحرمة ما يؤكل ثم حرمت الميتة بوجود سببه ثم بقاء الموت سببًا لذلك ليس بالنص بل لعدم ما يزيله كبقاء الملك في المبيع بعد الشراء.
وكبقاء الدين واجبًا على العبد بعد سبب الإيجاب عليه.
وهذا لأن الله تعالى ابتلانا بما شرع لصلاح لنا فيه إما عاجلًا وإما آجلًا، أو لحكمة علم الله تعالى فيها.
ثم تلك الحكمة والصلاح مما يختلف باختلاف الأزمنة والقرون فحسن التبديل فيما احتمل التبدل والتوقت بتبدل الحال كالطبيب يأمر المريض بغذاء أو دواء ثم يأمره بغيره بعد حين إذا تبدل حاله بلا غلط ولا مناقضة.
وعلى هذا يجب أن يقال: أن الله تعالى إذا أمر بأمر وجعل المأمور به حسنًا منا فعله غير معلق بشرط أن لا يرد عليه نسخ بعينه بحال، لأنه بعينه متى صار حسنًا بالنص لم يجز أن يكون قبيحًا، وهو شيء واحد إلا بغلط من المخبر، وفي النسخ إثبات قبح.
فإن قيل: إن الله تعالى أمر إبراهيم بذبح ولده ثم نسخه، وكان ذبحًا واحدًا ما كان يبقى بعد الامتثال به فثبت أن النسخ فيه جائز والدليل على أنه نسخ أن الذبح بعد الفداء حرم في الولد.
[ ٢٣٦ ]
قلنا: الذبيح جعل محلًا للذبح لحكمة أن يصير الذبح قربانًا لله تعالى، والأب متقربًا به بذبحه فصار كذلك ثم حسن ذبحه بأن صار محلًا كما يحسن التضحية بالشاة اليوم، ثم النسخ ورد على بقائه محلًا على صيرورته محلًا فكان من قبيل ما ذكرنا، ولما انتسخ المحل لم يبق الذبح حسنًا في غير محله لأنه لم يحسن ابتداء إلا بمحله فلا يبقى إلا معه.
فإن قيل: فما الحكمة في جعله محلًا للذبح سوى إقامة القربة بالذبح فيصير النسخ قبل الإقامة عبثًا بالخلو عن الفائدة.
قلنا: إنه لا يجوز النسخ عندنا إلا بعد التمكن من الفعل فإن اشتعل العبد بالإقامة، وعجز لمانع حتى نسخ أثبت على جهاده وإسلامه للطاعة بقدر الوسع وإن أعرض مع التمكن حتى ذهبت مدة بقائه صار آثمًا، وصار بعد النسخ وبعدما ثبت مدة بقائه كما لو وقت الله تعالى في النص.
وقال: أوجبت هذا الفعل عليك، وجعلته حسنًا يومًا ثم إنه قبح بعده، ولم يفعل العبد إما معذورًا أو غير معذور لم يكن الشرع عبثًا فحكمة الشرع تنتهي إلى وجوب الجزاء، إما بالجنة أو بالنار أو بالعفو والجزاء وجب، قصر أو لم يقصر.
وإن لم يفعل ما أمر. على أن الله تعالى في ذبح الولد ما في نسخ الذبح بل نقله إلى الشاة، وجعله قائمًا مقام الولد فداء عنه محلًا لإقامة ما وجب بإيجاب الذبح المضاف إلى الولد حتى سلم الولد، وصار قربانًا لله تعالى بالشاة والأب متقربًا بذبحها.
وهذا كما جعل الأضحية محلًا لإقامة القربة بالذبح أيام النحر ثم تبطل بمضيها، ولا تتأدى القربة إلا بالصدقة بعدها ولا يصير الجعل عبثًا.
فكذلك الرمي في الحج لا يقضي بعد أيامها ولم يصر عبثًا.
وكذلك إقامة الجلد على الزاني فرض حسن، وإذا مرض مرضًا شديدًا يخاف عليه التلف إن ضرب فيه قبح لتغير صفة المحل لأنه حسن ابتداء لأنه يحتمله فإنه حد زاجر لا متلف، فإذا صار بحيث لا يحتمله قبح.
فإن قيل: كيف يستقيم تصوير هذا في وقت الصوم فإنه متى جعلنا السبب رمضان بعينه لم يتصور وجوده بعد مضيه، وإن جعلنا السبب كل شهر هو رمضان كان الكل سببًا بالنص؟
قلنا: أن الله تعالى لم يذكر كل رمضان، فإنه لم يقل: كلما شهدتم رمضان فصوموه، بل قال: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ وهذا لا يتناول إلا واحدًا من سنته، كمن شهد منكم رجبًا فليتصدق يدرهم من ماله، لم يملك إلا مرة واحدة برجب تلك السنة.
[ ٢٣٧ ]
فلما تكرر وجوب صوم رمضان علم أنه تكرر لأن الوقت المسمى برمضان جعل سببًا للوجوب باسمه.
كما جعل الفعل المسمى بأنه الزنا سببًا للحد ثم بقي كذلك، ولما بقي الاسم سببًا عمل متى وجد، إلى أن تنتهي مدة بقائه بالنسخ، ويصير بعد التبين بالنسخ، كأنه قال حين شرع: أنه سبب إلى وقت كذا.
فإن قيل: لو كان البقاء مشروعًا بعدم دليل الزوال لما بقيت الشرائع قطعًا كحياة المفقود.
قلنا: بعد رسول الله ﷺ وجب الحكم بالبقاء قطعًا، لتيقننا بأن لا نسخ بعد انقطاع الوحي، فأما زمان الوحي فالبقاء غير يقين حتى كان تركه جائزًا بخبر الواحد، الذي لا يقين فيه كأهل قباء تركوا قبلة بيت المقدس بخبر الواحد وصوبهم الرسول ﷺ، فصار على هذا سقوط الحكم بالنسخ سقوطًا بانتهاء مدة الوجوب في الباطن وبالرفع في الظاهر، والله أعلم.
[ ٢٣٨ ]
باب