اختلف العلماء في الخبر الواحد على أربعة أقوال؟
فقال جمهور العلماء: إنه حجة، وإن لم يكن المخبر معصومًا عن الكذب.
وقال بعضهم: لا يكون حجة حتى يبلغ عدد الشهادة.
وقال بعضهم: لا يكون حجة أقصى عدد الشهادة.
وقال بعضهم- ممن لا يعتبر خلافه خلافًا-: لا يكون خبر الواحد حجة في باب الدين إلا أن يكون معصومًا عن الكذب أو يبلغ حدًا ذكرناه في التواتر لقول الله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾؟ والعلم لا يقع بخبر احتمل الكذب وقال: ﴿ولا تقولوا على الله إلا الحق﴾ وقال:
ولأنا لا نعمل بالنص المحتمل لوجهين، وغن كان كل واحد منهما مما يجوز ان يكون شريعة فلأن لا نعمل بالذي يحتمل الصدق والكذب- والكذب باطل- أولى وأحرى.
قال: ولا يلزمنا العمل بالشهادة لأنا تركنا هذا الأصل بكتاب الله تعالى بخلاف القياس فلا نقيس عليها غيرها. ولأن حقوق العباد ليست كأصل الشريعة فإنها باب يثبت بإيجابهم وتصرفهم وبهم ضرورة إليها، ولا يمكنهم إظهارها بدليل لا يبقى فيها شك وشبهة، وأما الدين فحق الله تعالى، والله تعالى قادر على إظهار حقه بما يوجب العلم فلم يجز إثباته بما دونه كما لا يجوز إثبات أصل الدين من التوحيد والنبوة، وصفات الله تعالى بما فيه شبهة.
واما جمهور العلماء فإنهم احتجوا بقول الله تعالى: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى﴾ وبقوله تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾ الآية، فالله تعالى توعدهم بالكتمان وبترك البيان، وحقيقة هذه الإضافة تتناول كل واحد من آحاد الجمع على ما مر ذكره في الجمع المضاف إلى جماعة.
ولأن أخذ الميثاق علينا من أصل الدين والخطاب بأصل الدين، وإن تناول الجماعة فكل واحد منهم مخاطب به على حدة بالإجماع وبالدلائل التي لا شك فيها ولما افترض
[ ١٧٠ ]
البيان على كل واحد من الجملة دل ضرورة أنه مقبول منه ذلك وواجب قبوله كما كان يجب من رسول الله ﷺ وكذلك كل مأمور بشيء إذا أتى به كما أمر كان القبول منه حقًا له، وقال الله تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ والفرقة اسم لجماعة أقلها ثلاثة، والطائفة منتزعة منهم فيكون بعضهم وبعض الثلاثة واحد او اثنان وقد يسمى الواحد طائفة قال الله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ روي أنهما كانا رجلين، وقد دلت عليه الآية: ﴿فأصلحوا بينهما﴾ إلى قوله: ﴿فأصلحوا بين أخويكم﴾ ولم يقل بين إخوتكم.
وإن جعلنا الطائفة جماعة فهي إلى العشرة وخبرهم يحتمل الكذب. ولن أحدًا لم يقل أن الطائفة او الفرقة اسم جماعة بلغوا عددًا نشترطه في التواتر، والله تعالى أمر الطائفة بالتفقه ثم بإنذار قومهم بما تعلموا، ولو لم يكن قولهم حجة لما وقع به إنذار ولا حذر.
فإن قيل: إن الله تعالى أمر به الطوائف أجمع.
قلنا: قد ذكرنا أن الجماعة المضافة إلى جماعة حقيقية آحاد في حق كل مضاف إليه كقولنا: لبس القوم ثيابهم، وركبوا دوابهم، ولأنه قال: ﴿إذا رجعوا إليهم﴾ علق الإنذار بالرجوع، ولا يتصور الرجوع من الطوائف كلها إلى قوم واحد منهم لأنه اسم للعود بعد المسير عنهم وإنما يسمى الآتي ابتداء قادمًا.
ولأن الواجب لو كان اجتماع الطوائف والدوران على الناس لكان أمرًا مشهورًا لا يخفى ذلك.
ولو كان الحق متعلقًا بذلك لوجب نقل ذلك كما نقلت الطهارة وسائر الفرائض، ولكان لا يندرس أثره فلما لم ينقل علم أنه لم يكن.
ولو وجب ذلك لما تركهم رسول الله ﷺ والإعراض عنه. على أن الحجة قائمة مع الاحتمال لأنهم إذا اجتمعوا وداروا وجب الحذر من قولهم وبيانهم بظاهر الآية، وبعد الاجتماع جائز عليهم الاتفاق على الكذب عادة وإنما يصير الخبر حقًا من الجماعة إذا كانت الجماعة جماعة لا يتوهم عليهم الاتفاق يقينًا على الكذب عادة، والاتفاق على الكذب عادة يتوهم على المجتمعين عادة.
فإن قيل: إنما يلزم الواحد البيان، ولكن لا يلزم السامع القبول حتى يكثروا كالشاهد الواحد يلزمه أداء الشهادة ولكن لا يجب على القاضي العمل حتى يتم العدد.
قلنا: إن الله تعالى ألزم البيان ليحذر الناس ولم يشترط عددًا فمتى لم يلزم العمل
[ ١٧١ ]
بذلك البيان إلا بعدد لم يقع الحذر إلا بزيادة فيكون نسخًا ولا يكون تأويلًا، ألا ترى ان الله تعالى ما ذكر الشهادة للعمل بها إلا مقرونة بالعدد وما ذكر عددًا في باب الدين، وعلى ان الشاهد إذا علم أنه لا شاهد غيره لا يلزمه الأداء وظاهر الآية يدل على وجوب البيان على الآحاد.
وكذلك قوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾ وإنه يتناول الآحاد فصار الأمر من كل واحد أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر بنص الكتاب فيجب القبول منه.
ووجه آخر أنا نعلم يقينًا أن النبي ﷺ ما كان يعيش إلا بأكل، وما كان يزرع بنفسه ليعلم طيبة الخارج يقينًا بل كان يأكل مما يهدى إليه أو يشتري أو يدعى إلى طعام على ما يخبره الخبر من غير نزول وحي في كل ذلك حتى أكل الشاة المصلية فلم يسغها فسأل عن شأنها فأخبروه بالقصة فأمر بالتصدق.
ووجه آخر انا نعلم يقينًا أنه كان مبعوثًا إلى الناس كافة، وإنه لم يأت الجميع بنفسه وإنما أرسل إليهم، وكتب وأنه أدى ما حمل من الأمانة فلو لم يكن خبر الواحد حجة أو الكتاب، لما كان ذلك تبليغًا، ولكان تجنب الأمانة وهذا غير جائز.
ووجه آخر أنا نعلم يقينًا أن المخدرات ما كن يحضرنه لتعلم الدين وكن يعلمن من جهة أزواجهن، والقوام عليهن، ولو لم يكن خبرهم حجة للزمهن الخروج إلى النبي ﷺ ولو فعلن لاشتهر ذلك كما اشتهر اجتماع الرجال ولم يخف.
ووجه آخر هو أن البلاد النائية افتتحت على عهده مثل بلاد اليمن والبحرين وما أتاهم رسول الله ﷺ بنفسه بل بعث إليهم من علمهم، وهداهم من الخلفاء على مثال سير الملوك في ولايتهم اليوم فلو لم يكن خبر الواحد حجة لما جاز ذلك وللزمهم الخروج بأجمعهم إلى رسول الله ﷺ، ولو وجد ذلك لكان أمرًا مشهورًا ظاهرًا لا ينكتم على أحد.
ووجه آخر ان الله تعالى جعل الشهادات حجة موجبة حتى لو امتنع القاضي عن العمل بها فسق وهي لا توجب علم اليقين فدل على أن العمل واجب بالحجة أوجبت علم يقين أو ظاهر يحتمل غيره.
فإن قيل: باب الديانات أعظم من باب معاملات الناس في حقوقهم!
قلنا: لزوم القاضي أن يعمل بالشهادة من الدين ويجب حقًا لله تعالى، وفرضًا من فروضه حتى إذا تركه فسق وأثم [برفضه]، ولو لم ير العمل به حقًا كفر، وحق العبد سبب للوجوب حقًا لله تعالى كما تجب الزكاة حقًا لله تعالى بسبب ماله فما بينهما فرق بل هذا فوق ذلك ثبوتًا على ما نذكر بعد هذا، فإنا نشترط العدد في الشهادات دون الأخبار.
[ ١٧٢ ]
على أن خبر الواحد قد يقع في باب الدين وفي غيره كرجل يقول هذا الماء طاهر أو نجس، وهذه هدية فلان بعثها إليك، وأنا وكيل فلان بالتصرف في ماله، والخلاف ثابت في الكل فإن سلموا هذه الوجوه، ولا بد منها لتقوم به مصالحهم إن حقائق الأملاك لا تعرف بأسباب الملك فلعل الذي باعك غاصب، كان الباقي قياسًا عليه.
لأنك متى صدقته، وعملت به اعتقدت الحل.
ومت كذبته اعتقدت الحرمة.
واعتقاد الحل والحرمة دين وليس من حقوق الناس في شيء.
فإن قيل الكلام في الأحكام الشرعية فإنها تثبت إلا من جهة الرسول، ولم يجز نصبها بعده، وكان معصومًا عن الكذب فلم تقع الضرورة إلى معرفتها بما لا يوجب العلم، فأما ما نحن نضطر إليه مما يحدث كل يوم وكل ساعة، ولا يمكننا البناء على اليقين فجائز العمل بما لا يوجب العلم يقينًا دفعًا للضرورة.
قلنا: إن الكلام فيما بلغنا عن رسول الله ﷺ من الأحكام، وحدث لنا من العلم بها وذلك بعد رسول الله ﷺ كحدوث حوائجنا إلى مصالحنا، وطريق اليقين إلى الكل مسدود كما في المعاملات التي تكون منا لأنه لا طريق إليها يقينًا إلا الآيات المحكمة من كتاب الله تعالى وقلما يوجد ذلك، بل أكثرها مؤولة، وعمومات لحقها الخصوص وبقيت غير موجبة يقينًا.
وكيف تكون يقينًا وللناس اختلاف في بعض السراق بعينه أيقطع ام لا؟ وكذلك الزاني، فلا يضلل بعضهم بعضًا، على أن النبي ﷺ كان يقضي بالشاهد وباليمين في عصره وكان يقول: "إنما انا بشر مثلكم وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فكأنما أقطع له قطعة من النار" فأخبر أنه يقضي بالظاهر كسائر البشر.
فتبين ان الله تعالى شرع لنا وعلينا العمل بما يوجب علم اليقين، وما لا يوجب اليقين توسعة ونفيًا للحرج، وغنما يختص باليقين ما يرجع إلى الاعتقاد بلا عمل يلزمنا من معرفة الله تعالى وصفاته وأحكام الآخرة، ومعرفة النبوة، وما هو من أصل الدين الذي بدونه ينهار ركن منه.
ووجه آخر أن الأخبار المروية في الباب أن النبي ﷺ كان يحكم بخبر الواحد وكذلك الصحابة، وظاهر مثل الشمس عمل الصحابة بأخبار الآحاد.
وكذلك السلف وقد أوردها محمد بن الحسن.
[ ١٧٣ ]
وكذلك أصحاب التصانيف ما يضيق كتابنا عن ذكرها ونحن سكتنا عنها اختصارًا واكتفاء بما فعل الناس وتقرر في قلوبهم، ولعلمنا ان خصومنا متعنتون، وانهم منكرون كل ذلك فاشتغلنا بما لا يمكنهم الإنكار من الأمور التي هي على مثال المحسوسات دل عليه ما بينا بإجماع الصحابة، وبنص الكتاب أن القياس حجة وأنه دون خبر الواحد.
فإن قيل: قال محمد بن الحسن ﵀ في كتاب "الاستحسان": إذا تزوج الرجل امرأة فأخبرته امرأة عدل أنها أرضعتهما لم تحرم عليه.
قلنا: لأن هذه الحرمة لا تثبت إلا بزوال ملك الزوج، وخبر الواحد ليس بحجة في حقوق الناس، إزالة وإثباتًا، ولهذا لم تفصل المنازعات الجارية بين العباد في حقوقهم بالإخبار.
لأن أصل المنازعة لا يثبت فيما بينهما لهما إلا بحقهما حتى يكون شهادة أو يمينًا، ففي اليمين زيادة صدق للخبر لا توجبه عدالة المخبر.
وكذلك في لفظ الشهادة ثم قصر العدد على أربع وشاهدين، وواحدة في باب النساء أمر عرف شرعًا لا لعلة معقولة، إذ لو كانت معقولة لما اختلف العدد، ولما اختلفت، وقبلت شهادة القابلة وحدها وكانت حجة، وقبلت شهادة خزيمة وحدها، علم ان زيادة العدد ليست لإفادة أصل العلم بل لحكمة اختص الله تعالى بعلمها فلم نقس عليها سائر الأخبار التي ليست من قبيل تلك المنازعة.
ويحتمل أن يقال: إن المنازعات في حقوق الناس تجري بينهم لهواء أنفسهم فتكون أشد من باب الديانات فغلظ بتخصيص اللفظ الدال على الوكادة من الحلف والشهادة، وكذلك زيادة العدد، والله أعلم.
[ ١٧٤ ]
باب