القلب عند أهل النظر على وجهين، وكذلك العكس فيكون وجوهًا أربعة:
أما القلب فتفسيره لغة: جعل الأعلى أسفل أو البطن ظهرًا، يقال: قلبت الإناء؛ إذا نكسته، وقلبت الجراب: إذا جعلت باطنه ظاهره.
والعرب تقول: قلبت الأمر ظهرًا لبطن، وقلب العلة مأخوذ من هذين المعنيين، وهو نوعان:
أحدهما: جعل المعلول علة من قلب الإناء، وهذا مبطل للتعليل لأن العلة موجبة، والمعلول هو حكمة الواجب به كالفرع من الأصل لم يجز أن تكون العلة حكمًا، والحكم علة فلما احتمل الانقلاب دل على بطلان التعليل.
ومثاله: تعليل مخالفنا لإيجاب الرجم على الكفار بأنهم جنس يجلد بكرهم مئة فيرجم ثيبهم قياسًا على الأحرار من المسلمين، وعكسهم العبيد لما لم يرجم ثيبهم لم يجلد بكرهم مئة، فيقال لهم: إن المعنى في الأصل أنهم جنس رجم ثيبهم فجلد بكرهم مئة.
ولذلك قالوا: إن القراءة لما تكررن فرضًا في الأولين تكررن في الآخرين كالركوع.
فيقال لهم: لا بل لما تكرر الركوع فرضًا في الآخرين تكرر في الأولين، وهذا القلب إنما يتحقق فيما إذا جعل الحكم علة لحكم أن كل واحد منهما كما استقام علة، استقام حكمًا.
فأما إذا جعل الوصف علة، فلا يحتمل القلب لأن الوصف لا يصلح أن يكون حكمًا بوجه.
ثم المخلص عن هذا القلب بأن يجعل أحد الحكمين دليلًا على الآخر لا علة له، وهذا إنما يستقيم إذا ثبت أنهما نظيران شرعًا فيدل ثبوت أيهما كان على الآخر، كتوأمين عتاق أيهما كان من الأصل يدل على عتاق الآخر، ورق أيهما كان من الأصل يدل على رق الآخر.
كقولنا: كل عبادة تلتزم بالنذر التزمت بالشروع لأنهما سببا تحصيل قرب زوائد شرعًا سواء.
[ ٣٣١ ]
والقربة لله تعالى لا تحصل إلا واجب الإمضاء قربة، ولذلك لا يحل الرجوع فيها بعد الأداء.
وكذلك من ولي عليه في ماله ولي عليه في نفسه، ومن يول عليه في ماله لم يول عليه في نفسه لن كل واحد من الولايتين نظير الأخرى ثبوتًا على ما بينا في كتاب النكاح.
ولا كذلك جلد البكر مئة فإنه ليس بنظير للرجم لتعلق الرجم بشروط لا يتعلق بها الجلد فلم يكونا نظيرين وكيف؟ وهما لا يجبان إلا في حالين متضادين.
وكذلك القراءة ليست بنظير الركوع في الأصل المعلل لأن الركوع ركن أصلي والقراءة ركن زائد، ولم تكن ثابتة أصلية، وبعد الزيادة لم تشرع كالركوع فإنها تسقط بالاقتداء وبخوف فوت الركعة وسقط شطرها، وهو السورة في الأخرين، وكذلك الركعتان ليستا مثل الأولين في حق القراءة بالإجماع.
وأما القلب الآخر: بأن تقلب الشهادة على خصمك لك من قلب الجراب، فإنها كانت لخصمك عليك ظاهرًا فانقلبت وصارت لك على خصمك، وكان ظهرها إليك فصار الآن وجهها إليك، وأنه يبطل بحكم معارضة فيها مناقضة لأنه لما شهد لك وعليك بحكم واحد فقد عارض بهذا ذاك، بل نقض كل واحد منهما صاحبه فبطلا أصلًا بخلاف المعارضة بقياس آخر، فإنها تخلو عن المناقضة فلا يبطلان ولكن يمنع الحكم بها للاشتباه.
ومثال ذلك قولهم: إن صوم رمضان فرض فيشترط لصحته نية التعيين قياسًا على صوم القضاء.
فنقول: لما كان صوم فرض لم يشترط له نية التعيين بعد التعين إلا أنه إنما يتعين بعد الشروع، وهذا متعين قبل الشروع.
وقالوا أيضًا: إن مسح الرأس ركن في الوضوء فيسن تثليثه قياسًا على الغسل فنقول: لما كان ركنًا في الوضوء لم يسن تثليثه بعد إكمال الفرض بزيادة يجوز بدونها في محل الفرض قياسًا على الغسل، فإنه متى أكمل فرضه بما ليس بفرض في محل الفرض لم يثلث فإن أكمل الغسل بمحل الفرض بالتثليث وبعده لا تثليث، والمسح قد أكمل بالسنة في محل الفرض بالاستيعاب مرة، وأنت تثلثه بعد ذلك.
فإن قيل: إنكم زدتم على وصف الحكم فلم تستقم المعارضة.
قلنا: إنا بالزيادة فسرنا الحكم الذي فيه النزاع، فإن النزاع في التثليث بعد الاستيعاب دون تثليث قدر المفروض من المسح، وفي رمضان كان الخلاف في فرض عين شرعًا ما معه في وقته غيره لا فرض مطلقًا، وإذا كانت تفسيرًا لم يوجب تغييرًا بل أوجب تقريرًا.
[ ٣٣٢ ]
وأما العكس لغة فتفسيره: رد حكم الشيء عن سننه، من عكس المرأة إذا نظرت إليها، فإنها ترد حكم نظرك عن سنن مقابلتك إليك حتى ترى بارتداد رؤية عينيك عليك وجهك، كان لك عينًا في المرآة.
وعكس الماء نور الشمس حتى يظهر شعاعه لو كان مقابلة الماء جدار كان في الماء شمسًا.
وهو على وجهين في النظر عكس حكم العلة بقلبها، وهو ضد الطرد نحو قولنا: الصوم عبادة تلتزم بالنذر فتلتزم بالشروع طرده الحج.
وعكسه الوضوء لما لم يلتزم بالشروع لم يلتزم بالنذر، فعكست الحكم بقلب الوصف.
وهذا مما يقوي حكم الاستدلال بالحكم لحكم هو نظيره حيث استويا ثبوتًا طردًا وسقوطًا عكسًا.
وأما الآخر فرد الحكم إلى خلافه لا على سننه بل بسنن غير سننه كقولهم: الصوم نفل قربة فلا يمضي في فاسدها فلا يلتزم بالشروع كالوضوء، وعكسه الحج فيعكس فيقال: لما كان بهذا الوصف وجب أن يستوي عمل النذر والشروع فيه قياسًا على الوضوء، فإن الشروع فيه لا يلزم لما لم يلزم نذره وههنا يلزمه النذر، فكذلك الشروع وهذا عكس ضعيف في الاعتراض لأنه قلب في الحقيقة بحكم آخر نصًا.
والقلب بحكم آخر باطل نظرًا لأنه لا مناقضة إذا اختلفا، ولأنه جاء بحكم مجمل لا يتصل بالمسألة إلا بعد البيان وليس ذلك للسائل، ولأن الحكم المفسر أولى من المجمل ولأن الاستواء بين الحكمين في الأصل من حيث سقوطهما، وفي الفرع من حيث ثبوتها، والحكم هو المقصود من إثبات الاستواء المجمل لا عين الاستواء، ومتى فسر الحكم كان على التضاد، والله أعلم.
[ ٣٣٣ ]
باب