قال جمهور العلماء وجميع الصحابة: إن القياس بالرأي على الأصول التي ثبتت أحكامها بالنصوص لتعدية أحكامها إلى الفروع حجة يدان الله تعالى بها، وهي من حجج الشرع لا لنصب الحكم ابتداء.
وقال داود ومن تابعه من أصحاب الظواهر: إن هذا القياس ليس بحجة لهذا الحكم.
وسلم إبراهيم النظام أنه خلاف إجماع السلف وطعن، وروى بعضهم المذهب عن قتادة وابن سيرين ومسروق واحتجوا بكتاب الله تعالى: ﴿أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم﴾ فأخبر الله تعالى أن الكتاب كاف فمن لم يكتف به إلا بالقياس فقد خالف.
وقال: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ والقياس الذي نستنبطه من آرائنا ليس مما أنزل الله تعالى بل ذلك مما ولده رأينا إنما المنزل كتاب الله وسنة رسول ﷺ، فإنه ما كان ينطق عن الهوى وما كان إلا عن وحي.
وقال الله لرسوله ﷺ: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ أي من الوحي ولم يقل لتبين للناس ما يقع في رأيك.
وقال ﴿ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾.
وقال: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء﴾ فأخبر أن الكل بيانه في كتاب الله تعالى إما في نصه أو إشارته أو اقتضائه أو دلالته فإن لم يوجد ذلك فالإبقاء على الأصل الثابت من وجود أو عدم فإن ذلك في كتاب الله تعالى.
قال الله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم﴾ الآية، فالله تعالى أمره بالاحتجاج بعدم نزول التحريم في كتاب الله لبقاء الإباحة لأنها أصل لنا
[ ٢٦٠ ]
بقول الله تعالى: ﴿هو الذي خلف لكم ما في الأرض جميعًا﴾ والإضافة بلام التمليك أبلغ جهتي الإباحة، فتصير على هذا كل الأحكام من رطب ويابس ثابتة بما في الكتاب فيبقى الرأي مستعملًا لتعرف الحكمة التي فيها علم المصلحة عاقبة.
وهي مما لا يوقف عليها بالرأي بالإجماع لأن المصلحة في أداء ما شرع الله تعالى من الأحكام النجاة في الآخرة لا الفوز في الدنيا، وبالآراء لا تدرك مصالح الآخرة وإنما تدرك مصالح العاجلة التي وقف عليها بالحواس والتجارب فتعرف نظائرها بالقياس.
وهذا كما قلتم إن تعليل النص بعلة لا تتعدى باطل لأنه لا يفيد إلا ما أفاده النص من الحكم فتبقى الفائدة في بيان حكم المصلحة فلم يثبت بالرأي.
وقال الله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ ﴿ولا تقولوا على الله إلا الحق﴾ والقياس لا يوجب العلم.
وأما خبر الواحد فأصله كلام النبي ﷺ فإنه يوجب العلم يقينًا، ويكون حجة وإنما دخل الشك والاحتمال في الانتقال إلينا فلا يبطل بالاحتمال، وكان بمنزلة النص المؤول بالرأي من كتاب الله تعالى على بعض ما يقتضيه لسان العرب، وأنه حجة ولا يوجب العلم لأنه في أصله موجب.
والقياس في نفسه محتمل فلا يصير حجة مع الاحتمال، ولا يشكل علينا تعرف جهة الكعبة وبيان قدر مهر المثل وقيمة المستهلك بالرأي لأن معرفة جهات البلدان من مصالح الدنيا، ومما يوقف عليها بالحواس، وكذلك قيمة الشيء تعرف بمعرفة النظائر، وطريق العلم بها حس البصر، وهذا كما أن الله تعالى أخبرنا بإهلاك من مضى بكفرهم وأمرنا بالاعتبار بهم، وذلك يكون بالرأي لأنه قد عرف هلاك مثله بمثل ذنبه بحس العين أو السماع، فكان الاحتراز عن مثل سببه من مصالح الدنيا وحل محل الاحتراز عن تناول ما يتلفه مما وقف على ما تلف مثله بتناوله، ومحل الاحتراز عن سيف يقع عليه لعلمه بقطعه بتجربة وعلمه أن القطع سبب تلفه فلم تكن معرفة الجهة من أحكام الشرع إنما الحكم وجوب التوجه إلى الكعبة بعد تبين الجهة.
فالله تعالى أكرم الآدمي بالرأي المميز ليستدرك به مصالحه العاجلة ليبقى إلى حينه بتدبيره وجعل طريق الاستدراك به الوقوف على نظير ما علمه سببًا لخير أو شر بحواسه، فكان الرأي حجة له في مثلها.
فأما الشريعة فما شرعت إلا لأمور الآخرة، وإن تلك المصالح بنيت على خلاف مصالح العاجلة وكل الدين مبني على خلاف العادة الثابتة لتحري مصلحة عاجلة، فلم يكن الرأي فيها حجة.
ولأنا متى لم نصل إلى تلك المصالح بحواسنا، وهي طريق العلم لنا في الأصل لم
[ ٢٦١ ]
نقف على النظائر بالرأي ولا يلزمنا وجوب التأمل بالرأي في معاني النصوص لأن معانيها لغة من أمور الدنيا، ومما يوقف عليها بحاسة السماع من أهلها ولم تكن من الشريعة في شيء، فإنها كانت قبل الشرع وباقية في الكفار بعد الشرع وإنما أنكرنا استنباط المعنى الذي تعلق به حكم الشرع فإنه من أمور الآخرة فثبوت الحكم على ما يثبت من حظر أو إباحة حق الله تعالى.
وما هو من معاني اللسان في شيء فنحمل الآيات الموجبة للتفكير والاعتبار على هذا القبيل.
والنصوص التي نهت عن العمل بالرأي وألزمت اتباع الوحي على أحكام الشرع.
وعلى هذا تحمل مشورة النبي ﷺ أصحابه فإن الله تعالى أمره بها في تدبير الحرب وشاورهم فيها والوقوف على جهة الغلبة من مصالح الدنيا ما هو بحكم شرعي، وإنما حكم الشرع في كونهم محقين.
وما شاورهم النبي ﷺ عليه في تعرف كونهم محقين بل الوحي إنما خص باب الحرب بالمشورة دون أحكام الشرع، وكذلك الخصوص ظهر من فعل رسول الله ﷺ فإنه روى الشورى في باب الحرب ولم يرو في شيء من الأحكام، علم بانسداد باب الشورى في معرفة الأحكام.
واحتجوا أيضًا بالأخبار منها: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لم يزل أمر بني إسرائيل مستقيمًا حتى كثر فيهم أولاد السبايا، فقاسوا ما لم يكن بما قد كان فضلوا".
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "تعمل هذه الأمة برهة من الدهر بكتاب الله تعالى، وبرهة بالسنة، وبرهة بالرأي فإذا فعلوا ذلك فضلوا وأضلوا".
وعن عمر ﵁ أنه قال: "إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا".
وعن ابن مسعود: "إياكم وأرأيت وأرأيت، فإنما هلك من كان قبلكم في أرأيت وأرأيت، ولا تقيسوا شيئًا بشيء فتزلوا قدم بعد ثبوتها".
وقال ﵇: "من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار" والمقايسة تفسير
[ ٢٦٢ ]
بالرأي لأنه استنباط معنى لا يدل عليه اللسان فيعلق به حكم الله تعالى.
فأما من الوجه الذي يدل عليه اللسان فحسن نحو اختلاف عبد الله بن عباس وزيد ﵄ في زوج وأبوين؟ فقال عبد الله: للأم ثلث المال كاملًا، لأن الله تعالى لم يقل: ثلث ما بقي.
وقال زيد: لها ثلث ما بقي لأن الله جعل للأم ثلث ما يرث الأبوان، وإرث الأبوين في هذه المسألة بعد الزوج.
ووجه آخر أن الله تعالى جعل أحكام الشرع متباينة كمقادير العبادات والعقوبات والكفارات ولم يشرعها نظائر ليبين لنا أن الشرع باب لا مدخل للرأي فيه.
ووجه آخر أن أصل الشرع على ما هو من أحكام الله تعالى في الإيجاب والإسقاط والإحلال والتحريم خالص حق الله وحق الله ما ينبغي إلا بحجة فاصلة موجبة للعلم قطعًا لأن الله تعالى لا يشتبه عليه حق والرأي لا يوصلنا إليه.
ولأن أكثر النصوص التي عللت بعلل مختلفة وحجج الله تعالى لا تثبت مختلفة فإنها نتيجة الاشتباه، والله تعالى علي غني عن ذلك ولا يلزم أخبار الرسول فإنها في الأصل غير مختلفة، وإنما اختلفت الرواية، والحجة هو الخبر لا الرواية.
وهذا كما يشتبه علينا من كتاب الله تعالى ناسخه من منسوخه، وقد يتعرف بالرأي ويعمل به ولا يكون قياسًا.
قالوا: وكان في حجرنا عن القياس أمران بهمل قوام الدين ونجاة المؤمنين، فإنا متى حجرنا عن القياس لزمنا المحافظة على النصوص والتبحر في معاني اللسان.
وفي محافظة النصوص إظهار قالب الشريعة كما شرعت.
وفي التبحر في معاني اللسان إثبات حياة القالب فتموت البدع بظهور القالب.
فعند ظهورها يتبين عنه الذي هو بدعة وفي حياة قالبه سقوط الهوى لأن القالب لا يحيى إلا باستعمال الرأي في معاني النصوص ومعانيها غائرة جمة لم تنزف بالرأي.
وإن فنيت العمار فيها فلا نفضل الرأي للهوى فيتم أمر الدين بموت البدع ويستقيم العمل بسقوط الهوى وفيها الفوز والنجاة للناس، فهذا أعدل طريق لنفاة القياس وسنذكر أقسامهم من بعد إن شاء الله تعالى.
وأما عامة العلماء فإنهم احتجوا بقول الله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ أمر بالاعتبار، وأنه عبارة عن رد الشيء إلى نظيره.
والعبرة أصل يرد إليه النظائر والقياس مثله، فإنه حذو الشيء بنظيره، يقال: قس النعل بالنعل أي أحذه به.
[ ٢٦٣ ]
وقال الله تعالى: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾ وبصر القلب برأيه، والعرب تقول وكانت على الجاهلية: السعيد من وعظ بغيره، ولا إمكان إلا بعد استعمال الرأي والاعتبار بما كان، والانزجار عن مثل سبب من هلك قبله به.
والله تعالى يقول: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ وفيه هلاك حسًا، وإنما الحياة في الاعتبار له بمن قتل، فقتل لينزجر عن القتل ابتداء فلا يقتل جزاء، وهذا ضرب من الرأي واستعمال الرأي لا بد من القول به.
وكل إنسان إذا تأمل في حاله لم يجد لنفسه قوامًا إلا بهذا الضرب من الاعتبار فما سخر الآدمي غيره مما في الأرض إلا بالرأي.
وما تفاوتوا في درجاتهم العاجلة إلا بتفاوتهم في الآراء ومتى ثبت هذا ثبت مثله فيما يختلف فيه فإن الله تعالى كما بين إهلاك قوم بكفرهم وأمر الباقين بالاعتبار بهم لينزجروا عن الكفر فلا يهلكوا فكان اعتبارًا واجب العمل به.
فكذلك إذا بين اسمًا أو صفة فعلق به حكمًا من أحكامه وجب الاعتبار به في أصل آخر ووجب إثبات الحكم فيه متى وجد الوصف فيه، فإنه لا فرق بين حكم هو تحليل أو تحريم تعلق بوصف هو كيل وبين حكم هلاك تعلق بوصف هو كفر.
فإن قيل: نحن نستجيز ذلك إذا ثبت التعلق بالنص كما ثبت تعلق الهلاك بالكفر نصًا، فإن النبي ﷺ قال: "الهرة ليست بنجسة لأنها من الطوافين والطوافات عليكم" ثم الحكم يثبت في الفأرة اعتبارًا بالهرة.
وكذلك روى أن ماعزًا زنا وهو محصن فرجم، ثبت بالزنا في حال الإحصان في غير ذلك الحكم لأنا عرفنا العلة سماعًا وإنما أنكرنا إثبات العلة بالرأي نحو قولكم: إنما صار الفضل من الحنطة بالحنطة ربا لعلة الكيل، والجنس على الخصوص من بين سائر الأوصاف التي يشتمل عليها اسم الحنطة بالحنطة بالنص فإنكم ما أثبتم الوصفين على الخصوص علة إلا بالرأي.
قلنا: إنا ما خصصنا إلا من الطريق الذي وجب تخصيص الزنا لإيجاب الرجم من ماعز وإحصانه، فماعز كان موجودًا قبل الزنا وكذلك إحصانه، ولا رجم فلما زنا ورجم عقيبه، والزنا معصية، والحد عقوبة وقد ظهر أثر المعاصي في إيجاب العقوبات شرعًا وجب الإحالة إليه وجعل قيام الإحصان شرطًا لأنه عبارة عن نعم حميدة من الله تعالى على عبده، ولا أثر لنعم الله تعالى في إيجاب العقوبة فلم تجعل علة بل أثرها في تغليظ
[ ٢٦٤ ]
حكم المعصية، فكانت علة لغلظ حكم الزنا معه فصار موجبًا رجمًا بعدما كان موجبًا جلدًا دونه.
وقد عرف هذا الأثر في التغليظ بالنص بأن توعد الله تعالى نساء رسول الله -ﷺ ورضي عنهن- بالعذاب ضعفين بنعمة القرب من رسول الله ﷺ.
فكذا نحن خصصنا الكيل والجنس من بين سائر الأوصاف بإحالة الحرمة إليهما من هذا الطريق.
وبيان ذلك: أن قوله: "الحنطة بالحنطة" عبارة عن بيعها بجنسها وقوله: "مثلًا بمثل"، تفسير وبيان للشرط الذي يجوز معه، "والفضل ربا" أي حرام، والفضل: مال مستحق بالبيع كسائر الأموال فيلزمنا أن نعرف حرمته من الوجه الذي يحرم أصل المال بسبب البيع لأن كل واحد مال مكتسب بالبيع، وإنما ظهر تحريم بيع المال المكسوب به إذا ملكه بغير مال، كشراء مال بغير عوض أو بعوض ليس بمال كالشراء بالحر فالحرمة للخلو عن المال بسبب أن التملك كان بلفظ البيع فإنه لو ملك بلفظ الهبة يحل نحو أن يقول ملكتك هذا العبد هبة بلا مال.
وكذلك الفضل في غير هذا البيع حلال كشراء عبد بعبدين وثوب بثوبين ولؤلؤة بلؤلؤتين وقفيز بقفيزين حال اختلاف الجنس.
وكيف لا يحل والربح إنما يتحقق بالفضل والبيع، وهو تجارة وهو سبب الاسترباح ولهذا الغرض فتحت الأسواق فوجب إثبات هذه الحرمة بالبيع من الوجه الذي ظهر أثر البيع فيه بالنص والإجماع، وذلك في إثبات حرمة الفضل للخلو عن العوض كما أحيل الحد في قصة ماعز إلى الزنا.
وأيضًا لئلا يكون هذا الحكم مناقضًا لحكم فضول سائر البيوع فإنها تحرم في البيوع كلها إذا أخذت بغير عوض، لأن السبب واحد وهو البيع، والمال واحد وهو فضل ذات لأحدهما على الآخر وإنما اختلف اسم المال ولم نر لاختلاف اسم المال وحده في سائر الأموال أثرًا في تغيير الحكم، ولما وجب إثبات الحرمة بهذا الوصف ولم يثبت الخلو عن العوض مع وجود المقابلة مالًا بمال في أصل البيع إلا بتقييد بشرط المماثلة نحو أن يقول: بعتك هذا المكيال من الحنطة بمثله على أن تسلم إلي مكيالين.
فإنه متى قال هذا صار الزائد على المكيال بلا عوض.
أو يقول: بعتك هذا العبد بهذا العبد على أن تسلم إلي العبد مع عبد آخر أو ثوب فإنه يصير ربا لأنه لم يبق للزائد عوض لما قصر المقابلة بالنص على العبد بالعبد، وشرط المماثلة لم يوجب من المتعاقدين لتجب القسمة كذلك فيخلو الفضل عن العوض فعلم أنه موجود من الشرع كما قال: "الحنطة بالحنطة مثلًا بمثل" أي: حلًا له مقصور على شرط
[ ٢٦٥ ]
المماثلة، وأنه واجب شرعًا للحل والواجب شرعًا فوق الواجب شرطًا منا.
وهذا كما يرد المبيع بالعيب لأن الشرع أوجب له بشرط السلامة عن العيوب لئلا يغبن فوجب كذلك كما لو شرط بنفسه فاشترى عبدًا على أنه كاتب أو تركي فإذا هو ليس كذلك.
وهذه معان وأحكام أثبتناها بتعرف معاني اللغة فقول الرجل: بعتك هذا بهذين إثبات المقابلة بين الجميع لغة.
وإذا قال هذا بمثله على أن تسلم زيادة قصر للمقابلة على البعض دون البعض وإن حرم بغير مقابلة عرف بالنص والإجماع لا بالرأي وإن المماثلة مشروطة للجواز ثابتة نصًا لا بالرأي، فبقي بعد هذا أن شرط المماثلة لأي علة وجبت للجواز في الحنطة بالحنطة فقلنا: وجبت لأن الحنطة بالحنطة مثلان متساويان في المالية قطعًا ويقينًا بذاتيهما لأنهما متى تساويا مالية قطعًا ويقينًا بالذاتين لم تثبت المقابلة بينهما مالًا إلا بثبوت المقابلة ذاتًا لأن المالية معه وقيام المقابلة بين الذاتين يعرف عيانًا لا بالرأي، وهو أن يكون كل واحد بقدر الآخر كالمقابلة بين الحنطتين، وكل شيء له طول وعرض فمتى لم تثبت المقابلة في قدر الذات يثبت الزائد بلا مقابلة ذاتًا فيبقى بلا مقابلة مالًا لما كانت ماليته مع ذاته، فثبت أن الفضل بلا عوض يعرف عيانًا لا بالرأي بعد ثبوت المماثلة بين الذاتين في المالية قطعًا فنحتاج الآن إلى معرفة ثبوت المماثلة بين الحنطتين في المالية قطعًا.
فنقول: أما أصل المماثلة بين الحنطتين بصفة الكيل والجنس بالإجماع، والنص، واستعمال التجار، وذلك لأن التجار لا يعدونها أمثالًا بحباتها ولا حفناتها بل بمكاييلها، وكذلك الشرع فإنه علق الجواز بالمماثلة ولا يجوز بالمماثلة حبة بحبة، ولا حفنة بحفنة بل يجب كيلًا بكيل وكذلك في ضمان الإتلاف لا يجب حفنة بحفنة ويجب كيلًا بكيل، وعليه نص النبي ﷺ: فقال: "الحنطة بالحنطة مثلًا بمثل كيل بكيل" فصار الكيل والجنس علة المماثلة بالنص ووضع التجار والشرع.
وكذالك بالمعقول من معنى اللغة لأن المماثلة لغة: عبارة عن المساواة، ومثل الشيء: نظيره مساويًا له، والمالية تكون بالعين ومعناه.
والمعاني تختلف بالأجناس فباتفاق الجنس تساوى معنى المالية وبالكيل تساوى قدر الذات فإنه ما وضع عرفًا ولا شرعًا إلا لتعريف قدر الحنطة فثبت أنا لم نجعل الكيل والجنس علة لحكمها وهو تماثل الحنطة بالرأي ثم جعلنا ثبوت المماثلة علة لوجوب شرط أن يقابله مثله شرعًا كما لو شرطا شرطًا في حال سقوط عبرة مالية الصفة بأن لا تبقى لها قيمة لأنه ما دام يبقى للوصف قيمة.
[ ٢٦٦ ]
ولا بد من أدنى تفاوت وصف بين الحنطتين لم يجب معرفة مماثلة المال بالمال بين العوضين بمقابلة الذات بالذات لأن قدر المالية ليس معه ليعرف به.
وإنما يصير قدر المالية مع قدر الذات إذا لم يبق للوصف بانفراده قيمة لأنه لا يتوهم بعد اتفاق الجنس تفاوت قدر المالية بغير قدر الذات إلا بتفاوت الوصف.
وإنما أثبتنا هذا الشرط وهو سقوط قيمة مالية الوصف بانفراده في مسألتنا بالنص، وتعرف حكم النص لا بالرأي.
أما النص فقوله ﷺ: "جيدها ورديئها سواء" ولا يتساويان حتى يصير قيام الجودة عدمًا حكمًا.
وأما حكم النص فلأن الشرع حرم الاعتياض في بيع القفيز الجيد بالرديء على الجودة فإنه لو شرط زيادة بإزاء جودة حنطته لم يحل، وفضل وصف المال بأن يحل الاعتياض عليه مع الأصل كأصل المال ألا ترى أنه كيف يحل إذا اختلف الجنس وفي غير مال الربا ثم أصل المال من حيث أنه مال لا أثر له في تحريم الاعتياض ما دام متقومًا، وإنما يؤثر فيه إذا سقطت قيمته، إما شرعًا كالخمر وإما عرفًا كحبة حنطة أو قطرة ماء ونحوهما مما لا يتحول ويهان عادة.
فكذلك الوصف مع الأصل لا يحرم الاعتياض عليه إلا إذا لم يبق له قيمة فلما حرم الاعتياض حال المقابلة بجنسه.
وانفراد الوصف فصلًا في أحدهما علم أنه حرم لأن الشرع أسقط قيمته في هذه الحالة فيكون معلومًا هذا بتعرف أثر علمنا للمال في تحريم الاعتياض عليه بالنص والإجماع لا بالرأي.
ولا يلزم بيع المحرم صيدًا في يده فإنه لا يحل وهو مقتول لأنه حرم بحق أمن ثبت للصيد عن استيلاء الناس بطريق لم يكن ثابتًا حال كونه صيدًا غير محرز لما يحرم بيع الرهن بحق ثابت للمرتهن، وبيع المدبر بحق عتق ثابت للمدبر عندنا وما لفضل الوصف حق أمن عن الاستحقاق بيعًا أو الإتلاف تناولًا.
فثبت أن الحرمة محالة إلى سقوط القيمة في هذه الحالة شرعًا كالخمر وكما سقطت قيمة الجودة من الفلوس الرائجة باصطلاح الناس على تقدير ماليتها بأعيانها ما دامت رائجة.
فثبت أنا لا نخص وصفًا من بين الجملة بكونه علة إلا بأن عرف أثره في ذلك الحكم بعينه أو مثله ولا يعرف الأثر إلا بالنظر فيما سمعنا من النصوص أو عاينا من الأوضاع.
[ ٢٦٧ ]
وكان النظر بالرأي لنعرف الحكم بحده من الحجج الشرعية، بمنزلة النظر في الأسامي اللغوية لنعرف المسمى بوصفه، ما بينهما فرق إلا من حيث أن الأسماء مما تعرف مسمياتها من جهة واضعيها.
والحجج مما تعرف أحكامها من جهة شارعيها.
فالحجج نصوص عربية.
والأحكام كذلك لها أسماء عربية.
وكان النظر لتعرف الوصف المؤثر في الحكم من النص ليمكن استعماله في غير المنصوص عليه بمنزلة تعرف جهة استعارة الأسماء لغير ما وضعه واضع اللغة ليمكننا الاستعمال في غير ذلك، لأنا لا نعرف المؤثر إلا بالعيان أو السماع من صاحب الشريعة على ما مر، كما لا نعرف طريق الاستعارة إلا من العرب فكان البابان واحدًا إلا أن المصير في أحد البابين إلى سماع العرب وفي الآخر إلى سماع صاحب الشريعة فيما نعرفه سماعًا.
وفيما نعرفه عيانًا فهو كاستعمال الرأي في قدر قيم المتلفات بنظائرها التي عرفت نظائر بالعيان وجهة الكعبة التي عرفت أعلامها بالعيان.
وتبين أن قولنا: إن الكيل والجنس علة لصيرورة الحنطة أمثالًا متساوية إثبات بوصفين ظهر أثرهما في المساواة والتماثل شرعًا وحسًا، فوق أثر الزنا في إيجاب الرجم.
وإن قولنا: إن سقوط قيمة مالية وصف الحنطة بانفراده شرط ليبقى قدر المالية في الحنطة مع قدر ذاتها معنى معقول حسًا لأنه ما بقي متقومًا ازداد الجيد الأقل في قدر الذات على الأزيد بذاته بزيادة الجودة، كقولنا: إن الإحصان سبب لتغليظ حكم المعصية، قول عرف ذلك شرعًا بل فوقه لأن المعقول عيانًا وحسًا فوق المعقول سماعًا.
وإنما اشتبه على مخالفينا لقلة تأملهم في الأحكام ليعرفوها بأوصافها وترتيبها بعضها على إثر بعض بعلل مترتبة، حتى وقع عندهم أن الذي ثبت بناء على غيره، ثابت بالعلة التي ثبت الأول فلم يجدوه مؤثرًا بالشرع فيه فأنكروا، وظنوا أنا جعلناه حجة باقتراح الرأي الذي جاء الشرع بذمه وجعله مدرج الضلال. ثم نسبنا بأن فهم أنا ننصب عللًا وحججًا باقتراح الرأي إلى الغفلة عن النصوص لاستغنائنا بالرأي عنها.
ولم يعلم أنا لم نجعل الرأي حجة إلا عند عدم النص والعدم لا يثبت من حيث يصير العبد معذورًا إلا بعد الجد في الطلب من أهلها والمحافظة عليها بعد الطلب.
ثم لم نطلق له القياس إلا بأوصاف مؤثرة ثبت تأثيرها شرعًا، ولم يعرف ذلك إلا بتتبع معاني النصوص، وطرق تعليلات صاحب الشرع بعد المحافظة على النصوص إلا أنا
[ ٢٦٨ ]
بالقياس أحيينا الحجج حتى عمت بالتعليل فأمكن العمل بها في غير ما تناوله النص لغة كما أحيا هو.
ونحن معه حقائق النصوص بالوقوف على طريق المجاز والاستعارات فأمكننا العمل بها في غير ما وضعها واضع اللغة في الأصل ولم يكن ذلك اقتراحًا على اللسان ولا وضعًا من عند نفسه وكذلك هذا.
بل نفاة القياس لما حجروا عنه ألزموا العمل بلا دليل فيما عدا النصوص ولا دليل حكمه الجهل.
والعمل بالجهل هو طريق البدعة وعمل بالهوى على ما نذكره في بابه وأنه حرام في أصله إلا عند الضرورة كالميتة حرام إلا عند الضرورة، والضرورات لا تقع على ما بنى الله الأمر عليه إلا نادرًا.
وأكثر المسائل الشرعية مما صنفها الناس مما لا نص فيها.
ولا يجعل مما يعمل فيها بالضرورة بل دلت على غير حال الضرورة وأن العمل حرام بأحكامها إلا بحجة شرعية وما هو إلا بالقياس الذي قلناه، إلا أنه غير موجب للعلم كخبر الواحد والآية المؤولة لأنا عرفنا حد صحته بغالب الرأي، وإن كان أصله سماعًا فكذا هذا وأنه مما أنزله الله تعالى في كتابه ودخل تحت قوله: ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ لا أنه حجة صير إليه لضرورة عدم الأدلة وهذا ليكون العمل بالدليل والعلم أبدًا إلا في أحوال نادرة فيكون من جملة ما يباح بالضرورة.
وثبت أن القرآن تبيان لكل شيء وكاف بنصه، ودليل نصه ومقتضاه وإشارته والاعتبار به قياسًا ثم باستصحاب الحال حال عدم الأدلة كلها وهي: حال ضرورة وجوب العمل مع عدم الأدلة.
وثبت أن الذم عن الرأي راجع إلى نصب العلة باقتراح الرأي أو العمل به في المنصوصات بخلاف النص.
وهذا كما ذم من فسر القرآن برأيه، ويجوز تفسيره بالرأي تخريجًا على أصول اللغة والشرع، وإنما يحرم على سبيل الاقتراح من عند نفسه ثم سقوطه بخبر الواحد لا يدل على أنه ليس بحجة كالآية المؤولة تسقط بالمحكم والخبر يسقط بالآية.
ووجه آخر أن النبي ﷺ كما علمنا الأحكام علمنا القياس فقال لعمر وقد سأله عمر عن القبلة وهو صائم: "أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكان يضرك؟ " فقال: لا، قال: "ففيما إذً" أي أن القبلة مبدأ الجماع كالمضمضة مبدأ الشرب ثم الفطر لم يتعلق
[ ٢٦٩ ]
بمبدأ الشرب حتى يقضي به شهوة البطن، فكذلك هذا لا يضر ما لم يقض به شهوة الفرج.
وقال للمرأة التي سألته عن الحج عن أبيها: "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أما كان يجزيك؟ " فقالت: بلي، قال: "فدين الله أحق" يعني لما سقط دين العبد الذي يحتمل النيابة في القضاء بأمر من عليه، فكذلك بغير أمره احتمل فدين الله أولى بأن يجوز بغير أمر من عليه، كما يجوز بأمره لأن الواجبين قد استويا من حيث احتمال النيابة مع الأمر.
وإنما اختلف المستحق والقبول من غير من عليه ضرب من المساهلة والله تعالى أولى بالمساهلة.
وعلل رسول الله ﷺ بنفسه، فقال للمستحاضة: "إنه دم عرق انفجر توضئي لكل صلاة"، فعلل لإيجاب الوضوء بسيلان دم العرق لأنه متى سال أوجب حكمه من النجاسة حتى يجب غسله عن محله فاستقام إحالة وجوب الطهارة إلى ما ظهر أثره في التنجيس.
وقال: "الهرة ليست بنجسة لأنها من الطوافين والطوافات عليكم" فأسقط نجاستها بصفة مؤثرة في السقوط وهو ضرورة الطواف علينا وتعذر الاحتراز عنها فللضرورات تأثير في الإباحات.
ووجه آخر أن النبي ﷺ كما بين لنا الأحكام المشروعة، بين لنا أن العمل بالرأي مشروع كما هو بالنص فإنه قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "بما تقضي؟ " قال: بكتاب الله تعالى، فقال: "فإن لم تجد؟ " قال: بسنة رسول الله، قال: "فإن لم تجد؟ " قال: أجتهد فيه رأي، فقال ﷺ: "الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضى به رسوله".
ووجه آخر أن الصحابة أجمعوا على صحة القياس، وإجماعهم حجة كآية من كتاب الله تعالى على ما مر والدليل على ذلك أنهم اختلفوا في مسألة الجد اختلافًا ظاهرًا، ولم يحتج أحد بالنص وإنما مثلوا أمثلة بالرأي بالوادي يتشعب منه أنهار والشجر يتفرع منها فروع، واختلفوا في مسألة العول بالرأي؟
وكان عمر ﵁ يكتب إلى العمال: عليكم بكتاب الله تعالى وسنة رسول الله ﷺ، ثم بالأمثال والأشباه. وقال لشريح: اقض بكتاب الله، ثم بسنة رسول الله ﷺ، ثم برأيك.
وسئل ابن مسعود ﵁ عمن تزوج امرأة ولم يسم لها مهرًا ثم مات عنها
[ ٢٧٠ ]
قبل الدخول بها؟ فلم يجب شهرًا، ثم قال: أجتهد فيها رأيي فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمن ابن أم عبد، أرى لها مهرًا مثل نسائها، لا وكس، ولا شطط. وخالفه علي بالرأي، ولو كان عنده خبر لرد عليه.
وقال عبد الله بن مسعود في دم بين اثنين عفا أحدهما: أرى هذا إحياء بعض النفس، وقال عمر ﵁: وأنا أرى ذلك.
وأجمع عمر وعلي ﵄ على فساد بيه أمهات الأولاد بالرأي ثم رجع علي وأفتى بالجواز، وعقد مجالس الشورى مشهور من عمر ليعرف أحكام الحوادث، وكذلك من غيره، ولم يرو عن أحد خلاف ذلك.
والنهي عنه محمول على ما حملنا عليه نهي رسول الله ﷺ أو عن "أرأيت" على سبيل التعنت، أو ترك الاكتفاء بالمشروع مع الغنية عن الزيادة كما قال الله تعالى: ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ وقال النبي ﷺ: "اتركوني على ما تركتكم عليه فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم" أو المراد به النهي عن المقايسة بالصور دون الاستدلال بالمعاني كما ظهر اليوم من أصحاب الطرد ألا ترى أن النهي يروى عن عمر وعن عبد الله بن مسعود ﵄ والقول بالرأي منهما أظهر من الشمس.
ووجه آخر: أن الله تعالى سمى هذا الدين نورًا، وشرحًا للصدور فقال: ﴿أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه﴾ وفي إلزام العمل بالنص على حجر عن التأمل في العلل المعقولة بالرأي ضرب حرج، وهذا مما يعرفه كل عاقل من نفسه إذا تأمل في حاله.
ولأن القلب يبصر بالغائب كالغيب بالحاضر، ومعقول القلب بالرأي كمرئي العين بالبصر، وإنا نرى ضال الطريق حرجًا صدره وينشرح بعض الانشراح بقول الهادي إذا عرفه صادقًا، ويتم الانشراح ببصره بعينه الطريق العادل وإعلامه، فكذلك القلب إذا عقل الحكم برأيه انشرح الصدر به غاية، وإذا قلد الحاكي بقي معه بعض الحرج وإن اعتقد صدقه ولا اختلاف أن الدين يشرح الصدور بأتم ما يكون من النور.
فإن قيل: كيف يستقيم هذا والشرع ما جاء إلا بخلاف معتاد الصدور مما عقلته من الأمور؟.
قلنا: نعم جاء هذا بخلاف معتاد المعقول بهوى النفس وإشارته لكن بمعقول خير منه ما كان القلب يعقله بدون الشرع وعباراته، فكان خلاف المعتاد قبل البيان ووفاقًا بعد
[ ٢٧١ ]
البرهان ليصير الشرعي بعد التأمل طبيعيًا فيعتقده العبد على طمأنينة قلب، وانشراح صدر فكان في وجوب الإسلام لقالب الشريعة حسن الطاعة والانقياد لله تعالى وفي المصير إلى القياس والمعاني المعقولة طمأنينة القلوب بالوقوف على الحجج من الطريق الذي هو معتادها في مصالح الدنيا، والإسلام لله تعالى حق، وطلب ما تطمئن إليه القلوب حسن، قال إبراهيم صلوات الله عليه: ﴿بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾.
فأما الجواب عن الأول فإن الكتاب كاف وهذا القياس منزل في كتاب الله تعالى دلالة، وإن لم يكن نصًا على ما بينا أنه نظير الاعتبار الذي ثبت نصًا بكتاب الله تعالى، وكان الحكم به حكمًا بما أنزل الله تعالى فإن الله تعالى أمرنا به، ولأنا نعرف بالرأي ما أثر في الحكم شرعًا لا أن نجعله مؤثرًا بالرأي.
وأما قوله: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ فقد بين رسول الله ﷺ المقايسة فعلم أنها مما أنزلت إلى الناس.
وأما قوله: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ فحجة لنا لأنه نهي عن قفو ما ليس لك به علم، وأنه يقتضي كل علم لأنه نكرة في النفي، والقياس يوجب ضرب علم من الطريق الذي يوجبه خبر الواحد وإنما لا يوجب العلم من كل وجه، وهذا كما لا يقبل العاقل على ما أمر بقصده من مصالحه بغير علم ويقبل عليه بغالب رأيه وإن لم يعلم يقينًا ويعد ذلك إقبالًا بعلم.
فثبت أن العلم ضربان: علم يقين، وعلم غالب الرأي.
والعمل بكل واحد منهما جائز للدين والدنيا ألا ترى أنهم جوزوا العمل باستصحاب الحال وأنه دون القياس.
وأما قوله: ﴿ولا تقولوا على الله إلا الحق﴾ فكذا نقول والقول بالقياس حق من الوجه الذي قلناه، ولأن الحق نوعان كالعلم:
أحق ما هو حق من كل وجه ظاهرًا أو باطنًا.
ب وحق عند العبد وليس بحق عند الله تعالى. والمراد به ما عند الله تعالى فيما يرجع إلى الله وصفاته، فأما فيما تعبدنا من أحكامه التي يجوز القياس بها فالمراد به الحق عندنا على ما يأتيك شرحه في باب الاجتهاد، ألا يرى أنه يعمل بخبر الواحد واستصحاب الحال.
وأما الجواب عن استدلالهم بالأخبار فما ذكرنا أن النهي منصرف إلى العمل برأي الهوى عن أن النبي ﷺ مدح العالمين بكتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ، والقياس من كتاب الله وسنة رسوله فإنه قاس وأمر به وعلمه، وأما الجواب عن استدلالهم باختلاف الأحكام: فإن منها ما لا يعقل، ومنها ما يعقل، ونحن لا نستجيز القياس إلا لما يعقل،
[ ٢٧٢ ]
وهذا ليتحقق الإسلام لأمر الله تعالى بما لا يعقل، ويتم شرح الصدور بتعليل ما يعقل.
وأما قولهم إن حجج الله موجبة قطعًا؟ فكذلك في إظهار الحق عند الله تعالى فأما حق يلزمنا العمل به فلا كذلك على ما مر، ألا يرى أنا نجعل خبر الواحد حجة ولم يظهر الحق يقينًا إلا على الوجه الذي بلغنا عنه فإنه صار حجة علينا برواية الراوي، وأنها لا توجب إلا غالب الرأي ولا فرق بين الخبر والعلة فإن الخبر أصله حق موجب للعلم بلا تعارض وبلغتنا الأخبار بالرواية متعارضة غير موجبة للعلم قطعًا.
وكذلك الوصف الذي هو علة هو واحد عند الله تعالى موجب للعلم قطعًا، ويبلغنا بآرائنا متعارضة.
فالتعليل منا كالرواية.
والوصف كالخبر.
وكما احتملت الرواية الغلط ولم يجب العمل بها قطعًا احتمل تعليل المعلل الغلط فلا فرق بين الأمرين.
وإنما جعلنا ما ليس بيقين حجة في حقنا كما جعل في مصالح الدنيا ليكون التكليف بقدر الوسع أو بما لا يخرج فيه من لزومنا إصابة ما عند الله في كل الأمور أليس قد جوز التمسك بالأصل الثابت حال عدم الأدلة عندنا، وإن احتمل قيام الليل على زواله إلا أنه لم يبلغنا بعد فثبت أن ترك القول بالقياس خروج على العقل والشرع وعلى الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.
ثم من نفاة القياس من طعن على الصحابة، وأنه منكر من القول وزور، فغن الله تعالى أثنى عليهم، وكذلك رسول الله ﷺ فقال: "خير الناس رهطي الذين أنا فيهم" والآيات كثيرة في إبانة فضل الصحابة وسبقهم بحيث لا خفاء لها، ولأنا متى اتهمناهم لن تثبت شريعة لأنها لم تبلغنا إلا من قبلهم.
ومنهم من أول فزعم أنهم كانوا مخصوصين بأن جعلت آراؤهم حجة، كما كان رسول الله ﷺ مخصوصًا بكرامة أن جعل قوله حجة؟.
قالوا: والدليل عليه أنا لا نجيز من أحد بعدهم استعمال الرأي بخلاف النص وهم كانوا يستعملونه وكانت آراؤهم حجة بخلاف النص كرامة لهم على الخصوص فإن السنة كانت للمسبوق بشيء من صلاته أن يصلي ما فاته ثم يتابع الإمام فيما بقي حتى دخل معاذ المسجد وقد سبق بشيء من الصلاة فتابع رسول الله ﷺ ثم قام إلى القضاء فسأله رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: يا رسول الله كرهت أن أصادفك على شيء فأخالفك فيه،
[ ٢٧٣ ]
فقال رسول الله ﷺ: "سن لكم معاذ سنة حسنة فاستنوا بها" فهذا معاذ ترك السنة برأي نفسه وحمد عليه.
وروي أن النبي ﷺ كان خرج لصلح بين الأنصار، فصلى أبو بكر بالناس فقدم رسول الله، وأبو بكر في الصلاة فصفق الناس وأبو بكر لا يلتفت فلما أكثروا التفت فرأى رسول الله ﷺ فأشار رسول الله ﷺ أن امكث مكانك فرفع أبو بكر يده وحمد الله ثم استأخر فكان التأخر بالرأي على خلاف الأمر والرفع والحمد بالرأي بخلاف النهي.
وكذلك الإمامة كانت بالرأي وكانت السنة في الإمامة لرسول الله ﷺ.
وروي أن النبي ﷺ أمر عليًا ﵁ بكتاب الصلح عام الحديبية فكتب: هذا ما عهد رسول الله وسهيل بن عمر، فقال سهيل: لو علمنا انك رسول الله ما كذبناك، فقال رسول الله ﷺ لعلي: امح رسول الله، فقال علي: ما أنا بماح. فمحى رسول الله ﷺ بيده، فخالف علي رسول الله ﷺ برأيه، ولم يكن خطأ.
وأراد رسول الله ﷺ الصلاة على المنافق فجر عمر ﵁ رداء رسول الله ﷺ يمنعه من الصلاة، وإنما فعل برأيه بخلاف فعل رسول الله ﷺ فنزلت الآية على موافقة رأيه.
وكذلك حد شرب الخمر ثبت باجتهادهم وإنه باب لا يعرف بالاجتهاد، وهذا القول قريب من الأول لأن شرف الأمة بقدر طاعة رسول الله ﷺ فيلزمنا بقولنا: إنهم خير القرون، أنهم كانوا أطوع لرسول الله ﷺ منا.
ومن قال غير هذا كان منكرًا من القول وزورًا، ولم يكن إثبات كرامة لهم، بل كان طعنًا فيهم أشد طعن بلا شك.
فكيف يقال غير هذا وهم كانوا قدوة الأمة بالكتاب والسنة المشهورة فلو جاز لهم الخلاف بالرأي لجاز لنا، بل كان الواجب إذا أجمعنا أنهم خير الأمة أنهم كانوا أشد طاعة لرسول الله ﷺ منا، ولزمنا طلب تأويلات ما تصور خلافًا ظاهرًا حتى يصير طاعة وتعظيمًا باطنًا.
ووجه ذلك من طريق الفقه أن يكون الأمر محتملًا جهة الرخصة أو الإكرام على وجه يجوز ولا يجب، ومحتملًا جهة العزيمة فكان الترك من الصحابي على تأويل جائز الترك به كان تبين له ذلك الوجه بدلالة حال أو بغيرها من الدلالات، نحو صنيع معاذ في متابعة رسول الله ﷺ مسبوقًا في صلاته لأن النصوص باتباع الرسول ﷺ كانت نازلة قطعًا فحمل معاذ ما أمر به من فعل ما سبق به أولًا على الرخصة فإنها أيسر والاتباع عزيمة فكانت سنة حسنة.
[ ٢٧٤ ]
وكذلك أبو بكر صلى بالناس ولم يكن نهي عنها لأنه رأى تقديم حق الله تعالى في إقامة الصلاة لوقتها أولى من الانتظار لرسول الله ﷺ ثم تأخر وقد أمر بالتقدم لأن الحالة دلته على أنه أمر توقير وإكرام لا أمر إلزام فرأى توقير رسول الله ﷺ أوجب فتأخر.
وكذلك علي أمر بمحو اسم رسول الله ﷺ ولكن علم أنه لم يؤمر به لغلطه فيما كتب بل تيسيرًا لأمر الصلح فرأى الكف وإظهار الصلابة للكفار عزيمة، وما أمره رسول الله ﷺ رخصة.
ولأن الصلح لا يجوز مع الكفرة إلا لنفع عائد إلى الإسلام والأعود أن يكون صاحب الأمر على سبيل الإحسان إليهم والفضل عن شدة في قومه لا عن ضعف في قومه، وذلك المعنى فيما أبداه علي ﵁ وفعله رسول الله ﷺ.
وكذلك عمر ﵁ رأى ترك الصلاة على المنافق وإظهار العداوة هزيمة والصلاة وإظهار حسن المعاشرة على قصد تأليف القلب رخصة.
وأما حد السكر فإنما أجمعوا عليه استدلالًا بحد القذف، فإن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: يا أمير المؤمنين إنه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وإذا افترى لزمه حد الفرية، وحد الفرية ثمانون. فأخذوا بقوله، على أن الإجماع ليس من قبيل القول بالاجتهاد بل يحل الرأي محل النص إذا تأيد بالإجماع، والله أعلم.
وجواب آخر عن كل ما يتصور خلافًا للأمر من حيث أنه لا يوجد له تأويل نحو صنيع موسى صلوات الله عليه حين أخذ بلحية أخيه ورأسه يجره إليه على ما قال الله تعالى: ﴿وأخذ برأس أخيه يجره إليه﴾ وهذا استخفاف ظاهر، وإنه حرام بالمؤمن لا ريب وبالنبي كفر أن موسى أخذ منه نفسه بفرط الحمية لدين الله تعالى، وشدة الغضب في الله تعالى فسقط عنه خطاب الكف عما لا يحل كما سقط بالنوم والإغماء فوقع الفعل هدرًا والحمية محمودة.
وهذا كما أن رسول الله ﷺ يؤخذ منه نفسه حال ما يوحى إليه حتى كان لا يدرك شيئًا إلا الوحي وكان يتراءى للناظر إليه مغشيًا عليه، وكان لا يسرى عنه إلا بعد إبلاغ الوحي إليه فكان يسقط الخطاب عنه وراء حفظ الوحي في تلك الساعة.
وعلى هذا يجوز تأويل صنيع عمر ﵁ في جر رداء رسول الله ﷺ أنه فعله في سكر حمية الدين.
وكذلك علي ﵁.
وكذلك أبو بكر ﵁ كأنه سكر في تعظيم رسول الله ﷺ إياه فغفل عن حد الائتمار فكان معذورًا، وكذلك معاذ أخذته شدة حالة في تعظيم رسول الله ﷺ في اتباعه فغفل عن الأمر الأول كما يغفل الإنسان بالنوم والنسيان فيكون معذورًا ثم نزل
[ ٢٧٥ ]
الوحي على موافقة صنيعه لما كان سببه أمرًا محمودًا شرعًا، كما نزل الوحي على موافقة صنيع عمر: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا﴾ ولو تصور لأحد بعدهم مثل هذه الحالة فخالف الأمر فيه عذر، والله أعلم.
[ ٢٧٦ ]
باب