الممانعات على هذا الطريق أربعة:
ممانعة في نفس الوصف.
والأخرى: في صلاحه للحكم.
والثالثة: في الحكم.
والرابعة: بالحكم مضافا إلى الوصف لأنهم يشترطون الصلاح، وتعلق الحكم بالعلة وجوبا.
أما الوصف: فنحو قولهم في كفارة الإفطار: أنها عقوبة متعلقة بالجماع فلا يشاركه غير الجماع كالحد.
لأنا نقول: أنها غير متعلقة بالجماع بل متعلقة بالإفطار، لكن إذا كمل تعديا.
وكقولهم، لمسح الرأس: أنه طهارة مسح فيثلث كالاستنجاء.
لأنا نقول: في الأصل هي طهارة عن النجاسة الحقيقية لا طهارة مسح فيضطر إلى بيان أن الكفارة غير متعلقة بالإفطار الذي هو حرف المسألة فإنها تجب بالفطر عندنا، والفطر سواء بالأكل والشرب والجماع، ويضطر في الأخرى إلى الرجوع عن صفة المسح الدال على التخفيف إلى صفة أخرى يرده بها إلى الغسل الذي هو حرف المسألة في التسوية بين المسح والغسل فيما هو سنة أو التفرقة بينهما فيما يوجب خفة في المسح.
وكقولهم: بيع تفاحة بتفاحة حرام لأنه باع مطعوما بجنسه مجازفة فأشبه بيع صبرة حنطة بصبرة حنطة.
لأنا نقول: ما تعنون بقولكم: مجازفة، أتريدون مجازفة ذات أم وصف؟ فلابد من القول بمجازفة الذات.
ثم نقول: أتعنون بمجازفة ذات من حيث صورته التي بها عرفت تفاحة؟ أم من حيث المعيار الذي وضع لبيان القدر منه؟
فلابد من القول بمجازفة من حيث المعيار، فإن بيع الحنطة بالحنطة كيلا بكيل حلال، وإن كان ذات أحدهما من حيث الصورة عددا أكثر، ولأن الجوار يتعلق بالمساواة كيلا، وبها يقع الخلص عن فضل كان ربا ولا يزول بالمساواة كيلا إلا فضل من حيث
[ ٣٥٦ ]
الكيل، فثبت أن الحرمة متعلقة بالمجازفة كيلا لا بمجازفة مطلقة.
وإذا فسروا بالمجازفة كيلا لم يجدوها في التفاحة لأن المجازفة كيلا فيما لا كيل له محال، فيضطرون إلى الرجوع إلى قولهم: إن الطعم علة تحريم البيع في الجنس إلا بزيادة شرط وهو المساواة كيلا وهو حرف المسألة فإن الحرمة عندنا متعلقة بالفضل كيلا، وقد حرم الفضل كيلا بصفة الكيل والجنس على ما بينا في موضعه.
ومن ذلك قولهم، للثيب الصغيرة: أنها ثيب يرجى مشورتها فلا تزوج كرها قياسا على البالغة.
لأنا نقول: يرجى مشاورتها برأي قائم، أو برأي مستحدث، أم بأيهما كان.
إن قلت: بأيهما كان فبطل بالمجنونة فإن حدوث رأيها غير مأيوس عنه.
وإن قال برأي قائم لم نجده في الفرع، وتبين حرف المسألة، وهو أن القاطع لولاية الغير رأي قائم لا رأي سيحدث، فإن ما سيحدث من علة أو مانع لا يوجب حكما قبل الحدوث، والرأي هو القاطع فلم يجز أن يتعجل القطع على الرأي ولأن رأيا سيحدث لو قطع الولاية لما ثبتت الولاية على صبي ولا صبية، ولما لم يلتفت للحال إلى طلبها ورضاها وردها علم أن الرأي ساقط العبرة شرعا دون رأي الولي فلم يجز أن يبطل به حكم رأي الولي، ورأيها ساقط العبرة دون رأيه، وعلى هذا الوجه يتبين عوار من دخل في الأمر على حسن الظن بلا رؤية تميز له الصواب من الخطأ.
وأما الحكم: فنحو قولهم: إن المسح ركن في الوضوء فيسن تثليثه قياسا على الغسل، لأنا لا نسلم أن سنة الغسل في التثليث بل في الإكمال كما يكمل القراءة والقيام، والإكمال صفة الأصل فلا تثبت إلا بما هو جنس الأصل، والأصل لم يتصور إلا في محل مخصوص، فكذلك الإكمال كإكمال القراءة لا يكون إلا بالقرآن الذي يتأدى به أصل الفرض في القيام.
ولما استوعب الفرض كل محل لم يمكن إكمال فعل الغسل في ذلك المحل إلا بالتكرار، فكان التكرار لضرورة ضيق المحل لا لكونه ركنا، وقد أمكن الإكمال في المسح بغير تكرار فلم يجب فيضطر إلى الرجوع إلى حرف المسألة، فإنا أسقطنا التثليث لأن المرة المستوعبة من المسح كالغسل بالتثليث.
ولا يلزم على ما قلنا إكمال مسح الرأس بمسح الأذنين، ولا يتأدى الفرض بهما لأن الأذنين صارا من الرأس بالسنة إكمالا للرأس الذي هو محل ثم المسح شرع في المحل لأن المسح بهما شرع إكمالا بنفسه لمسح الرأس.
وكقولهم: إن صوم رمضان صوم فرض، فوجب أن يشترط لصحته نية تعيين الفرض قياسا على القضاء.
[ ٣٥٧ ]
لأنا نقول: أيشترط تعيين النية قبل تعينه، أم بعد تعينه أم مطلقا في الحالين جميعا؟ فلابد من أن يقول: قبل تعينه فلا يجد في صوم رمضان لأنه متعين، ويضطر إلى الرجوع إلى حرف المسألة فإنا أسقطنا نية التعيين لتعينه.
وكقولهم في بيع تفاحة بتفاحة: أنه باع مطعوما بجنسه مجازفة فوجب أن يرحم قياسا على الصبرة بالصبرة.
لأنا نقول: أتعنون حرمة مطلقة أم حرمة تزول في هذا المحل بالمساواة كيلا؟ فإن قالوا: حرمة مطلقة، لم نسلم لهم لأن الحرمة في الأصل تزول بالمساواة كيلا، وإن قالوا: حرمة تزول بالمساواة لم يجدوا في الفرع إذ ما للتفاحة بالتفاحة حال مساواة يجوز البيع معها عند الخصم، فتبين به حرف المسألة فإن الحكم عندنا حرمة نزول بالمساواة، لا حرمة مطلقة فلا يثبت إلا في محل قابل لمفاضلة محرمة، ومساواة مبيحة في نفسه.
وكقولهم للثيب الصغيرة: إنها ثيب يرجى مشورتها فلا تزوج كرها.
لأنا نقول: ما تعنون بقولكم: كرها فلابد أن تقولوا بدون رأيها إذ ليس ههنا إكراه تخويف، فنقول: بدون رأيها، ولها رأي معتبر شرعا أو غير معتبر، فلابد من قولهم معتبر لأن ما لا يعتبر شرعا لغو اعتباره، ومتى قالوا: معتبر لم يجدوه في الفرع وتبين به حرف المسألة.
وكذلك إذا قالوا: إن الحيوان يثبت دينا في الذمة مهرا فيثبت سلما قياسا على المكيل.
قلنا: أيثبت دينا مهرا معلوما بالوصف أم بالقيمة؟
فإن قالوا: بالوصف، لم نسلم لهم بالمهر.
وإن قالوا: بالقيمة، لم يجدوه في الفرع.
وإن قالوا: بنا غنية عن هذا التفسير.
قلنا لهم: لا غنية لكم لأنكم جعلتم أحد الدينين نظيرا للآخر، وإنما يكونا نظيرين إذا كان طريق ثبوتهما واحدا، وإنهما مختلفان عندنا فالسلم لا يثبت إلا معلوما بوصفه، والحيوان لا يصير معلوم المالية بالوصف، وأما المهر فيثبت بالتسمية مطلقا، وكينونته معلوم المالية بالوصف ليس بشرط لدليل، قام لنا فيه فيظهر حرف المسألة.
وكذلك إذا قالوا: إن الطعام بالطعام جمعهما علة ربا الفضل فيشترط القبض في المجلس كالثمن بالثمن.
قلنا لهم: إن القبض عينه ليس بشرط فيما هو ثمن، إنما الشرط هو التعيين حتى لا يكون دينا بدين لأن الأثمان لا تتعين، وإن عنيت إلا بالقبض، والطعام مما يتعين فيظهر به
[ ٣٥٨ ]
حرف المسألة، وهو أن القبض في الصرف أمشروط لدفع الدينية أو لزيادة صيانة؟
وكذلك إذا قالوا: إذا اشترى إياه ناويا عن الكفارة لا تجوز لأن العتيق أب فأشبه الإرث.
لأنا نقول: ما حكم علتكم؟
فإن قلتم: وجب أن لا يجوز عتقه نسلم لكم.
وإن قلتم: وجب أن لا يجوز إعتاقه فغير موجود في الإرث، فيظهر به حرف المسألة وهو أن الشراء إعتاق أم لا.
وكذلك إذا قالوا: إن التفكير بإطعام الإباحة لا يجوز لأنه ضرب تكفير يقبل التمليك فلا يجوز بدونه قياسا على الكسوة.
لأنا نقول: فلا يجوز بدون التمليك مع الائتمار بما أمر أو قبل الائتمار به.
فإن قال: أنا مستغن عنه لم ينفعه لأن سقوط الفرائض كلها متعلق بالائتمار بما أمر فلابد أن يقول بدون الائتمار فلا نسلم له، لأنه إذا أطعم طعام الإباحة فقد ائتمر بالأمر فيرجع إلى حرف المسألة، وهو أن تفسير الإطعام هو التغذية والتعشية أم التمليك.
وأما الحكم مضافا إلى الوصف فما مر من القول بموجب العلة، فإن الأحكام في العل الطردية مما لم تقم الدلالة على وجوبها بتلك الأوصاف وإن وجدت معها، وجملة العلل التي ركبت من نفي تبطل بهذا الاعتراض كقولهم لا يعتق الأخ على الأخ لأنه لا بعضية بينهما كابن العم فإنا نقول: عدم عتاق ابن العم ليس لعدم البعضية، فإن العدم لا يوجب حكما على ما مر بيانه.
وكذلك قولهم: الوكالة لا تثبت بشهادة النساء مع الرجال لأنها ليست بمال كالحد، لأنا لا نرد شهادة النساء في الحد لعدم المالية.
وكذلك قولهم: لا إحصار بالمرض لأنه لا يفارق الحال بالإحلال، والمبتوتة لا يلحقها الطلاق لأنها ليست بمنكوحة، والله أعلم.
[ ٣٥٩ ]
باب