قالت الحشوية من جملة هذا القياس: كل وصف وجد الحكم معه حجة يجب العمل به إلا بمانع.
وقال بعضهم: لا يجب العمل به، ولا يصير حجة إلا بدوران الحكم معه وجودًا وعدمًا، والنص قائم في الحالين ولا حكم له.
وقال بعضهم: بدوران الحكم معه وجودًا وعدمًا لا غير وشرط قيام النص، ولا حكم له شرط مفسد للقياس.
وقال جمهور العلماء: عدم الحكم عند عدم العلة لا يدل على الصحة، والوجود عند العدم لا يدل على الفساد ولا يجب العمل بهذا الدليل، ولكن بدليل يدل على صلاحه علة ثم عدالته، وعدم ما يرفعه.
ثم اختلفوا في تفسير الصلاح؟
قال بعض مشايخ الشافعي ﵀: تفسير الصلاح أن يكون مخيلًا.
وقال بعضهم: أن يكون ملائمًا غير ناب، وتفسير الملائمة: أن يكون على موافقة ما جاء به الشرع من المقاييس المنقولة عن السلف وعن الرسول ﷺ.
ثم العدالة بالعرض على الأصول، فإن لم يرده أصل ناقض صار معدلًا ثم يوقف عن العمل به احتياطًا، ويعرض على الأصول فإن لم يرده أصل معارضًا عمل به حينئذ.
وقال بعضهم: العرض على الأصول احتياط، والعمل به صحيح قبل العرض، والنقض جرح والمعارضة دفع.
وقال علماؤنا: ما لم يقم الدليل على أن الوصف الملائم لا يقبل التعليل به، ولا يلتفت إليه، وإذا صار ملائمًا بدليل لم يعمل به إلا العدالة، وذلك بكونه مؤثرًا في ذلك الحكم هذا هو الواجب، وإن عمل به قبل التأثير صح.
وأما قبل الملائمة فلا يصح العمل به كالشاهد إذا شهد لم تقبل حتى يأتي بلفظة أشهد أو بما يماثله بلغة أخرى، ولا يصح العمل به قبل ذلك وإن عمل به قاض، وإذا جاء بلفظة أشهد لم يجب العمل به حتى يعدل، وإن عمل به صح ونفذ إذا كان مستورًا بلا خلاف، والاطراد بوجود الحكم معه أينما وجد لا يكون دليل الصحة عندنا، ولا وجود
[ ٣٠٤ ]
الوصف ولا حكم معه دليل الفساد بنفسه.
فأما الأولون: فهم القائلون بقياس الشبه بلا معنى، وأنهم حشوية غير معدودين في الفقهاء، فقد أقروا بما قاسوا بالصورة بلا معنى أنهم لم يفقهوا المعنى.
واحتجوا لذلك بالظواهر التي جعلت القياس حجة.
وقالوا أنها لم تخص وصفًا دون وصف.
وقالوا في علل الشرع إمارات على الأحكام، وليست من قبيل العلل العقلية فصح التعليق بالصور، كما صح الحكم بنصوص لم يعقل لها معنى، إلا أن تلك النصوص لم يعقل فقهها تعلق بها أحكام، وهذه نصوص لم يعقل فقهها تعلق بها كينونة كل وصف علة، وأنه ضرب حكم أيضًا.
وأما الفريق الثاني: فزعموا أن حد العلة ما يتغير به حكم الحال على ما مر في صدر الكتاب، وذلك المغير الذي هو علة قط لا يخلو عن موجودات جمة معه اتفاقًا لا علة، فلا تمتاز العلة عن الاتفاقية إلا بأن يعدم التغير عن عدمه دون سائر الموجودات الاتفاقية، ولأن الوجود لما كان بالعلة لم يجز البقاء بعد ارتفاعها ألا ترى أن الملك الواقع ببيع لا يبقى مع فسخه، وكذلك كل حادث تعلق بقاؤه بسبب لا يبقى بدونه هذا لا شك فيه، قال: واشترطت قيام النص في الحالين، ولا حكم له ليتبين بذلك أن الحكم متعلق بالعلة لا بالنص، كما إذا صار النص مجازًا بدليل كانت علامة أن لا يبقى للحقيقة حكم بوجه.
ألا ترى أن آية الوضوء لما عللت بالحدث دار وجوب الطهارة معه لا مع القيام إلى الصلاة.
وكما علل قول النبي ﷺ: "لا يقض القاضي حين يقضي وهو غضبان" لشغل القلب دار المنع معه لا مع الغضب، حتى إذا كان به وجع شاغل للقلب، أو خوف حرم القضاء عليه، وإذا كان به أدنى غضب لا يشغل قلبه حل له القضاء.
ولما علل خبر الربا بالكيل دار الحكم معه حلًا مع التساوي كيلًا دون سائر الوجوه، والحرمة مع التفاضل كيلًا دون سائر الوجوه والنص "مثلًا بمثل والفضل ربا" قائم ولا حكم له.
فأما الجواب عن قول الحشوية: فإن النصوص الموجبة للقياس على الأصول دلت على أنها معلومة يقاس عليها، وذلك يتأدى ببعض الأوصاف فلا يصير الكل علة إلا بدلالة أخرى، ثم البعض عن البعض لا يمتاز إلا بدلالة، ألا ترى أن النصوص قد جعلت الأمة شهداء فدلت على أنهم شهود في الأصل، ولم تدل على أن كل لفظ منهم شهادة بل دلت
[ ٣٠٥ ]
على أنه يتأدى منهم الشهادة، وذلك يحصل ببعض الألفاظ، ولم يميز ذلك عن غيره إلا بدليل، ولما ذكرنا في الباب الأول أن هذه النصوص جعلت القياس حجة أصلية فجعلت الشهادة للأصول أصلًا، ولكن ما أثبت لكل أصل بانفراده.
واحتملت التغير بالعوارض فكذلك الأوصاف فلا تصير حجة على الغير مع الاحتمال، ولأن كل وصف لو صلح علة، والأوصاف محسوسة مسموعة لشرك السامعون وأهل اللغة كلهم الفقهاء في المقايسات، ولما اختص بها الفقهاء علم أن المقايسة مبنية على معاني تفقه لا أوصاف تسمع.
وأما الجواب عن قولهم: إن علل الشرع إمارات، فليست كذلك على التمحض على ما مر في أول الكتاب.
وسنذكر بعد هذا أن علل الشرع إمارات على معنى أنها لم توجب بذواتها بل بجعل الشرع إياها موجبة.
وقد مر أن حكم القياس تعدية حكم النص إلى الفرع وهذا الحكم مما لا يحس، ولكنه يعقل كقولنا: رجل عالم لا يعرف له هذا الوصف بكونه رجلًا وبأن نحسه، بل بمعنى عقلي يستدل عليه به، وليس ثبوت العلل بأعيانها بالنصوص كثبوت الأحكام بالنصوص، لأن النص عين الحكم وهو موجب بنفسه لغة.
والنص ما عين الوصف من الجملة علة ليجب القول به بل صير الأصل معلولًا، فهذا الواحد الذي لم يتعين بالنص لا يتعين إلا بالرأي، فما لم يعقل معناه بالرأي لا يصير الرأي عليه حجة فالدرك بالرأي من طريق العقل وبظاهر البدن من طريق الحس، ولن عين اللفظ لا يكون حجة إلا من صاحب الشرع، والحجة من غيره استنباط معنى النص بالرأي لا تخصيص بعضه.
وأما الفريق الثالث: فقد زعم أن قيام النص ولا حكم له آية الفساد لا آية الصحة، ولما ذكرنا في باب شروط القياس أن من شرط صحة تعليل النص بالرأي أن يبقى حكم النص على ما كان قبل التعليل.
وأما آية الوضوء فغير معلومة بالحدث عندنا، والوضوء إنما يجب للصلاة على ما بينا في أول الكتاب، ولكن لا يجب إلا على محدث، والحدث شرط زيد في الآية لا بالرأي، ولكن بدلالة النص فإنه تعالى قال: ﴿ولكن يريد ليطهركم﴾ وقال في الاغتسال: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ وقال في بدل الوضوء: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ وإنما تعلق وجوب التيمم الذي هو بدل بما يجب به الأصل فتبين أن المراد بصدر الآية: إذا قمتم
[ ٣٠٦ ]
وأنتم محدثون، ولكن سقط ذكر الحدث اختصارًا لما في الآية ما يدل عليه على ما عليه لسان العرب، ونحن لم ننكر الاختصار والوقوف عليه، والزيادة بدلالة النص وإنما أنكرنا الزيادة بالرأي فإنها تجري مجرى النسخ لا مجرى التخصيص، على أن التخصيص عندنا لا يجوز ابتداء الرأي.
وكذلك قول النبي ﷺ: "لا يقض القاضي حين يقضي وهو غضبان". كناية عن القضاء وهو مشغول القلب عرف ذلك بدلالة الإجماع كما صار قوله: "فلا تقل لهما أف" كناية عن الإيذاء حتى صار الشتم بمنزلته، عقل ذلك بدلالة محل الخطاب ما هو من التعليل بالرأي للقياس في شيء.
وكذلك خبر الرسول ﷺ إنما جعلنا قوله "مثلًا بمثل" عبارة عن قوله: "كيلًا بكيل" بنص آخر فقال: "كيلًا بكيل"، وبالإجماع لا بالرأي، وإذا صار هذا كيلًا بكيل صار قوله ﷺ: "والفضل ربا" فضل من حيث الكيل الذي كان المساواة به ضرورة ما عقل شيء من ذلك بالرأي، والتعليل، وإنما التعليل بالكيل لبيان علة الحكم، وهو أن المماثلة كيلًا بأي علة وجبت شرطًا لجواز قفيز حنطة بحنطة والفضل بأي سبب حرم، وهذا التعليل ليس يغير حكم النص على ما نبين في موضعه.
وأما قول عامة العلماء فلأن دوران الحكم معه وجودًا وعدمًا لا يدل على الصحة، لأن الحكم كما يدور وجوده مع العلة فيدور مع الشرط، ألا ترى أن من قال لعبده: أنت حر إن كلمت زيدًا، دار وجود العتق مع الكلام، وهو شرط كما دار مع قوله أنت حر، وهو علة فلا بد من شيء زائد يميز بين العلة والشرط.
فإن قيل: إن أصل الدوران مع العلة دون الشرط فالشرط لا يصير شرطًا إلا بتعليق به.
قلنا: إن العلل الشرعية ما صارت عللًا إلا بتعليق الشرع الوجوب بها، فكانت كالشروط في هذا المعنى.
ولأنا وإن سلمنا هذا لكم فقد احتمل الدوران أن يكون مع الشرط دون العلة، ولما احتمل لم يصر حجة موجبة مع الاحتمال على ما مر في أصل الباب، وكذلك وجود الحكم مع انعدام الوصف لا يدل على الفساد لجواز أن يكون بقي لعلة أخرى فجائز بالإجماع وجود الحكم بعلل كثيرة، ولا ينعدم إلا بزوالها كلها، وما بقيت واحدة بقي الحكم حسب البقاء بالكل، ويدل عليه أن حد العلة ما يتغير به حكم الحال فيكون التغير موجب تلك العلة وأثرها فيستدل بذلك الأثر على كون الحال علة، لأن كل وصف لا يحس لا يستدل عليه إلا بأثره.
[ ٣٠٧ ]
وكذلك كل فاعل لا يحس لا يعرف إلا بآثار محسوسة تدل عليه، وهذا كصفة العلم لكل شخص لا يوقف عليها إلا بآثار فعله.
ولهذا كان طريق معرفة الله تعالى من الوجه الذي كلفنا، ولزمنا بالحجة الاستدلال بالعالم الكائن بخلقه، وعدم الحكم عند عدم العلة في الحسيات والعقليات والشرعيات جميعًا ليس بأثر العلة بل كان هذا قبل العلة، وإذا عدمت العلة عاد الأمر إلى ما كان من قبل العلة، وإذا لم يكن أثر العلة لم يصح الاستدلال به على كونه علة.
قال القاضي ﵀: وبلغني عن الرجل الذي شرط لصحة القياس دوران الحكم معه، والنص قائم في الحالين ولا حكم له أنه قال: إن العموم لا يكون حجة يعمل بها إلا بدليل آخر، وكذلك الأمر والنهي فلم يبق لنفسه حجة من السمعيات، ثم شرط للقياس شرطًا لا يكاد يجده بالرأي وحده بل يأبى الرأي صحته، فبقي بلا دليل فاحتج الأحكام المسائل بلا دليل على ما بيناه في باب لا دليل، فوجدته رجلًا قد غلب عليه السوداء بطول الفكرة حتى توقف عن العمل بالأدلة من النصوص والقياس لا بشروط احتياطًا ثم عمل بلا دليل، وما موجب لا دليل إلا الجهل.
فأما العلم فلا يثبت إلا عن دليل فجهل مع الأدلة، وعلم عند عدمها، ومع فحش هذا المقال لم يعرف أنه ناقض به ما قال فقد جعل حد صحة الاعتلال، دوران الحكم معه على كل حال، والعلم حكم حجته ثم أثبته بلا حجة.
وهكذا تبين عوار من زاغ عن طريق الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ ولما ثبت أن الدورات لا يدل على الصحة، ولا عدمه يدل على الفساد سقط اعتبار هذا الدليل أصلًا، وقد بينا أنه لا بد من دليل يميز بين العلة وبين ما ليس بعلة فوجب المصير إليه، وبيننا وبين الشافعي خلاف في تحديده على ما بينا من الرواية.
وأما الذين قالوا: إن الوصف إنما يصير علة بكونه مخيلًا أي موقعًا في القلب خيال القبول وأثر الصحة فاحتجوا في ذلك بأن الأثر معنى من الوصف لا يحس على ما مر ذكره، ولكنه مما يعقل فيجب الرجوع إلى القلب، وتحكيمه عليه كما قيل في أمر القبلة إذا اشتبه ولم يبق عليها دليل محسوس: وجب الرجوع إلى القلب وشهادته والعمل به، فإذا أشهد القلب بصحته قبلت، وكذا قال رسول الله ﷺ لوابصة: "الإثم ما حاك في قلبك، وإن أفتاك الناس".
وقال بعضهم: لا يشترط هذا فإنه أمر باطن لا يمكن إثباته على الخصم، ولكنه
[ ٣٠٨ ]
يعرض على العلل المنقولة فإن كانت مجانسة لها كانت ملائمة، وقبلت، وإن كانت بخلافها، وكانت ثابتة لذلك الحكم عند المقابلة بالأصول ردت، وإذا قبلت بالملائمة أو بالإخالة لم يجب العمل بها بصفة العدالة واليأس من الرفع، وذلك في الاطراد من غير أن يرده أصل ناقصًا ولا معارضًا لأن الوصف مع الملائمة احتمل أن لا يكون علة، لأن الملائمة لا تجعلها علة ولا تنفي عنها احتمال ما يجرحها ويبطل شهادتها فيجب عرضها على المزكين، أو بعضهم تيسيرًا، وهي سائر الأصول فإنها شهود الله تعالى خلقًا عن الرسول ﷺ.
فإذا عرضت على البعض فلم ترد بنقض ولا معارضة ثبتت العدالة بدليلها، وصارت بمنزلة ما لو عرضت على النبي ﷺ فسكت عن الرد فكان السكوت عن الرد بمنزلة التقرير والشهادة بالصحة.
ومثال ذلك ما قيل في الشاهد، لا تقبل شهادته حتى يأتي بلفظ ملائم لفظة أشهد، وإن كان بلغة أخرى ثم لا يعمل بها حتى تثبت العدالة وذلك بالعرض على بعض المزكين الذين لهم علم بباطن أحواله وصاروا حجة في الباب، وتثبت هذه الحجة بالبعض دون الكل فإذا أثنوا عليه وصار عدلًا صار حجة، وإن توهم رد من جرح يأتي من معدلين سواهم أو معارضة وكان الوقف للدفع بعده حسنًا.
فإذا لم يظهر الدفع عمل بها، وإن لم ينقطع الوهم قالوا: وكما استجزتم ثبوت العدالة للشهود بقول بعض المزكين، وعدم الوقوف على الأفعال الجارحة من غيره فاستجيزوا ثبوت العدالة للوصف بتعديل بعض الأصول وعدم الوقوف على ناقص آخر أو معارض فليس بين الأمرين فرق.
وأما الذين قالوا: إن الوصف يصير حجة يعمل بها بالملائمة ثم العرض يصار إليه ليعرف ما يجرح أو يدفع، فذهبوا إلى أن عدالة الوصف في صلاحه لا غير.
فأما الشاهد فعدالته في طاعة ربه أمرًا ونهيًا لأن العبد مؤتمن عدالته في أداء الأمانة، وهو ممن يؤدي الأمانة ولا يؤدي فكانت الحال محتملة فلم يزل الاحتمال إلا بدليل.
فأما الوصف فما عنده أمانة ولا يوصف بخيانة تثبت عدالته بالتعرف للرد، ولكن الرد موهوم من سائر الأصول كشاهد عدل بمعدلين لا يؤمن من رد يرد عليه من معدلين آخرين، أو من شهود بالمعارضة فلا يتسارع إلى القضاء احتياطًا فعلى هذا لا يصير الإطراد دليل صيرورته حجة، بل الانتقاض يصير جرحًا بعد الصحة كتوهم الرد في الفصل الأول بعدما أطرد في بعض الأصول.
وتبين على اختلاف الأقوال أن الشافعي ما دل على صحة العلة بالإطراد في كل الأصول كما ذهب إليه كثير من شيوخنا، وشيوخه، فإنه متى دل عليه به لم يمكنه إثبات
[ ٣٠٩ ]
الاطراد في الكل إلا بقوله لا دليل على نقضه أو معارضته.
وإنما قلنا: لا يمكنه إثبات الإطراد في الكل لأنه وإن اجتهد كان للسائل أن يقول: ولم قلت أنه ليس وراء ما قلته أصل آخر يرده بنقض أو معارضة فيضطر إلى أن يقول: لم يثبت عندي أصل ناقضًا ولا معارضًا.
فإن قالوا: إن المعجزة إنما صارت آية لعدم ما يعارضها!
قلنا: لا كذلك بل لوقوعها على حد فوق معتاد البشر، إما محسوسًا وإما معقولًا، وبذلك الأثر ثبتت آية، إلا أن الكفار تعنتوا وقالوا أنه في مقدور البشر عادة، فقيل لهم: ائتوا بمثلها لينقطع تعنتهم فإنهم لو قدروا لما أمكنهم الصبر عن فعله، وفي الترك ذهاب دينهم ونفوسهم وحرمهم وأموالهم.
وأما علماؤنا ﵏ فإنهم قالوا: إن الإطراد ليس بتعديل ولا عدم الحكم مع وجود الوصف جرح.
أما الاطراد فلأنه إنما ثبت بكون الوصف شاهدًا أينما وجد في كل أصل على العموم فلا يكون عموم شهادته دليلًا على عدالته بمنزلة شاهد كرر شهادته في كل مجلس قضاء فلا يصير التكرار منه والثبات على الأداء تعديلًا.
أو نقول: كل أصل شاهد بنفسه بذلك الوصف فيه فيكون بمنزلة شهود أو رواة يكثرون فلا تصير الكثرة تعديلًا لمن لم يكن عدلًا قبل الكثرة.
وأما قولنا: عدم الحكم مع وجود الوصف لا يدل على الفساد.
فلأن العلة قد توجد صحيحة دون الحكم لمانع أو نقصان شيء ليس في ركن العلة نحو البيع بشرط الخيار للبائع موجود علة ولا حكم للمانع.
والطلاق بعد الدخول موجود ولا حكم في الإبانة إلا بعد العدة، كخيار الرجعة.
والنصاب موجود ولا حكم قبل الحول، والحول ليس بركن العلة ولا مانع، ولكن النصاب بصفة البقاء حولًا صار علة تامة عاملة فبدون صفة البقاء لا يعمل مع وجود ما هو ركن العلة تامًا حتى صح تعجيل الأداء قبل الحول، وأنه لا يجوز قبل تمام الركن كما لو عجل قبل النصاب، وهذا أيضًا كالشاهد إذا شهد مرة ثم استشهد فامتنع، أو الراوي روى ثم امتنع لم يكن ذلك جرحًا بنفسه حتى ينظر إنه لأي معنى امتنع، فإن كان لمعنى خاف على نفسه، أو لم يكن مجلس قضاء، أو ما أشبهه لم يكن جرحًا، وإنما يدل على عدم الحكم مع وجوده على الفساد إذا وجدت العلة بالمعنى الذي هو معه فيصير عاملًا بلا مانع من العمل، وذلك لا يعرف إلا بالرواية في الحدود والشروط، ولما سقط اعتبار هذا المعنى دليلًا على الفساد أو الصحة كما سقط اعتبار الدوران اضطررنا إلى دليل آخر.
[ ٣١٠ ]
أما الدليل على الملائمة فالحد فيه ما قال الشافعي ﵀ وسنأتي بأمثلة ذلك من علل الرسول ﷺ والسلف ﵏ ليتضح لك الطريق في هذا إن شاء الله تعالى.
وأما الإخالة فشرط فاسد في المناظرة لأنه إشارة إلى ما يقع في القلب، وما لا يطلع عليه فلا يصير على غيره كما قيل في باب القبلة إذا اختلفت به الجهات لم يصر قول بعضهم على البعض حجة.
ولأن كل معلل يمكنه أن يقول: قد وقع في قلبي خيال صحته فيصير معارضًا إياك، وإنه من باب الإلهام وقد بينا في موضعه بطلان ذكره على سبيل الاحتجاج به، فثبت أن الصحيح أن تصفه بصفة الملائمة للقبول ليكون من باب ما يمكن إثباته على الخصم بدليل يمكن الوقوف عليه والوصول إليه بالتمسك بالعلل المنقولة، ولا يجوز العمل به قبل الملائمة لأنه أمر شرعي لا عقلي فما لم يكن من قبيل ما جاء به الشرع لم يصر حجة كالشهادة لا تصير حجة إذا قال: أخبر أو أعلم ولم يجز العمل به.
وإذا ثبتت الملائمة لم يجب العمل به قبل العدالة كما قاله الشافعي ﵀ فيما مضى.
وكما لا نعمل بشهادة الشاهد إلا بالعدالة والفرق الذي ذكره بعض أصاب الشافعي بين الشاهد والوصف ليس بشيء لأن حال الشاهد إن احتلمت خيانة فيما ائتمن على ما قال، فصار الكذب محتملًا خبره فلم يصر حجة إلا بدليل يقطع الاحتمال ظاهرًا بقدر الإمكان، فكذلك حال الوصف في نفسه مع صلاحه احتمل أن لا يكون علة لأن العلة في كونها موجبة، وما لنا عليه دليل الموجب سوى الاستشهاد بأصل ثابت احتمل وجود الحكم فيه مع هذا الوصف اتفاقًا لا علة.
ألا ترى أنه لا يكون علة إذا قام دليل الرد كاحتمال الشهادة الكذب ما بينهما فرق إلا من حيث أن احتمال الكذب من الشاهد في أداء الشهادة، وههنا من المعلل في تعيينه ذلك وصفًا احتمل أن لا يكون واجب العمل به فثبت أنه لا بد من دليل يرجح احتمال الصواب على الغلط، وذلك في بيان التأثير لما ذكرنا أن ما لا يوقف عليه من طريق الحسن وجب الاستدلال عليه بأثره، وكذلك العلل الحسية إنما عرفت بآثارها.
ألا ترى أن الحد فيه ما يتغير به حكم الحال، والتغير أثر العلة لا محالة.
ألا ترى أن عدالة الشاهد إنما تثبت بأثر دينه في منعه عن ارتكاب ما اعتقده حرامًا بدينه، فاستدل به على منعه عن الكذب الذي هو حرام في دينه فتعرفنا العدالة بأثر ظهر من دينه فيما وقفنا عليه من أفعاله لا بعدم، فكذلك عدالة الوصف إنما تثبت بأثره في إيجاد مثل هذا الحكم في موضع آخر بالإجماع ليصير الأثر الموجود دليلًا على نظيره، ويكون استدلالًا بوجود معلوم لا بعدم ولا بشيء لا يطلع عليه ولا تجوز المحاجة به.
[ ٣١١ ]
ولأنا ذكرنا أن الحكم يوجد مع العلة ويطرد معها.
وكذلك يطرد مع الشرط ويوجد معه فلا بد من دليل آخر غير الوجود يميز بين الشرط والعلة، وذلك في الأثر فإنه لا أثر للشرط في إيجاب الحكم وللعلة أثر، قالوا: ولأن رأس الحجج معجزات الأنبياء ولم تعلم إلا بآثارها في الوقوع فوق معتاد البشر فتبين بتلك الزيادة أنها من الله تعالى ومضافة إليه لا إلى العبد.
وأما الجواب عن قوله: إن الأصول مزكون كالرسول ﷺ، فلا كذلك بل هم شهود مثل الأصل المعلل أو كالرواة للخبر، وصحة الوصف كصحة متن الخبر وصحة المتن لا تثبت بكثرة الرواة فكذلك صحة الوصف لا تثبت بكثرة الأصول والشاهد لا يكون معدلًا لشاهد وكيف يعدل الأصل الأصل، وما له علم بأثر الوصف في نظير ذلك الحكم، وليس للمعدل في باب الشهود أن يعدلهم إلا بعد الوقوف على أثر دينهم في منعهم عن الحرام مثل حرمة الكذب، ولهذا جوزنا الخصوص على العلل بأن توجد، ولا حكم لأنا لم نجعل دليل صحتها اطرادها لتفسد بزوال الإطراد بل جعلنا دليل الصحة معنى هو مؤثر في الحكم صار وصفًا لما هو ركن العلة فيجوز وجود الركن بدون ذلك المعنى.
ولا حكم له معه كما جاز وجود النصاب قبل الحول.
ولا وجوب معه فتبين بانعدام الحكم عند انعدام المعنى المؤثر، إن هذه الحالة لم تدخل تحت التعليل، بل دخل تحته ما تناوله المعنى المؤثر له كما تناوله الوصف الظاهر ولهذا أسميناه خصوصًا.
فالخصوص بيان أن المخصوص لم يدخل تحت جملة العموم ابتداء بدليل مقارن بخلاف النقض فلا نقض إلا بعد الثبوت.
ألا ترى أنه يمكنه أن يقول: ما ادعيت سوى أن قلت أن هذا الوصف علة وأنه فيما ذكرت علة أيضًا لكن لم يعمل المانع وهو كذا، وقد عدم المانع فيما نحن فيه أو لم يعمل لعدم المؤثر وهو كذا وقد وجد في مسألتنا هذه وأنا لم أدع العمل به إلا مع المؤثر حال عدم المانع.
وزعمت الطردية أن العلل القياسية لا تقبل الخصوص، وسموا الخصوص نقضًا لزعمهم أن الحكم متعلق بعين الوصف فلم يجز وجوده بلا مانع ولا حكم معه وهذا غلط منهم لغة، وشريعة، وإجماعًا، وفقهًا.
أما اللغة: فلأن النقض: اسم لفعل يرد فعلًا سبق على سبيل المضادة كنقض البنيان، ونقض كل مؤلف، ونقض العقد، ونقض كل قول بخلافه والخصوص بيان أنه لم يكن في العموم ألا ترى أن نقيض الخصوص العموم، ونقيض النقض البناء والتأليف.
وأما الشريعة: فلأن التناقض غير جائز على الكتاب والحجج كلها، والخصوص
[ ٣١٢ ]
جائز على عموم النص فتبين به أنه لم يكن داخلًا تحت الجملة، ولم يرد به من الابتداء إلا ما بقي بعد الخصوص لا أن نقض بعد الثبوت.
وأما الإجماع: فإن القائسين أجمعوا أن من الأحكام ما ثبت بالنص بخلاف القياس، فخصت بالنص عن موجب القياس لولا النص لكان الحكم بالقياس بخلاف ذلك، والشافعي يسميها مخصوصة عن القياس ونحن نسميها معدولًا بها عن القياس.
وأما الفقه: فلما ذكرنا أن المعلل ما ذكر شيئًا غير أنه سماه علة، ويمكنه الثبات عليه من غير رجوع مع انعدام الحكم بأن نضيف العدم إلى مانع على ما ذكرنا دون فساد اللغة.
فإن قيل: لو جاز تخصيص العلل لما اشتغل أهل النظر بالجواب كما في العمومات، ولا اكتفي منهم بقولهم: كانت علتي توجب ذلك إلا أني خصصته بدليل ولا يكتفى به بالإجماع.
قلنا: إنما لم يكتف منهم بهذا القدر لأن دعواهم أن هذا الوصف علة قول بالرأي، ويحتمل الغلط فإذا وجدنا الوصف ولا حكم معه واحتمل العدم لفساد العلة، واحتمل لمانع من الصحة لم تثبت جهة الانعدام بمانع بنفس الدعوى حتى يقيم الدلالة عليه بإزاء المانع في تلك الحادثة دون هذه، وكذلك إن أحال على عدم المؤثر.
فأما النص: فلا يحتمل الغلط فلا يبقى لانعدام الحكم مع وجوده النص إلا الخصوص الذي يليق بكلام الشرع فلم يحتج إلى إثبات هذا الوجه بدليل ما فرق بيننا وبينه في الخروج عن المناقضة، إلا أنا خرجنا لمعنى فقهي وهم خرجوا عنه بلفظ سمعي، إلا أن الدفع باللفظ أيسر فإنه محسوس وبالمعنى عسير لأنه باطن معقول فمالت النفوس بهواها إلى الظاهر اليسير فغلبت.
ولعمري لو أنصفوا وعذروا أنفسهم على ترك المعنى الفقهي بسبب الحرج الذي يلحقهم لشكروا من تحقق المشقة، وجاهد هواه حتى وصل إليه ولما صار الظاهر فقهًا، والصورة معقولة بل لأقروا بالخطأ على أنفسهم.
لأن عين الكلمة إنما تكون حجة من صاحب الشرع فأما من غيره فلا، وإنما إلينا استخراج الفقه من كلمات الشرع، وذلك معنى يعقل بلا كلام يسمع إلا أنا لا يمكننا تحقيق المعنى عند السامع إلا بكلام فاضطررنا إليه فصح منا ما يشير إلى معنى ما يعقل دون غيره.
فإن قيل: إن الإحالة إلى المؤثر إحالة إلى ما لا يعقل حده فلم يصح الاحتجاج به، كما قلتم أنتم في الإحالة التي شرطنا نحن.
قلنا: لا كذلك بل الأثر من حيث اللغة محسوس كآثار المشي على الأرض، وأثر الجرح بالأعضاء، وأثر الدواء المسهل من الإسهال ومن حيث الشرع معقول أيضًا على ما
[ ٣١٣ ]
بينا في عدالة الشاهد أنها تعرف بأثر دينه في منعه عن تعاطي ما اعتقده حرامًا في دينه كحرمة الكذب فالأثر وهو الامتناع معقول، وقد دلت عليه العلل المنقولة.
قال النبي ﷺ: "الهرة ليست بنجسة لأنها من الطوافين والطوافات عليكم" علل لسقوط النجاسة بضرورة الطواف علينا، فللضرورات أثر في إسقاط حكم الخطاب.
وقال للمستحاضة: "إنه دم عرق انفجر، توضئي لكل صلاة"، علل للوضوء انفجار الدم لأن انفجاره مؤثر في إثبات حكم النجاسة وإيجاب حكم الطهارة.
وقال لعمر وقد سأله عن القبلة وهو صائم: "أرأيت لو تمضمضت بماء مثل مججته أكان يضرك؟ فقال: لا، قال: ففيم إذًا" علل لعدم الفطر بوصف مؤثر وهو المضمضة بالماء من غير ابتلاع لأن الفطر نقيض الصوم، والصوم بالكف عن اقتضاء شهوة البطن والفرج، والمضمضة خالية عن الاقتضاء صورة ومعنى، وكذلك القبلة.
والصحابة اختلفوا في ميراث الجد مع الإخوة وشبهوهم بفروع الشجرة وشعوب الوادي، وتلك معاني محسوسة مؤثرة في معنى القرب فعللوا بمؤثرات وبأوصاف غير مردودة إلى أصل، والوصف بنفسه لا يكون حجة إلا بأن يشهد له الأصول أو واحدًا، ويكون مؤثرًا فلما لم يشتغلوا باستشهاد أصل علم أنهم اعتمدوا التأثير.
وعلى هذا النمط عللنا في الفروع، فقلنا: لا يثلث مسح الرأس لأنه مسح فأشبه مسح الخف. وقال الشافعي: إنه ركن في الوضوء فأشبه الغسل، فكان الصحيح ما قلناه لأن المسح في ذاته أخف من الغسل ويلحق الناس في الغسل من المشقة ما لا يلحقهم في المسح، ولأن صفة المسح قد أثرت في إيجاب تخفيف هذا الركن متى قوبل بالغسل في حق استعمال محله، لأن الغسل لا يتأدى إلا باستعمال كل المحل، والمسح يتأدى بالبعض وكونه ركنًا لم يؤثر في التسوية ذاتًا وقدرًا.
ولأن السنة التي نختلف فيها شرعت مكملة لهذا الركن صفة له كتطويل القراءة في الصلاة والقيام، ولهذا شرعت في موضع الفرض بحيث يتأدى بها الفرض لو ابتدئ بها فيجب أن يؤثر صفة المسح في تخفيف إكماله في حق استعمال محله فيكمل باستعمال المحل مرة واحدة كما أثر في حق الفرض، ولا يكمل الغسل إلا بالاستعمال ثلاثًا وصفة الركنية ما أثرت في التسوية بينه وبين الغسل في حق أصل الفرض فكذلك في حق الإكمال.
وكذلك إذا اختلفنا في صوم رمضان إن نية الفرض شرط أم لا؟
فقلنا: الشرط نية الصوم.
[ ٣١٤ ]
وقالوا: الشرط نية صوم الشهر.
فعللنا نحن: بأنه صوم عين فأشبه النفل، وعللوا بأنه صوم فرض فأشبه القضاء والكفارة فكان المؤثر ما قلناه لأن أصل النية ما شرعت إلا لنفس العمل المأمور به، والمأمور به صوم فرض وليس في رمضان صوم غير فرض فكان عينًا فيه لاسم الصوم فأصابه بعينه بمطلق الاسم واستغنى عن الوصف الذي هو للتمييز بين أنواعه، وأما كونه فرضًا فلا أثر له في شرط نية فوق إصابة المأمور به.
وكذلك متى قلنا: إن الصرورة إذا حج نفلًا كان عما نوى، لأن عمل الحج معلوم باسمه لا بوقته فأشبه الصلاة فكان تعليلًا بوصف مؤثر لأن الوقت محل لأداء الواجب فمتى علم الفرض مسمى باسمه لا بوقته بقي الوقت خلوًا عن تسمية الفرض عند الإيجاب فبقي على ما كان قبل الإيجاب على ما مر في باب الأوقات، وقبل الفرض كان النفل مشروعًا كما في حق الصبي والعبد.
ومتى عللنا خبر تحريم ربا الفضل بالكيل والجنس كان تعليلًا بوصف مؤثر لأن الفضل لا يصير ربًا إلا في مالين صارت المساواة بينهما شطرًا للجواز، والمساواة قدرًا لا تصير شرطًا للجواز في الأموال المتفاوتة خلقة كالثياب والعبيد، فثبت ضرورة شرطها في المتساوية من الأموال كالفلوس الرائجة لا يجوز بيه واحد باثنين، ويجوز بيع واحد بواحد لتساويهما في الرواج، ولما وجب إحالة وجوب المماثلة إلى التماثل وجب التعليل بالوصف المؤثر في التماثل، وهو الجنس ليرتفع به تفاوت المعاني دون الطعم الذي لا أثر له في جعل المطعوم أمثالًا، وإلى الكيل ليرتفع به تفاوت القدر إذا استويا مكيالًا، ويدل عليه أن شرط التماثل فيما لا يقبله محال، ولا يصير المال قابلًا للتماثل حتى يكون في إعداده أمثالًا متساوية.
وكذلك متى قلنا: إن الثيب الصغيرة تزوج كرهًا لأنها صغيرة فأشبهت الذكر والبكر، والبكر البالغة لا تزوج كرهًا لأنها بالغة فأشبهت الذكر والثيب كان تعليلًا بوصف مؤثر لأن الصغر له أثر في إثبات الولاية مالًا، وهذه الولاية من جنسها لأنها من المصالح التي تعلق القوام بها على ما بينا في النكاح، وكذلك قد أثر في حق البكر والذكر.
وكذلك البلوغ له أثر في قطع ولاية الغير في حق المال، وفي حق الذكر والثيب فكذلك في حق النكاح لأن الجنس واحد.
وكذلك متى قلنا: إن نكاح الحر الأمة مع طول الحرة يجوز لأنه معنى يجوز معه هذا النكاح للعبد فيجوز للحر.
قياسًا على جميع ما لا يمنع العبد عن نكاح الأمة من جب وعنة.
وقياسًا على القدرة على الحرة بلا مهر بأن رضيت بغير مهر فإنه لا يمنع نكاح
[ ٣١٥ ]
الأمة، وإن قدر على الحرة لأن الشرع بنى جواز النكاح على الحل ونصف حكمه بالرق حتى جاز للحر أربع نساء ولم يجز للعبد إلا امرأتان فبقي العبد على ما كان في الحرية في حق النصف الباقي لنكاحه، فلا يفارق العبد الحر فيما بقي بل يستويان فيه، وتعليلنا هذا يوجب المساواة.
وكذلك متى قلنا: نكاح الحر المسلم الأمة الكتابية جائز قياسًا على نكاح الحرة الكتابية كان مؤثرًا.
لأنا قد بينا أن الرق لا يفرق بين الحر والرقيق في أصل النكاح كما في جانب الرجال، فإنما يفرق في تنصيف القدر فإن الحر يتزوج أربعًا والعبد ثنتين، فكذلك في جانب النساء يفترقان في تنصيف القدر، ولا عدد لنكاح المرأة لأنها لا تتزوج برجلين فلا يمكن تنصيف القدر من هذا الوجه فأظهر من وجه آخر يشبهه.
فقيل: الحرة تنكح قبل الأمة وبعدها، والأمة تنكح قبل الحرة لا بعدها فأما أن يحرم أصل نكاح الأمة إلا بشرط زائد لا يشترط للحرة فلا وجه لها لأنها في النصف الباقي وهو حال عدم الحرة باقية على ما كانت.
وقد وجدنا ما علل الأئمة من السلف ﵏ على هذا النحو فهذا محمد بن الحسن ﵀ ما علل "لمسائله" إلا بوصف ذكره من غير رد إلى أصل.
والوصف إذا لم يرد إلى أصل لا بد من كونه مؤثرًا حتى يصير حجة.
فقال: إذا قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثًا، ثم طلقها ثلاثًا، ثم عادت إليه بعد زوج، ثم دخلت الدار: لم تطلق لأنه حين طلقها ثلاثًا فقد ذهبت طلاق ذلك الملك كله، وتأثيره أن اليمين بالطلاق إذا لم يضف إلى حدوث الملك لم ينعقد إلا على الطلاق المملوك للحال.
والطلاق الثلاث كل الطلاق المملوك بالملك القائم فلا ينعقد اليمين إلا عليها فإذا أرسلها، فقد فات كل ما انعقد عليه فلا يبقى لأن اليمين لا تبقى صحيحة إلا بتعلق الجزاء بالشرط، فإذا فات الجزاء ولم يبق متعلقًا بطلت اليمين.
وقال في غير موضع: العبد المحجور إذا استودع فاستهلك الوديعة لا يضمن إلا بعد العتاق، لأنه لما أودعه فقد سلطه عليه والتسليط مؤثر في إسقاط ضمان الإتلاف لا محالة متى ثبت فنحتاج إلى الدلالة لإثباته.
وقال أبو حنيفة ﵀ فيمن اشترى نصف ابنه: يعتق عليه، ولا يضمن للبائع شيئًا لأنه أعتقه برضاه، والرضا مؤثر في إسقاط الضمان وإنما يحتاج إلى إثباته بدليله.
وقال: المديون لا يلزمه الزكاة لأنا لو أوجبنا الزكاة على المديون لزكي مال واحد
[ ٣١٦ ]
مرارًا في سنة واحدة، وللسنة تأثير في نفي الثناء عن مال واحد بالإجماع، وإنما يحتاج إلى بيان أن القول بإيجاب الزكاة على المديون قول بالثناء.
وهكذا علل الشافعي فقال: لا تقبل شهادة النساء مع الرجال في النكاح ولا في الطلاق لأنه ليس بمال ولم يرده إلى أصل بل أشار إلى وصف مؤثر، وهو أن المال خلق بذله وتكثر المعاملة من الناس في بابه فلو لم تقبل شهادة النساء لأدى إلى الحرج، وقد عدم هذا المعنى فيما ليس بمال.
وقال: الزنا لا يوجب حرمة المصاهرة لأنه فعل رجمت عليه، والنكاح فعل حمدت عليه، ففرق بينهما بوصفين مؤثرين في الفرق بينهما.
ولم يرده إلى أصل وفي هذه العلل دليل على أنهم رأوا خصوص العلة.
فإن قول الشافعي ليس بمال ينتقض بالولادة والبكارة فإنهما يثبتان بشهادة النساء، وليسا بمال، ولكن بدلالة التأثير تبين أن فصل البكارة لم يدخل لأنه قال: إنما قبلت شهادة النساء في الأموال لضرب ضرورة وبكثرة المعاملات فيه، وقد اشتدت الضرورة في باب الولادة، وإن كانت لا تكثر لأن الرجال لا يحضرونها.
وكذلك الوطء الذي رجم عليه والذي حمد عليه يستويان في إيجاب المهر والغسل على أصله، وقد علل بهما للتفرقة، ولكن بدلالة التأثير تبين أن هذا الحكم لم يدخل تحته لأنه يقول.
أن حرمة الصهرية نعمة علقت بنكاح حمدنا عليه، فلم يجز إثبات هذه النعمة بزنا رجم الإنسان عليه، والرجم دليل على أن سببه عدوان محض لأن الحد يسقط بالشبهات فلا يدخل تحته إلا حكم ليس بنعمة بل محنة من غسل ومهر.
وكذلك تعليل محمد بن الحسن ﵀ للعبد المحجور إذا استهلك الوديعة فإنه سلطه يبطل بالمأذون، فإن الإيداع لو كان تسليطًا لأسقط الضمان أينما وجد لكن تبين بدلالة التأثير على أن المأذون مخصوص منه، وذلك لأن التسليط غير ثابت نصًا بلا دلالة، وذلك لأن الإيداع إثبات يده للمودع ويد المالك مسلطة على الاستهلاك إلا أنه بشرط الحفظ يحجره عن سائر أحكام اليد، وشرط الحفظ باطل على الصبي أصلًا وعلى العبد ما لم يعتق فبقيت العبرة ليد الملك بلا شرط فلا يدخل المأذون عليه، لأن شرط الحفظ عليه صحيح.
وكذلك التعليل بذهاب كل الطلاق يبطل ظاهره بمن استولد أمته فأعتقها فارتدت –والعياذ بالله- ولحقت بدار الحرب ثم سبيت فملكها الأول عتقت بموته وبالإعتاق ذهب عتاق ذلك الملك كله، والتعليق بالموت قد بقي، ولكن بدلالة التأثير يتبين أنه لم يدخل تحته لأنا أبطلنا بإرسالك الكل التعليق لأنه لا يصح إلا فيما ملك إذا لم يكن مضافًا إلى ملك.
[ ٣١٧ ]
والاستيلاد في غير ملك يوجب العتق إذا مات، وهي في ملكه نحو أن يستولد أمة بنكاح ثم اشتراها ففوت العتق المملوك لا يوجب فوات المعلق بالموت، لأن العتاق المعلق بالموت عتاق عن رق قائم عند الموت وهي في ملكه لا العتاق المملوك قبل ذلك على أن الاستحقاق الأول قد بطل وتجدد لها حق ببقاء النسب حين ما اشتراها ثانيًا، لأن بقاء النسب بنفسه علة عتق من غير اعتبار الاستيلاء السابق، والبقاء شيء يتجدد كل ساعة فيعتبر بيمين تتجدد بعد الملك فيوجب عتاقًا آخر أيضًا.
وبعض مسائل الشافعي على ما نذكر في باب، لا دليل يدل على أنه لا يشترط التأثير.
وقال محمد بن الحسن ﵀: الوصي إذا أذن لليتيم في التجارة ثم اشترى منه شيئًا لم يصح لأنه هو الذي أذن له.
وهذا يبطل بالأب فإنه يأذن لابنه ثم يشتري منه فيصح وهو الذي أذن له ولكن بدلالة التأثير يتبين أن فصل الأب لم يدخل تحته، وهو أن الصبي إنما ينفك الحجر عنه بالإذن، والإذن إنما يصح بقدر ماله من الولاية، وما للوصي ولاية شراء مال اليتيم لنفسه فلا يثبت الفكاك عنه بإذنه وللأب هذه الولاية فيثبت الفكاك عنه بإذنه.
فإن قيل: قد ذكرت أن من شرط صحة القياس وجود أصل وفرع، ثم صححته بلا أصل!
قلت: إن أمكنني التصحيح بلا أصل لم أسمه قياسًا وسميته علة ثابتة بالرأي كالقياس، كما قلته أنت في تعليل الأصل بما لا يتعدى، على أن التأثير إشارة إلى الأصل لأني إذا قلت: الصبي المودع لا يضمن إذا استهلك لأنه سلط عليه فمتى أنكر الخصم أن يكون التسليط علة رددته إلى المأذون بالاستهلاك نصًا، وإنما لم نذكره للاستغناء عنه فثبت أن الصحيح هو القول بالمؤثر، وأن العلل بظاهر أوصافها تقبل الخصوص بدلائلها المؤثرة باتفاق من السلف والخلف جميعًا، وأن الاستدلال بصلاح الوصف أو بالعدم استدلالًا بلا دليل، والله أعلم.
[ ٣١٨ ]
باب