هذه الأقسام أربعة:
منها الأحكام الشرعية كلها التي تحتمل النسخ والتبديل، وهي من فروع الدين لأن الأحكام على ما شرعت حق الله تعالى علينا يلزمنا أن ندين الله بها.
ومنها حقوق العباد مما يجب لهم وعليهم مما يقوم به مصالحهم العاجلة التي اشترك فيها أهل الملل كلهم.
والثالث: المعاملات التي أبيحت لنا وكنا مختارين في إنشائها مما يتعلق بها اكتساب تلك الحقوق.
والرابع: حجر يلحقنا لحق الغير فيلزمنا الكف عن ضروب أفعال صيانة للحد الذي بين ما للمرء ولغيره مما ظهر ذلك من الناس أجمع في أملاكهم وولاياتهم وأفعالهم.
فأما ما لله تعالى فخبر الواحد فيها حجة ويجب العمل به بلا شرط عدد معلوم ولا لفظ معين بل بشروط تراعي المخبر على ما يأتيك بيانه في بابه.
فأما حقوق العباد فلا يكون الخبر حجة لهم ولا عليهم عند المنازعة إلا بعدد معلوم، ولفظ معلوم وشرائط معدودة في المخبر زائدة على شرائط المخبر عن حقوق الله تعالى، وموضع معرفتها كتاب تقسيم فروع الفقه.
وأما المعاملات فخبر كل مخبر صحيح العبارة فيها حجة يجوز العمل بها.
وأما الحجر فقد شرط أبو حنيفة ﵁ لصيرورة الخبر حجة أحد شرطي الشهادة إما العدد وغما العدالة، وخالفه أبو يوسف ومحمد رحمهما الله وذلك في الوكيل يبلغه خبر العزل، أو العبد المأذون يبلغه خبر الحجر، أو المولى يبلغه أن عبدك قد جنى فإنه يلحقه الحجر عن التصرف فيه إلا باختيار الأرش.
أما الفصل الأول: فإنما لم نشترط زيادة عدد ولا تعيين لفظ لأن احتمال الكذب لا يرتفع بنفس زيادة العدد ولا تعيين لفظ فلم نشتغل به ولأن نقل الأخبار كان في زمن النبي ﷺ والصحابة والسلف ولم يبلغنا شرط زيادة عدد ولا تعيين لفظ إلا احتياطًا، فقد روي أن عليًا ﵁ كان يحلف الراوي فروى له أبو بكر الصديق فصدقه ولم يحلفه، ألا ترى اللفظ والعدد لما كان شرطًا في باب حقوق العباد كيف ظهر ذلك ولم يختلف باختلاف الشاهدين في العدالة.
[ ١٧٧ ]
وأما القسم الثاني: فإنما شرطنا العدد واللفظ بنص الكتاب لأنها شرعت حجة لفصل منازعة ثابتة بين اثنين بخبرين صحيحين متعارضين من الدعوى والإنكار، فلم يقع الفصل بجنسه خبرًا بل بنوع خبر ظهرت مزيته في التأكيد على غيره من يمين أو شهادة ثم ضرب احتياط بزيادة العدد وهذا المعنى معدوم في حق أحكام الله تعالى، فإن الذي لم يبلغه الخبر لم يكن يعمل به لعدم الدلالة لا لدليل موجب عملًا بما كان عليه فكانت الحالة أخف من حال قيام المنازعة بدليلين صحيحين شرعًا، أعني خبر المنكر والمدعي لأن الشرع جعل خبر كل ذي عقل في الأصل حجة وإنما الرد بعوارض.
وأما المعاملات: فإنه قد ثبت أن رسول الله ﷺ كان يدعى إلى الطعام وكان يجيب البر التقي وغيره وكان يشتري من الكافر وكان يصدقه.
وكذلك الأسواق القائمة من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا قائمة بعدول وفساق، والشراء مباح من الكل إلا أن يقع في القلوب تهمة الكذب بأمارات غير فسقهم بزناهم وشرب الخمر وما لا يتصل بالأموال، وقد نص عليها محمد بن الحسن في كتاب "الاستحسان".
ولأن هذا إخبار عن أمر من امور الدين لأن الحل والحرمة دين ولا دليل مع السامع ينازعه به كالرواية عن النبي صلى الله عليه وسلمبل السامع متمسك بأصل كان لعدم الدليل على زواله فلم يشترط لفظًا عينًا ولا عددًا كما في الخبر عن النبي ﷺ إلا أنه أخف من ذلك.
وذلك لأن للناس ضرورة في التصرف مع الناس لإقامة مصالحهم، ومع وكلاء الملاك وأكثر الناس أبدًا فسقة فلو لم يجز التصرف إلا مع العدول لانسد باب التجارات وضاق الأمر على الناس والله تعالى ما جعل في الدين من حرج فلم نشترط العدالة لذلك.
بخلاف الخبر عن النبي ﷺ فإنه لا ضرورة بنا إلى تصديق الفاسق بعد قيام المعارضة بين صدقه وكذبه، وإن بعدنا عن رسول الله ﷺ فإن حكم الله تعالى في تلك الحادثة ممكن إقامته بالقياس الصحيح الذي شرع حجة بلا معارضة حتى إذا تعارض القياسان حل له العمل بما يقع في قلبه أنه الحق، ولهذا قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله في القسم الرابع: ان خبر الفاسق حجة وإن كان واحدًا.
واما الحجة لأبي حنيفة ﵁ في القسم الرابع: أن المخبر عنه من جنس الأول لأنه خبر عن تصرف المالك بحكم ملكه فإن له الإطلاق والحجر، إلا أن في هذا إلزامًا عدم في الإطلاق ذلك، فأشبه من هذا الوجه القسم الثاني من حقوق الناس التي تجب لهم وعليهم فصار بينهما، فشرط لصحته أحد شرطي الشهادة من عدد أو عدالة بخلاف الرسول فإن قوله وحده حجة في هذا الباب وإن كان فاسقًا، لأن الموكل قد يبدو له في العزل للوكيل، فلا يجد عدلًا ولا اثنين فلو لم تقبل رسالة الفاسق لضاق الأمر على
[ ١٧٨ ]
الناس ولما أمكن ذا الحق تدارك حقه وهذا المعنى معدوم في حق المخبر لأنه يخبر من عند نفسه وماله حق يفوته إذا كذب، ولو أراد ذو الحق تدارك حقه لأرسله فلما لم يرسله؛ والعزل غير صحيح على غيب، علم أنه ما قصد التدارك.
فإن قيل: فما الفائدة في زيادة العدد مع قيام الفسق؟
قلنا: كما قلنا في الشهادة مع قيام العدالة في الواحد والاثنين، وقد نص محمد بن الحسن في كتاب "الاستحسان" في ماء أخبره رجل بنجاسته والآخر بطهارته، وأحدهما فاسق والآخر عدل: أن خبر العدل أولى، وإن كانا فاسقين: توقف، وغن كان أحد الفريقين رجلين: فخبرهما أولى فرجح بالزيادة كما رجح بالعدالة، وكذلك إذا اختلف المزكون في جرح الشاهد وتعديله، ومن جانب رجلان، ومن جانب رجل فقول الرجلين أولى، والله أعلم.
[ ١٧٩ ]
باب