ألفاظ العموم أربعة أنواع:
لفظ الجماعة معنى وصيغة كقولنا: رجال ونساء ومسلمون.
ولفظ الجماعة معنى لا صيغة: كالإنس والجن والشيء. فهما نوعا عموم نصًا.
ونوعان آخران لفظًا عموم إبهامًا نحو: "من"، فإنها عامة فيمن يعقل.
و"ما" عامة فيمن لا يعقل.
ونحو: كلمة"الذي" فإنها عامة كالشيء لكن على سبيل الكناية، و"أين" و"حيث" يعمان الأمكنة إبهامًا.
و"متى" تعم الأزمنة إبهامًا.
و"كل" يعم الفرد النكرة وغيره كقولك: كل رجل، وكل زيد وكل الناس.
و"كلما" تعم الفعل كلما فعلت فعلًا، لأن كلمة كل خلاف البعض لغة فكانت مشتملة على الأبعاض.
فهذه أسماء مبهمة عامة فكانت نوعًا.
والنوع الآخر: الألف واللام إذا دخلتا على اسم غير معهود كانتا لبيان الجنس.
فأما قولنا: رجال، فلأن واضع اللغة لم يضع هذه الصيغة إلا علمًا على جمع الآحاد من ذلك الاسم فإنك تقول: رجل واحد، ورجلان اثنان، ورجال ثلاثة، وألف فصاعدًا، ولهذا قالوا فيمن قال: لفلان عليً دراهم؛ أنه يلزم ثلاثة إلا أن يبين أكثر من ذلك لأن أقل ما يتحقق فيه صيغة الجمع على ما قلناه ثلاثة، وعلى ما نذكره من بعد، وما وراءها محتملة فلم يثبت بالشك وقبل البيان.
وأما الإنس: فاسم خاص صيغة ماله وحدات، ولكن عام معنى لأنه اسم علم على جنس، والجنس يشتمل على أعداد كثيرة، والعبرة للمعنى لا للصورة، وكان اسمًا عامًا.
فإن قيل: أليس لو حلف لا يشرب الماء حنث بأدنى ما ينطلق عليه الاسم إلا أن ينوي الجميع؟
قلنا: إن من صرف إلى الخصوص بدلالة العرف وهو أن الحالف إنما يمنع نفسه
[ ١١٠ ]
باليمين مما يخاف على نفسه فعله، وذلك في نفس شرب الماء لا جميعه فانصرف إليه بدلالة الحال إلا أن ينوي الجميع فيصدق لأنه حقيقة، ولو كان مجازًا لما صدق في القضاء كما إذا نوى التخصيص فيما هو عام، هذا جواب عامة الشيوخ.
قال القاضي أبو زيد ﵁: والذي يصح عندي أن اسم الجنس عام ولكنه يتناول بحقيقة أدنى ما ينطلق عليه الاسم كما يتناول الكل بحقيقته، لأن القطرة من الماء صالحة لكونها كلًا فإن المياه لو انعدمت كانت القطرة كلًا وكان الاسم لها حقيقة، وكذلك الإنس يعم جنس بني آدم، وكان الاسم لآدم حين لم يكن إلا هو حقيقة، وكان كل الجنس فثبت أن البعض من الجنس صالح في ذاته لهذا الاسم حقيقة، وإنما صار بعضًا بمزاحمة أمثاله لا بنقصان في نفسه، وإذا كان كذلك ساوى البعض الكل في الدخول تحت الاسم فتأدى به حكم الكل إلا بدليل يرجح حقيقة الكل على الأدنى كقولنا: دراهم اسم للثلاثة حقيقة وللألف.
ولهذا قالوا- فيمن قال لامرأته: أنت طالق الطلاق، أو أنت الطلاق ونوى الوقوع-: أنها تطلق واحدة إلا أن يعني ثلاثا ًلأن الألف واللام لبيان الجنس فقام الأدنى مقام الكل في تأدي حكم الخطاب به إلا أن ينوي الكل، وإن أمكن تعليق الحكم بالكل فإنه معلوم ممكن فثبت أن العذر في الماء ليس ما قالوه ولكن ما قلناه، والله أعلم.
وأما كلمة"من" و"ما": فمن عامة فيمن يعقل لأنك إن قلت: من في الدار؟ استقام الجواب بكل من يعقل، ولا يستقيم الجواب عنه بالشاة والدابة، واستقام الجواب عنها بالواحد والجماعة فكانت بمنزلة اسم الجنس.
وإذا قلت: ما في الدار لم يستقم الجواب عنها بالعاقل ولكن بما لا يعقل ألا ترى أن فرعون لما قال لموسى ﵇: ﴿وما رب العالمين﴾ فأجاب موسى ﴿رب السموات والأرض﴾، قال فرعون: ﴿إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون﴾ لأني سألته عن المائية، وهو يجبني عن المنية فما يتناول ما لا يعقل فيكون سؤالًا عن أصل الشيء أنه جوهر أو عرض، ولكن لما تعالى الله عن المائية أعرض موسى عن سؤاله فإن من شأن الحكيم إذا سمع اللغو أن يعرض عنه، قال الله تعالى: ﴿وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم﴾ لأن الكلام كان جوابًا، ولكن بيان أنهم أعرضوا عن اللغو وتحقيق الإعراض بذكر كلام مبتدأ مفيد، فكذلك موسى أعرض عن جواب سؤاله لأنه كان لغوًا، وحقق الإعراض بذكر كلام مبتدأ مفيد وهو أن الله تعالى لا يصير معلومًا بذكر المائية فقد تعالى الله عنها ما هو بجوهر ولا عرض، ولكن يصير معلومًا بصفاته وأسمائه التي تعالى الله بها عن جنس المدبرين والحكماء ممن لهم عقل وتمييز على أن ما يقام مقام "من" مجازًا، وإنما الحد الذي قلناه للحقيقة.
[ ١١١ ]
فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿ومنهم من يستمع إليك﴾ ولم يعم هذا المستمعين أجمع!
قلنا له: لأن الله تعالى أخبر عن معهود استمع إليه وجعل الله تعالى على قلوبهم أكنة و"من" في المعرفة لا تعم بل تخص تلك المعرفة لأنها صالحة للخصوص كاسم الجنس على ما ذكرنا فيصير المراد بها إذا أضيفت إلى معرفة تلك العين لا غير، ألا ترى أنه لو قال: من في الدار من عبيدي الذين صاموا؟ لم يتناول غير الصائمين من عبيده لاستخباره عنهم لا غير.
فأما "من" في الاستخبار المطلق والوعد والمجازاة فلا تخص عينًا فتعم لعدم دليل التعيين.
قال علماؤنا- رحمهم الله تعالى- فيمن قال لآخر: من شاء من عبيدي العتق فأعتقه، فشاؤوا جميعًا: فإنه يعتقهم لعموم كلمة "من" فيمن تناولهم، وهو الذي شاء من العبيد.
فأما إذا قال: من شئت من عبيدي عتقه فأعتقه، كان له أن يعتقهم إلا الواحد بسبب كلمة"من" التي وضعت للتبعيض على ما بينا في موضعه، وقد دخلت على العبيد.
وفي المسألة الأولى دخلت على من شاء العتق فإنه يعم العبيد وغيرهم فميز العبيد من غيرهم وبعضهم، فأما "من" فقد أوجب التعميم حيث لم يقتصر على الواحد قال رسول الله ﷺ: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" وكان عامًا، وقوله: "من قتل قتيلًا فله سلبه".
فأما الألف واللام فإنها للتعريف في أصل اللغة، تقول العرب: رأيت رجلًا، ثم كلمت الرجل، أي كلمته بعينه، قال الله تعالى: ﴿كما أرسلنا إلى فرعون رسولًا، فعصى فرعون الرسول﴾ أي ذلك بعينه، وإذا لم يكن في كلامه نكرة سابقة يمكن تعريفها بالألف واللام اقتضى ضرورة تعريف جنس ما سماه لأنه متعين من بين الأجناس بالاسم إن لم يتعين فرد من أفراد الجنس للتعريف.
قال علماؤنا- فيمن حلف لا يتزوج النساء، فتزوج امرأة- حنث، كما إذا حلف لا يشرب الماء، بخلاف ما إذا حلف: لا يتزوج نساء، فإنه لا يحنث إلا بثلاث منهن فجعلت الصيغة بسبب الألف واللام عبارة عن الجنس، لأنا لو اعتبرنا معنى الجماعة صيغة الذي هو ثابت من قولنا: نساء على التنكير كانت الألف واللام لتعريف تلك النكرة،
[ ١١٢ ]
وذلك الاسم يتناول بعض الجنس غير معلومات فلا يمكن تعريفهن فلغى معنى الجماعة صيغة، وكانتا لتعريف الجنس لأن الجنس معلوم، وأما النكرة من الاسم كقول الله تعالى وتعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾، وقولنا: اشتر لي عبدًا بألف درهم، ولفلان علي درهم فللخصوص في أصل اللغة لأنه اسم وضع لفرد من أفرد الجملة، فتقول: رقبة من الرقاب، وعبد من العبيد. ولا تقول: النساء من النساء، ولا الماء من الماء، قال الله تعالى: ﴿إنا أرسلنا إليكم رسولًا شاهدًا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولًا﴾ فالمراد بذلك الواحد، وإذا كان للخصوص لغة قلنا: إذا جاءت في الإثبات خصت صورة ومعنى كقولك: رأيت رجلًا، ولفلان علي درهم، وقد حججت حجة، وكقول الله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾ فإنها للإيجاب، ولا تجب إلا واحدة، كقول النبي ﷺ: "في خمس من الإبل شاة" ولا يجب إلا واحدة.
فإن قيل: أليس قوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾ تناول كل رقبة حتى قيل تخصيص العمياء والمجنونة والمدبرة من الجملة؟
قلنا: إن الآية للإيجاب ولا يجب إلا تحرير رقبة واحدة، فأما المحل الصالح للأداء فعام ما من رقبة إلا وهي صالحة للتحرير، ولكن الصلاح ليس من حكم النص بل كان صالحًا له قبل النص ولكن كان التحرير قبل النص غير واجب وبالنص انقلب واجبًا فانقلب خاصًا لا عامًا بحكم النص كمن نذر أن يتصدق بدرهم يلزمه درهم، وكل درهم يصلح لأداء الصدقة وليس ذلك بحكم النذر بل كان صالحًا لها قبل النذر، ولهذا قيل: إن النكرة إذا كرر ذكرها كانت الثانية غير الأولى قال الله تعالى: ﴿فإن مع العسر يسرًا * إن مع العسر يسرًا﴾ قال ابن عباس ﵄: "لن يغلب عسر واحد يسرين" لأن اليسر كرر بلفظ النكرة، وهذا لأنها تتناول واحدًا من الجملة غير عين.
ولو انصرفت الثانية إلى الأولى لتعينت ضرب تعين بأن لا يشاركها غيرها فيه.
ولو كانت عامة لما كانت شيئًا آخر بالتكرار لأن المسمى على العموم واحد في البابين كاسم الجنس.
ولهذا قال أبو حنيفة ﵁، فيمن قال: لفلان علي ألف درهم وأشهد ثم كررها في مجلس آخر وأشهد: كانا مالين على اعتبار الحقيقة ولهذا لم تعتبر صفة الإيمان بحكم النص وهو قوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾ لأن النص سكت عن أوصاف الرقبة فيكون إثبات ما سكت عنه النص زيادة عليه لا تخصيصًا، بخلاف العمياء لأن الرقبة اسم لغير الهالكة لغة، والعمياء هالكة من وجه وإذا كانت النكرة في النفي عمت
[ ١١٣ ]
اقتضاء كقوله: ما رأيت رجلًا، وكقول الله تعالى: ﴿فلا تدعوا مع الله أحدًا﴾ إلا أنا ذكرنا أن الصيغة تناولت واحدًا من الجملة غير عين، فإذا كانت في النفي لم تتصور نفي ما أخبر إلا بنفي الكل فإنه إذا قال: ما رأيت أحدًا، وكان رأى رجلًا وهو واحد من الجنس كان كاذبًا ألا ترى أنه تستقيم العبارة عنه: رأيت رجلًا، وهذا لما ذكرنا أن المنصوص عليه نفي فعل أو إثبات فعل، وما يقع عليه الفعل محل الفعل، والنكرة يتناول أدنى ما ينطلق عليه الاسم من جنسه، فلا يتصور نفي الأدنى إلا بعد نفي الكل فيعم النفي اقتضاء لا نصًا، فأما النص في البابين فما يتناول إلا الأدنى.
أي
وأما كلمة "أي" فبمنزلة النكرة عندنا لأنها تصحب النكرة لفظًا ومعنى لاستحضارها فيقول: أي رجل فعل هذا، وأي دار تريدها، قال الله تعالى: ﴿أيكم يأتيني بعرشها﴾ أي رجل منكم وهي نكرة معنى لأن المراد بها واحد منهم.
وقال علماؤنا ﵏؛ في رجل قال لآخر: أي عبيدي ضربته فهو حر، فضربهم جميعًا: لم يعتق إلا واحد وهو الأول.
فإن قيل: لو قال: أي عبيدي ضربك فهو حر، فضربوه، عتقوا جميعًا، وقال الله تعالى: ﴿ليبلوكم أيكم أحسن عملًا﴾ وقد تناول الكل!
قلنا: لأنه وصف النكرة بالضرب فميز للوصف جنس الضاربين عن غيرهم كما إذا وصف النكرة بصفة عامة كقولنا: لا أكلم الناس إلا رجلًا كوفيًا فإنه يخرج عن اليمين جميع رجال الكوفة لعموم الوصف من حيث انصرافه إلى تمييز الجنس كأنه قال: إلا كوفيًا.
فأما إذا قال: أي عبيدي ضربته، فالضرب مضاف إلى المخاطب فبقيت العبرة للعبد الداخل تحت كلمة "أي" فكان خاصًا كالنكرة.
فإن قيل: لو قال: أيكم حمل هذه الخشبة فهو حر، فحملوها جميعًا، وهي خفيفة يحملها كل واحد، لم يعتقوا وإن عمهم صفة الحمل.
قلنا: إنه ما ميز العتق بالحمل مطلقًا، ولكن بحمل الخشبة فإذا حملوها جملة فما اتصف واحد منهم بحمل الخشبة، وإنما اتصف بحمل البعض فلم يوجد الوصف الذي تعلق العتق به، فأما الضرب فيتم من الواحد بفعله وإن ضرب معه غيره، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿أيكم يأتيني بعرشها﴾ إلا أن تكون الخشبة ثقيلة لا يحملها الواحد فإنهم يعتقون لأن دلالة الحال تدل على أن المراد به الحمل الممكن وهو الحمل على الشركة إذ باليمين لا يمنع نفسه عما ليس يمكن عادة، فينصرف المطلق إلى المعتاد إلا أن لا يحتمل
[ ١١٤ ]
المعتاد، وكذلك قول الله تعالى: ﴿ليبلوكم أيكم أحسن عملًا﴾ كان على العموم لعموم صفة العمل الحسن وما ذهب علينا ممن لم نذكره فهو قياس ما ذكرنا والله أعلم بالصواب.
[ ١١٥ ]
باب