الاعتراضات الصحيحة أربعة أوجه من الممانعة، ثم أربعة أوجه من المعارضة.
وأما الفاسدة فالمفارقة بين الأصل والفرع بعلة أخرى تذكر في الأصل لا توجد في الفرع.
ووجود الحكم في حادثة عدمت العلة فيها.
ووجود العلة ولا حكم، وكذلك الاعتراض ببيان فساد الوضع فاسد على العلل المؤثرة.
أما الممانعة فصحيحة لأن المجيب إذا ادعى الحكم فلم يسلم له فافتقر إلى دليله فادعى أن الوصف الذي ذكره هو العلة في ذلك فلا بد من إثباته بدليل، وسنذكر وجوهها في باب على حدة.
فإذا ذهبت الممانعة وصحت العلة مؤثرة ثبتت حجة بدليلها المجمع عليه فلا يبقى بعد ذلك إلا الاعتراض بقلب مبطل أو عكس كاسر أو معنى مانع من العمل أو معارضة بقياس آخر على ما نذكرها من بعد.
فأما الترجيح بعد المعارضة من السائل فلإلزام الخصم حجته لا لدفعه عن نفسه ويأتيك لبيان وجوه الدفع فإنها تنتهي بالمعارضة فلا يبقى بعد المعارضة للمجيب على السائل إلزام.
وإنما قلنا: إن المفارقة اعتراض فاسد وقد سماها أهل الطرد "مفاقهة"، وكل المفاقهة في الممانعة حتى يبين المعلل تأثير الوصف فكل الفقه فيه.
فالفقه حكمة باطنة والوصف ظاهر، والأثر باطن فإنه حكم شرعي ثابت به.
فالمفارقة ليست بفقه بل هو جدال ومراء، وذلك لأن ذكر السائل علة أخرى تعدم في الفرع لا تدفع علة المجيب في الأصل لجواز أن يكون الأصل معلولًا بعلتين فإذا لم يدفع لم يقع بذكرها ممانعة.
ولم يقع الاختلاف في حكم علة ذكرها السائل ليسمع منه لإلزام حكمها فيصير ذكرها لغوًا لا فقهًا.
[ ٣٢٧ ]
ولأنه لم يصنع شيئًا بما ذكر في الفرع المختلف فيه إلا إن أرانا عدم علة ذكرها في الفرع.
والعدم لا يوجب عدم الحكم على ما مر ولا يكون حجة موجبة وإنما يكون دليلًا على عدم حكمها حال عدم سائر الحجج.
فأما حال قيام حجة أخرى فلا وقد ذكر العدم ههنا حال قيام حجة أخرى فهذا الرجل بهذه المفارقة أراد دفع الحجة بعدم الحجة وإنه غاية في الجهل، وسلم ابتداء أن ما احتمل لا يكون حجة بالدعوى وإنه غاية في الغباوة.
وكذلك بيان فساد الوضع اعتراض فاسد على العلل المؤثرة.
لأن التأثير لا يثبت إلا بدليل مجمع عليه ودعوى فساد الوضع دعوى أن الوصف نابي عن هذا الحكم ودعوى النبوة بعد ثبوته مؤثرًا لا يتصور.
وكذلك دعوى المناقضة لأن المناقضة حدها أن توجد العلة على الوجه الذي جعلت علة بلا مانع ولا حكم معها فيكون بمنزلة إنكار الشاهد شهادته، وهذا لا يتصور بعد ثبوت التأثير بدليل مجمع عليه لأن الإجماع أو النص لا يرد عليه نقض، ولكن قد يمتنع عن العمل به لمانع، وكذلك الاعتراض بوجود الحكم ولا علة لما مر أنه جائز ذلك بعلة أخرى، وأن عدم العلة قط لا يوجب عدمًا، والله أعلم.
[ ٣٢٨ ]
باب