قال القاضي ﵀: نبدأ بالشروط لأن الركن لا يعمل إلا معها وهذا كالرجل يريد النكاح فسبيله أن يبدأ بإحضار الشهود، وكذلك من يريد الصلاة فسبيله أن يقدم الوضوء ويستر العورة.
وجملة شروط القياس الصحيح أربعة.
أن يكون الأصل غير مخصوص بحكمة بنص آخر.
وأن لا يكون الحكم معدولًا به عن القياس.
وأن يتعدى الحكم الشرعي بنص بعينه إلى فرع هو نظيره ولا نص فيه.
وأن يبقى حكم الأصل المعلول بعد التعليل على ما كان قبل التعليل.
أما الأول: فلأنه متى ثبت اختصاص الحكم بنص آخر لم يجز إبطال الخصوصية الثابتة بالنص الآخر بالقياس لأن القياس ليس بحجة في معارضة النص على ما مر.
وأما الثاني: فلأن حكم النص متى ثبت على وجه يرده القياس الشرعي لكنه ترك بمعارضة النص إياه ومجيئه بخلافه لم يجز إثباته في الفرع بالقياس كالنص إذا جاء نافيًا لحكم لم يجز إثباته به، وكذلك لا يجوز إثبات التحريم في عين بنص جاء محللًا إياه.
وأما الثالث: فلأن المقايسة هي المحاذاة بين الشيئين فلا يتصور ثبوتها في شيء واحد ولا إذا لم يكن نظيرًا، ومتى لم يتعد الحكم إلى فرع بقي الأصل وحده، ولا يكون النظر لإثبات الحكم فيه مقايسة فعلمت أن محل المقايسة حادثتان ليسوى بينهما بالمقايسة، ومحل ما ينفعل فيه الأقوال والأفعال شرط لصحتها في كل باب كالحي شرط ليكون صدمته ضربًا، وقطعه قتلًا.
فأما كون الحكم شرعيًا فلأن الكلام مفروض في القياس على أصول ثابتة شرعًا، ولا يعرف بالتأمل فيها ما كانت ثابتة لا شرعًا كما لا يعرف بالتأمل في أصول الشرع أحكام الطب واللغة.
وأما الرابع: فلأن النص فوق القياس فلم يجز استعمال القياس لتغيير حكمه بوجه، ولأن الرأي مشروع حجة بعد النص فلم يبق حجة حيث ثبت فيه النص على سبيل المعارضة بحال ما.
[ ٢٧٩ ]
وقال الشافعي: يجوز أن يكون الفرع حادثة فيها نص فيزداد بالقياس بيان ما كان النص ساكتًا عنه، ولا يجوز إذا كان مخالفًا للنص لأن الكلام وإن ظهر معناه يحتمل البيان الزائد ولا يحتمل الخلاف فيبطل القياس إذا جاء مخالفًا.
وقال أيضًا: يجوز تعليل النص بالرأي بما لا يتعدى حكمها إلى فرع ومثل هذا التعليل لا يكون مقايسة.
وعندنا لا يجوز متى لم يكن مقايسة ولم يتعد فإذا صار من شرط صحته تعليل النص أن يتعدى حكمه إلى فرع لا نص فيه عندنا.
وعنده لم يكن شرطًا وتبين بهذا الحد أن حكم العلة عندنا تعدي حكم النص إلى الفرع.
وعنده تعلق الحكم في النص المعلول بتلك العلة لا التعدي واحتج بأن العلة المستنبطة بالرأي نوع حجة من حجج الله تعالى لوجوب العمل بها على ما مر.
والحجج الشرعية اسمًا لما تعلق وجوب الأحكام التي ابتلينا بإقامتها بها فكذا العلة يجب أن تكون اسمًا لما تعلق وجوب الحكم بها إلا أنا كنا لا نقف عليها بالنص ووقفنا عليها بالرأي.
وإذا وقفنا وجب تعليق الحكم بها ولزمنا أن نعرفها علة بهذا الحكم لا بالتعدي.
ولأن الوصف من بين الجملة إنما يصير علة للنص إذا تعدى بدليل أوجب التمييز بينه وبين سائره لا بالتعدي.
ومتى قام ذلك الدليل بعينه ثبت الوصف علة فإن تعدى كان عامًا وإن لم يتعد كان خاصًا فإن لم يقو بأن كان خاصًا لم يبطل كالنص قد يكون خاصًا وقد يكون عامًا ولا يضعف بكونه خاصًا.
والجواب عنه وهو الحجة لنا: أن التعليل إنما يصار إليه ليكون حجة زائدة بعد النص، وحجج الله تعالى إما أن تكون حججًا لإيجاب العلم أو لإيجاب العمل والتعليل بالرأي لا يكون حجة موجبة علمًا.
وإنما يصير إليه لفائدة العمل فإذا لم يتعد لم يفد عملًا فيما لم يتناوله بالنص، ولا فيما تناوله النص لأن النص فوق العلة.
ولأنه بالإجماع لا يجوز تغيير حكم النص المعلول بعلته فإذا لم يتغير وبقي الأول بعينه والنص فوقه في الإيجاب وجب إضافة الحكم فيما تناوله النص إليه دون العلة، وإذا لم يبق لها حكم لغت.
فإن قيل: يثبت بها اختصاص الحكم بالنص فالنصوص ضربان: ما يقاس عليه غيره، وما يختص الحكم به.
[ ٢٨٠ ]
قلنا: هذه الفائدة حاصلة متى لم يعلل النص وعلق الحكم بعين النص، ولأن تعليل النص بعلة خاصة لا يمنع التعليل بعلة أخرى عامة كما يجوز التعليل بعلتين متعديتين أحدهما أكثر تعديًا من الأخرى دل عليه أن عدم العلة لا يوجب عدم حكمها على ما تأتيك المسألة، وإذا لم يوجب العدم لم يوجب قصر الحكم بوجودهما فلا يثبت ما ادعيت.
فإن قيل: تبقى العلة لإفادة معرفة الحكمة من المشروع.
قلنا: الحكمة مقصورة فيما ابتلينا بها من الأحكام على العاقبة التي بها تثبت حكمة التخليق والاستعباد، وهي من باب العلم والاعتقاد لا من باب العمل، والرأي لا يوجب العلم وإنما يصح القياس لبيان حكمة يتعلق بها العمل فيلغو، إلا على سبيل أن يقال يحتمل أن يكون لحكمة كذا.
ويحتمل كذا فيخرج عن حد الحجة وبهذا الحد يفرغ المرء عن التكليف بمعرفة كثير من الأدلة المنقولة من أخبار الآحاد والنظر بأغلب الرأي فإنهما ليسا بحجة في إفادة العلم.
فمتى لم ترد موجبة عملًا وجب الإعراض عنها بالنظر فيما كلفنا العمل به أو فيما يفيد العلم.
ومثال ما لا يتعدى من العلة تعليلهم الذهب بالذهب مثلًا بمثل بالثمنية، فإنها لا تعدو الذهب والفضة والشرع نص عليها.
وأما الفصل الثاني وهو التعدي إلى حادثة منصوص عليها فلأنا إن عدينا إليها حكم ذلك النص بعينه فما أفاد التعليل شيئًا فأشبه الذي لا يتعدى.
وإن عدينا حكمًا يخالفه بأصله لم يجز بالإجماع لأنه رفع لحكم النص بالقياس.
وإن عدينا حكمًا بوصف زائد فهو أيضًا تعرض لحكم ذلك النص بالرأي.
وكما لم يجز أن يتعرض لحكم النص المعلول بالرأي بتغيير وصف أو زيادة وصف أو تخصيص لم يجز التعرض لحكم النص الآخر بمثله لأنهما مثلان ولأن النص أولى بالعمل به من القياس.
ولأنا متى زدنا على حكم النص زيادة لم يتناولها النص كان بمنزلة النسخ والرفع على ما مضى وأنه في الحقيقة يبتنى على تلك المسألة فالزيادة عنده بيان، وعندنا نسخ وهو من جملة ما جوز تخصيص العام بالقياس والمسألة قد مرت.
وأما التخريج على الشروط المتفق عليها بأن نقول: أما فصل الحكم المخصوص بالنص فإن رسول الله ﷺ قضى بشهادة خزيمة وحده، وكان مخصوصًا به وقد اشتهر بين الصحابة بهذه الفضيلة وبدليل أن كتاب الله تعالى قصر تفسير الاستشهاد الذي شرعه حجة على الشاهدين، وفسر أنهما رجلان أو رجل وامرأتان فيصير قبول شهادة خزيمة، وحده مخصوصًا لأن النص يرده في غيره.
[ ٢٨١ ]
وكذلك حل تسع نسوة لرسول الله ﷺ لأن الله تعالى قصر الأمر في الأمة على الرباع.
وكذلك حل البضع لرسول الله ﷺ بغير مهر بقوله: ﴿خالصة لك من دون المؤمنين﴾ هذه متفق عليها، وجواز النكاح بلفظ الهبة ثابت عندنا استدلالًا بنكاح رسول الله ﷺ.
وعند الشافعي لا يجوز لأن النبي ﷺ كان مخصوصًا به بقوله: "خالصة لك من دون المؤمنين".
وتفسيرها عندنا: هبة خالصة لك بلا عوض، أو نفسها خالصة لك لا تحل لغيرك بعدك، لأن الخصوصية لرسول الله ﷺ إنما تصح شرعًا بما فيه ضرب كرامة ولا كرامة في الاختصاص بالتكلم بلفظ دون لفظ، وإنما الكرامة في أن لا يجب المهر ولا تحل هي لغيره.
وكذلك كل حكم جاز رخصة لعذر يختص به ولم يجز تعديه بالرأي كحل الميتة عند الضرورة.
وجواز السلم بأجل فإنه لا يجوز تعليله لأنه بيع سلم فيجوز حالًا كبيع العين بدراهم لأن الأصل الثابت شرعًا حرمة بيع الشيء ما لم يكن عينًا مملوكًا مقدورًا على تسليمه كما روي عن النبي ﷺ: "نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان".
وكذلك بالإجماع من باع شيئًا ثم اشتراه وسلم لم يجز وإنما جاز السلم وهو بيع ما ليس في ملكه ولا في يده، ولا عين رخصة لعذر العدم على ما روي ورخص في السلم وذلك لأن المعدم يحتاج إلى النفقة ولا يجد عينًا حاضرًا، وربما يكون بحيث يأتيه البيع في الثاني على ما عليه عادات الناس فلو لم يجز له بيع ما يأتيه لحرج وبقي في عذاب العدم فرخص الشرع له البيع سلمًا لعذر العدم.
ورخص بأجل لأن المعدم لا يقدر على التسليم إلا باستحداث سبب الملك فيما باع، وبسبب عجزه في الحال جوز البيع سلمًا فأبيح بأجل ليتمكن من ملك ما باع فيه على ما عليه تبدل الأحوال في الوجود باختلاف المدد فاختص الجواز بالأجل الذي هو الممكن إياه من التسليم حين وجوب التسليم بالعقد ومانع للعقد من إيجاب التسليم حال العدم فالعجز عن التسليم حال الوجوب بالبيع مفسد للبيع.
وكذلك المنافع جعلت أموالًا كالعيان في التجارات، ولم تجعل عندنا كذلك في الإتلاف والغصب وكانت ماليتها معادلة لمالية الأعيان مخصوصة بالتجارات عندنا لأن
[ ٢٨٢ ]
الأصل فيها أن ماليتها دون مالية الأعيان بدرجات لأن المنافع أعراض لا تبقى زمانين والأعيان جواهر تبقى أزمنة، وتفاوت ما بين الجوهر والعرض بحيث لا يخفى.
وكذلك ما يبقى وما لا يبقى إلا أن الشرع سوى بينهما في التجارات لحاجة الناس إلى المنافع حسب حاجتهم إلى الأعيان لإقامة المصالح وتعذر وصول المحتاج إلى المنفعة إلا بمال هو عين وهذه الضرورة غير ثابتة في الإتلافات لأنه منهي عنها، والسبيل أن لا توجد فلم تلتحق في حق الإتلاف بالعين وكذلك جواز بيع المنفعة قبل الوجود، والملك ثابت لضرورة أنها لا تبقى موجودة فلا يمكن بناء البيع على الوجود وهذه الضرورة معدومة في الأعيان، فصار حكمها مخصوصًا بموضع الضرورة.
وأما فصل الحكم المعدول به عن القياس فنحو بقاء الصوم مع الأكل ناسيًا للصوم لأن الصوم عبارة عن الكف عن الأكل والشرب والجماع، فإذا جاء الأجل ذهب الكف عنه فينعدم الأداء والعبادة قط لا تتأدى بلا أداء عقلًا ولا شرعًا كتارك الصلاة والحج والزكاة بعذر أو بغير عذر فصار الحكم أنه مؤدي صومه مع عدم الأداء حكمًا معدولًا به عن القياس.
فلم يجز قياس المكره، والمخطئ عليه وهم أغيار.
ولا قياس الصلاة والحج على الصوم وهن أغيار.
وجوزنا إبقاء الصوم مع الجماع ناسيًا والنص لم يرد فيه لأنه من جنس الأكل من حيث إذهاب الأداء فالصوم تأدية بالكف عن اقتضاء شهوتي بطنه وفرجه في الحقيقة وذهاب الصوم باقتضائهما بطريق فوت الأداء الذي هو ركن العبادة فكانا جنسًا واحدًا.
وإن اختلف الاسمان كالأكل والشرب جنس واحد في حق الإفطار، وإن اختلف الاسمان وحز الرقبة وشق البطن باب واحد في أنهما قتل وإن اختلف الاسمان.
وكذلك خروج دم الاستحاضة لا يكون حدثًا في الوقت لضرورة الدوام وثبت في حق سلس البول لأنه من حيث أنه حدث باب واحد.
فإن قيل: وكذلك الأكل والشرب خطأ وناسيًا جنس واحد في أن الآكل ما قصد الفطر بأكله.
قلنا: ويجب أن يثبت أولًا أن حكم الفطر يسقط من الناسي لأنه لم يقصد الفطر وليس كذلك فالذي أغمي عليه ولم ينو الصوم لا يكون صائمًا، وما قصد ترك الصوم ولما ذكرنا أن إثبات الأداء بلا أداء خلاف الرأي فلا يثبت إلا بالنص والثابت بالنص ما قاله رسول الله ﷺ: "فإن الله أطعمك وسقاك" أي هو الذي ألقى النسيان عليك حتى أكلت
[ ٢٨٣ ]
بذلك السبب، ولم نجد في المخطئ لأن الخطأ جاء من قبل الصائم بأن قصد المضمضة فسبق الماء حلقه أو من جهة المكره وما يكون مسقطًا من قبل صاحب الحق لا يدل على أنه يكون مسقطًا من قبل غيره.
ألا ترى أنه يسقط أصلًا بالمرض ولا يسقط أصلًا بمنع المكره عن أصل الصوم أو أصل الصلاة فصار حد ما لا يعقل سببه بالقياس أن يثبت شرعًا بخلاف ما يوجبه العقل في نفسه، والقياس على سائر أصول الشرع فإنه متى ثبت على قياس ما ثبت شرعًا صار معقولًا بالرأي الذي أوجبه الشرع.
والقياس الشرعي بمثله يكون ومن هذا القبيل قياس من ذبح وترك التسمية عمدًا على من ترك التسمية ناسيًا لأن التسمية شرط الحل.
وإنما أحللنا ذبيح من ترك ناسيًا بالحديث على أنا جعلناه مسميًا حكمًا بخلاف القياس كمسألة الكل في الصوم ناسيًا سواء.
ومن الناس من ظن أن المستحسنات من هذا السبيل، وليس كذلك فمن المستحسنات ما هو قياس محض لكنه خفي على ما بيناه في آخر الكتاب.
ومن الناس من ظن أن الأصل الواحد إذا عارضه أصول بخلافه كان الواحد بحكمه معدولًا به عن القياس، وليس كذلك، لما ذكرنا أن حد المعدول عن القياس أن يجيء بخلاف ما يوجبه العقل والقياس الشرعي والعقل لا يوجب أن يكون للفرع أصول حتى يعلل بعد ذلك، ولا القياس الشرعي يوجب ذلك.
وهذا لأن الأصل بمنزلة راوي الحديث على ما يأتيه بيانه، والوصف الذي يجعله علة بمنزلة الحديث ورواية الحديث تصح من راوٍ واحد إلا أن الأصول إذا كثرت ربما أوجبت ترجيحًا عند المقابلة كالخبر يكثر رواته في مقابلة حديث يشد روايته فثبت أن المعدول به عن القياس إنما يعرف بالحد الذي بيناه.
ومن جملة ذلك حديث الأعرابي الذي واقع امرأته في نهار رمضان فأتاه رسول الله ﷺ بما يكفر به فذكر حاجته إليها فقال رسول الله ﷺ: "كله وأطعمه عيالك" لأن التكفير إنما يكون بما يقع عليه من بدني أو مالي لا بما يقع له والله أعلم.
وأما فصل تعدي الحكم، ففصل عظيم الفقه، عزيز الوجود ومثاله فيما قال الشافعي: إن كفارة اليمين تجب بالغموس قياسًا على المعقودة لأنها يمين بالله تعالى مقصودة لأن التعليل لم يقع لتعديه حكم المعقودة إليها، وهو الكفارة المشروعة بل لتعدية اسم اليمين الثابت لغة.
[ ٢٨٤ ]
وبيان ذلك أنا أجمعنا أن كفارة اليمين لا تجب بغير اليمين، واختلفنا في الغموس أيمين حقيقة أو يمين تسمية مجازًا كبيع الحر وطلاق الأجنبية فقلنا نحن أنها ليست بيمين حقيقة بل هي يمين تسمية مجازًا فكانت غير اليمين حقيقة كبيع الحر وطلاق الأجنبية، فلا تجب كفارة اليمين بما ليس بيمين، ولم يجز إثبات اسم اليمين وهو اسم لغوي بالقياس الشرعي بل يجب تعرفه من طريق لسان العرب، فيقال أن اليمين عقد على الخبر لتحقيق الصدق منه وضعًا وشرعًا، فلا يكون محله إلا الخبر المحتمل للصدق ليستحضر باليمين صدقه.
فأما الكذب الذي لا يحتمله فلا يكون محلًا كالبيع لما شرع لتمليك المال لم يكن الحر محلًا.
وكالطلاق لما كان قطع ملك النكاح إما عاجلًا وإما آجلًا لم تكن المرأة التي لا نكاح لها ولا عدة نكاح محلًا.
وكذلك أبو حنيفة ﵁ أبطل قياس اللواطة على الزنا في إيجاب الحد لأن حد الزنا لا يجب إلا بالزنا فالتعليل يقع لإثبات الاسم، وأنه اسم لغوي وكذلك لا يجوز تحريم المثل الشديد بالقياس على الخمر من طريق إثبات اسم الخمر له بالقياس بعلة أنه مسكر لأن اسم الخمر اسم لغوي.
فإن قال قائل: أنا نثبت الاسم بمعناه لغة لا شريعة، فالزنا اسم لجماع يقصد به سفح الماء دون الولد، وقد وجد في اللواطة، والخمر اسم لما يخامر العقل.
قلنا: إن الأسامي في الأصل إعلام على المسميات سواء كانت اسمًا للأعيان، أو للأفعال فلم يجز إثباتها بمعناها القائم في المسميات، وقد وضع الاسم لتعريف المسمى بعينه لا بمعناه كاسم الجبل والعظم والخنفسات، وما لا يعقل لها معنى وليس إيجابنا كفارة الفطر بالجماع على الأكل إيجابًا بالقياس لأن تلك الكفارة ليست بكفارة جماع بل هي كفارة إفطار الأكل والشرب والجماع من حيث إيجاب الفطر باب واحد لما ذكرنا أن الصوم إنما يتأدى بالكف عن اقتضاء الشهوتين.
والفطر بالاقتضاء يقع من حيث إعدام الكف، فكان الباب واحدًا من حيث الآلات.
وإنما تختلف أسماء ما يقع به الفطر كالقتل باب واحد بأي آلة قتل المقتول إذا استوت الآلات في إيجاب ما يكون قتلًا.
وقلنا: إن إيجاب الكفارة بجماع الميتة والبهيمة إيجاب بالقياس لأنه من حيث اقتضاء الشهوة باب واحد لن المحل غير مشتهى طبعًا، وكان بمنزلة الاستمناء بالكف أو في شقاق الفخذ.
وإنما يسمى جماعًا مجازًا بالصورة كيمين الغموس فيكون الإيجاب به من غير إثبات الاسم ساقطًا.
[ ٢٨٥ ]
ويكون التعليل والقياس الشرعي لإثبات الاسم ساقطًا بل يجب معرفته بمعنى اللغة في أن اقتضاء الشهوة لا يتصور إلا بمحل مشتهى لذلك الباب، وكذلك لم يوجب القطع على النباش لأنه حد والنص ورد باسم السرقة وعدم الاسم فيه بمعناه لأن السرقة اسم للأخذ مسارقًا عين صاحبه، وإنه لا يتصور في الكفن لأن صاحبه الميت.
وسقط القياس الشرعي لإثبات الاسم ولا قطع بالإجماع بدون اسم السرقة، وهذا لأن الأسماء ضربان: حقيقة ومجاز.
وسبب الحقيقة وضع الواضع وإنه لا يعرف إلا بالسماع.
وسبب المجاز استعارة العرب الاسم لاسم بطريق ثبت لسانًا لهم فلا يعرف طريق استعمالهم اللغة بالشريعة والنظر في أصولها بل يعرف بالنظر في كلام العرب واستعمالهم.
ومن هذه الجملة الكلام في أن ألفاظ الطلاق هل تصلح كناية عن العتاق أم لا ولفظ التمليك هل يصلح كناية عن النكاح أم لا، وإذا قال أنت طالق ونوى ثلاثًا يصح أم لا؟ وإذا اختلف الشاهدان بالمال بالمائة والمائتين أتقبل على المائة أم لا؟
لم يجز إثبات شيء منها بالقياس الشرعي لأن احتمال طالق الثلاث وعدم احتماله، وصلاح اللفظ كناية عن آخر ليس بحكم شرعي بل هو لغة، فلا تعرف معاني اللغة إلا بالنظر فيها دون القياس الشرعي، فهذا كله من جنس ما لا يعقل بالقياس الشرعي وقد تكلموا في هذه المسائل بأقيسة شرعية وما تكلموا إلا لقلة النظر فيما هم فيه.
فإن قيل: والفقهاء قد تكلموا في باب الحدود والإيمان بالقياس!
قلنا: ما تكلموا بالقياس لإيجاب حد به ولا لإثبات اسم، وإنما تكلموا لبيان الشبه المسقط للحد مع تحقق أسبابها فإنها مما يسقط بالشبهات وسقوط الحد ليس بحد فصحت المقايسة لتعدية السقوط من محل إلى محل آخر لاجتماعهما في الشبهة.
ومن هذه الجملة تعليلهم الرقبة الواجبة في القتل إنها تحرير في تكفير فكان الإيمان شرطًا فيها ثم التعدية إلى كفارة اليمين والظهار.
لأنهم بهذا التعليل يتعرضون للكفارة الواجبة باليمين والظهار نصًا في أنه تحرير رقبة مطلقة، أو موصوفة بالإيمان، وزيادة الوصف بمنزلة زيادة القدر ولما كان تعرضًا للحكم الثابت نصًا امتنع.
ألا ترى أنه لم يجز لجعل الإطعام إطعام ستين مسكينًا، ولا الصوم ستين يومًا.
ولما ذكرنا أن من شرط صحته أن نعدي حكم النص من غير تعرض للحكم الثابت نصًا بوجه.
وكذلك قولهم حد الزنا لا يوجب رد الشهادة بعد التوبة لأنه حد في كبيرة وأثبتوا
[ ٢٨٦ ]
هذا الحكم في حد القذف هذا تعرض لحكم حادثة القذف الثابت نصًا فإنا نقول: حده الجلد وتحريم قبول الشهادة وعندكم حد الجلد لا غير، والشهادة لا تقبل لفسقه كفاسق لم يقذف، وأنت بهذا التعليل تريد أن تنقص حد القذف عما أوجبه النص فلم يجز إثباته بالقياس بل سبيلك إن أنكرت أن تتأمل في نص هذه الحادثة دون القياس.
وكذلك قولهم: كفارة الإطعام لا تصح إلا بالتمليك قياسًا على الكسوة لأنه ضرب تكفير يقبل التمليك لأن الاختلاف وقع في قدر الواجب بنص التكفير.
فقلنا نحن: إنه هو الإطعام بلا قيد التمليك.
وأنت تقول إنه واجب بهذا القيد فكان كاختلافنا في التحرير أنه تحرير رقبة مطلقة أم مقيدة بالإيمان، وهذا كما لم يجز إثبات مقادير أعداد الركعات بقياس بعضها على بعض.
وكذلك قولهم: إن الحرمة بين المتلاعنين تجب بلعنات الزوج من هذا القبيل لأن اللعان واجب بالرمي بنصه كحد القذف، وإنها شهادات مؤكدة بالأيمان مزكاة باللعنة محرمة للاجتماع بعد التلاعن منهما بالسنة "المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا" فكان إيجاب الحرمة بلعنات الزوج زيادة في الحكم وكذلك زوال الملك بعد التلاعن لا يجب إلا بالقضاء لأن الثابت بالنص: "المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا" وحرمة الاجتماع مما تثبت مع قيام الملك.
كما إذا أسلم أحد الزوجين فلا نزيد زوال الملك بالقياس فيكون تعرضًا لحكم النص بالزيادة، بل نوجبها بعد الحرمة لفوات الإمساك بالمعروف بحرمة الاجتماع أبدًا إذا أصرا على هذه الحالة كما أوجبناها في إسلام أحد الزوجين، وإباء الآخر فلا يكون حينئذ من الحد الواجب باللعان.
وكذلك الملاعن إذا أكذب نفسه بعد التفريق حلت المرأة له، لأن الشرع أثبت حرمة الاجتماع أبدًا على المتلاعنين وهو بالإكذاب نفسه خرج عن التلاعن ألا ترى أنه يقام عليه الحد الأصلي، وهو حد القذف وإنه لا يجب مع اللعان.
وألا ترى أن حرمة الاجتماع أبدًا ثابت باللعان قبل قضاء القاضي، ولو أكذب نفسه قبل القضاء حلت له بسقوط اللعان حكمًا في حق الزوج وعود الأمر إلى حال لعان أحدهما دون الآخر فمن أوجب بالقضاء حرمة مؤبدة مضافة إلى اللعان صار متصرفًا في حكم اللعان فلا يجوز بالقياس.
وظن مخالفونا أنا تعرضنا لحكم النص بقولنا إن حقوق الله تعالى المالية تتأدى بالقيم، قالوا: لأن النص عين مالًا باسمه وأنت بالتعليل تبطل التعيين.
[ ٢٨٧ ]
وكذلك جعل الأصناف السبعة مستحقين للصدقات وأنت بالتعليل أبطلت الاستحقاق.
وكذلك النص عين التكبير للتحريم بالصلاة وأنت بالتعليل تبطل التعيين وعين الماء لإزالة النجاسة وأنت بالتعليل تبطل التعيين لأن الاختلاف بيننا وبينه وقع في معرفة حكم النص.
فقلنا نحن بالنصوص التي أوجبت الحقوق المالية لله تعالى وجبت لله تعالى بأسمائها الثابتة بالنص.
ونحن بالتعليل لم نغير الواجب لله تعالى فالواجب لله تعالى شاة من النصاب قبل التعليل وبعده غير أنا قلنا: ما يجب لله تعالى يجب الإخراج إليه كالصلاة وحقوق سائر المستحقين ولا يجب الإخراج إلى غير المستحق إلا بسبب آخر فعلمنا أن الصرف إلى الفقير وجب بأمر صاحب الحق وهو الله تعالى، فأمرنا الله تعالى بالصرف إليهم بأرزاقهم التي استحقوها من عطاء الله تعالى وفضله فصاروا مصارف لما وجب الله تعالى يتأدى بالصرف إليهم لا مستحقين وهم مصارف بأجمعهم قبل التعليل وبعده.
وإنما حقهم في أرزاقهم بجنس المال، وتصير لهم الزكاة إذا قبضوها بحقهم.
وإذا كان كذلك صارت هذه الأموال الواجبة بأسمائها صالحة لقضاء حق الفقير في رزقه بها لا أنها صارت واجبة لهم قبل الأخذ، وهي بعد التعليل صالحة كما قبل ذلك فما تعرضنا بالتعليل للحكم بالتغيير بل عديناه إلى غير المنصوص عليه.
وكذلك أركان الصلاة أفعال أعضاء البدن ومن جملة الأعضاء اللسان فكان الركن فعلًا منه سمي ذكرًا وثناء.
والتكبير كلمة صالحة لأداء هذا الحكم به وبعد التعليل بقي صالحًا عينًا كذلك.
وكذلك الواجب في الغسل تطهير الثوب بإزالة النجاسة عنه لا استعمال الماء والماء آلة صالحة للإزالة، وبعد التعليل بقي صالحًا كذلك عينًا وهذا كما أمرنا الشرع بالاستنجاء بثلاثة أحجار وحجر واحد له ثلاثة أحرف يقوم مقامها لأن الواجب إزالة النجاسة عن الموضع لا استعمال الحجر لنفسه فلم تصر الحجارة مستحقة الاستعمال بل صارت آلة بالنص وبعد التعليل بقيت آلة.
ومن هذا القبيل أنا متى اختلفنا من صوم يوم النحر أهو صوم أم لا، أو في صلاة الظهر يوم الجمعة قبل الجمعة مع وجوب الجمعة وبيع الربا أهو مشروع أم لا؟ لم يجز التكلم فيها بالقياس الشرعي لأن الخلاف ثابت في معرفة حكم النهي أنه بأي قدر يعمل.
والنهي لغة كالأمر فلا يعرف حكمه بالقياس الشرعي.
[ ٢٨٨ ]
وكذلك إذا اختلفنا في حكم النكاح المملوك للرجل على المرأة أنه في حكم ملك العين أو المنفعة لم يجز إثباته بالقياس لأنه ملك عرف ثبوته شرعًا بخلاف القياس لأن المرأة بعينها وأجزائها، ومنافعها لها بعد العقد كما كانت قبله فكان إثبات الملك عليها من غير إمكان الإشارة إلى شيء منها شرعًا حكم معدول به عن القياس فلا يعرف بالقياس على ملك ثابت بالقياس لأنهما غيران، وكان بمنزلة إباحة الميتة عند الضرورة من إباحة الذكية ولكن يجب التأمل في الدليل الذي أوجبه.
ولأن من شرطه أن يكون الفرع نظيرًا للأصل في الحكم الذي وقع التعليل له.
والنكاح عقد تمليك لا نظير له من سائر التمليكات لأن سائره ما شرعت إلا في الأموال التي خلقت محلًا لملك الآدمي، وهذه شرعت في الحرة التي خلقت مالكة لا محلًا للملك ولا تباين في حكم الملك أكثر من أن يكون أحدهما محلًا للملك والآخر لا.
وكذلك إذا اختلفنا في حكم الرهن أنه يد تثبت للمرتهن في حكم يد الاستيفاء الحقيقي أو حق بيع بالدين.
واليد شرط لتتميم السبب عاملًا، كاليد في الهبة بها يتم.
وحكمها إيجاب الملك للموهوب له صلة لم يجز إثباته بالقياس لأن العقود ليست بنظائر.
وكل عقد شرع أو وضع لمقصود على حدة شرعًا ولغة فلا يعرف حكمه بالقياس على غيره بل بالتأمل فيه كما لا تعرف معاني اللغة بالقياس الشرعي والتأمل يوجب ما قلناه.
لأنه شرع وثيقة لما لصاحب الدين من حق الاستيفاء دون تأكيد الوجوب لأن الوجوب يختص بالذمم.
والاستيفاء بالمال وهو مشروع في المال الصالح للاستيفاء من ماليته ومعناه فعلم أنه مشروع وثيقة لجانب الاستيفاء.
والاستيفاء مخصوص ثبوته باليد فيزداد بالوثيقة اليد التي تثبت بها الحقيقة لتصير الحقيقة موثقة بما ازداد كالكفالة لما كانت وثيقة لجانب الوجوب ازداد بها شغل ذمة هو في حكم الذمة الأصلية بالمطالبة التي يتوصل بها إلى الواجب في الذمة الأصلية من غير تغير وقع في الأصل فكذلك هذا.
ومنها قولهم: المعتدة عن طلاق بائن لا يلحقها الطلاق لأنها بائنة فأشبهت المنقضية عدتها لأن الخلاف بيننا وبينهم في أنها هل تبقى محلًا للطلاق بالعدة عن النكاح أم لا وقد
[ ٢٨٩ ]
عدمت العلة في الأصل المعلل.
وكذلك قولهم: إن إسلام المروي في المروي جائز لأنهما ثوبان فصار كالمروي في الهروي.
لأن الخلاف بيننا وبينهم في أن الجنس علة لتحريم النساء أم لا وقد عدم في الأصل المعلول وكان التعليل لغير ما وقع فيه الخلاف ولأن النافي منكر أن يكون ما ادعاه المدعي مشروعًا وما لم يشرع لا يكون حكمًا شرعيًا ليمكن إثباته بالقياس.
وكذلك قولهم: الطلاق البائن لا يقطع الرجعة قياسًا على الطلاق المطلق لأنه طلاق بلا عوض لأن الخلاف بيننا وبينهم أن صفة الإبانة مملوكة للرجل بالنكاح أم لا؟
عندنا: مملوكة صفة للطلاق.
وعندهم: لا، وهذا الحكم وهو أنه غير مملوك له غير ثابت في الأصل ليصح التعليل لتعديته إلى الفرع بل إنما لم تنقطع الرجعة في الأصل لأنه سكت عن الإبانة القاطعة لا لأنه لم يملكها.
وكذلك الإجارة لا يجوز قياسها على البيع في إيجاب ملك المنفعة للحال لأن محل الملك قائم في البيع قابل للملك فلم يتأخر عنه، والمحل في باب الإجارة معدوم غير متصور ملكه قبل وجوده.
ومنها ما ذكرنا أن المنصوصات لا يقاس بعضها على بعض فمتى وجدت في الفرع نصًا يمكنك العمل به من غير أن تقيسه على أصل آخر كان القياس فاسدًا لعدم شرطه على ما مر، وقد مرت لها أمثلة ونزيدها ههنا إيضاحًا.
فنقول: لا يجوز قياس القتل عمدًا على القتل خطأ في إيجاب الكفارة لأن كل حادثة منصوص عليها.
ولا قتل المسلم في دار الحرب قبل الهجرة إلينا على المسلم في دارنا في إيجاب ضمان الدية لأن كل حادثة منصوص عليها.
ولم نستجز قياس المحصر على المتمتع في إيجاب الصوم بدلًا عن الهدي عند العدم، لأن كل حادثة منصوص عليها ولم نستجز قياس المطلقة التي لها مهر مسمى على التي طلقت قبل الدخول بلا فرض مهر في إيجاب المتعة لأن كل حادثة منصوص عليها، إلى أمثلة كثيرة لئلا يلتبس الطريق على المتأمل.
وأما الفصل الرابع: فمثاله، ما قلنا إن الماء إنما طهر الثوب النجس لأنه مزيل لما هو نجاسة جاورت الثوب.
والخل بمنزلته فتعدى الحكم إليه وهو إيجاب الطهارة.
[ ٢٩٠ ]
ثم قلنا إن الماء طهور لأعضاء المحدث في حق الصلاة دون الخل، لأن هذه الطهارة لم تجب بإزالة النجاسة بل وجب باسم الماء عرف طهورًا في حقها بالنص فلم تتعد إلى الخل.
وتعليلنا بالإزالة لم يوجب قصر الحكم على العلة في النص بل وجب الحكم بالطهارة باستعمال الماء بالماء المنصوص عليه كما قبل التعليل، ووجب في الفرع بالعلة ليعلم أن التعليل ليس إلا لتعدية الحكم إلى ما لا نص فيه، وإنه لغو اعتباره مع النص سواء كان النص في الفرع أو الأصل المعلول.
فإن قيل: أليس عللتم خبر الربا بالكيل وخصصتم به القليل، والنص جاء باسم الحنطة بالحنطة من غير تخصيص.
قلنا: إن النص جاء بالحنطة هي مثل بمثل كيل بكيل لا بحنطة مطلقة لأن قوله: "كيل بكيل" تفسير لما ذكرنا من الحنطة بالحنطة، ولا يتصف بالكيل القليل، وكثير من الإشكالات تزول بمحافظة ما قلنا: إن النص وإن علل بعلة صحيحة فالحكم في الأصل المعلول لا يجب بالعلة بل بالنص كما قبل العلة فيثبت مع انعدامها باسم النص على ما بينا فلا يكون ذلك قدحًا في العلة لجواز بقاء حكم العلة مع انعدامها بعلة أخرى، فكذلك جاز بقيام النص.
بل الممتنع الفاسد ما قاله الشافعي أن خبر الربا معلول بالطعم، والربا في النص ففضل ذات بقدر الكيل لأنه قال ﷺ: "الحنطة بالحنطة مثل بمثل كيل بكيل والفضل ربا" والفضل بعد المساواة كيلًا بكيل لا يكون إلا بفضل أحدهما على الآخر بكيله أو نقصانه عنه وبعلة الطعم يحرم فضل من حيث أجزاء الذات والصورة لأنه يتعدى إلى ما لا يكال فلا يتصور فيه فضل ذات بقدر الكيل.
وما روي أنه نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا سواء بسواء تحريم يسقط بالتسوية بينهما والتسوية بين الشيئين إنما يكون بالتصرف في أحدهما لأن المفاضلة بين الشيئين في قدر الكثرة لا تكون إلا بزيادة أحدهما على الآخر.
فالتسوية لا تقع إلا برفع تلك المفاضلة، وذلك بنقص الزائد أو زيادة الناقص فصار الحكم وهو الحرمة حرمة تزول بالتصرف في أحد العوضين بنقصان أو زيادة، وهو بالتعليل بالطعم يعدي حرمة إلى فروع لا تزول بالتصرف في أحدهما فلم يعد حكم النص بعينه بل غير وصفه وأنه فاسد بلا خلاف فثبت أن النظر في شروطه صحة التعليل وخاصة في الحكم باب عزيز الوجود كثير الفقه وإن من وفق للنظر في هذه الشروط وسبر العلل بها وجد أكثر علل الأحداث هباء، والله أعلم.
[ ٢٩١ ]
باب