قال أبو سعيد البردعي: تقليد الصحابي واجب يترك بقوله القياس، وعليه أدركنا مشايخنا.
وقال أبو الحسن الكرخي: لا يجوز تقليده إلا فيما لا يدرك بالقياس.
وذكر محمد بن الحسن: أن شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن لا يجوز، واحتج بأثر عائشة والقياس يجوزه.
وقال بعضهم: لا يقلد الصحابي، وهو قول الشافعي.
وقال بعض مشايخنا: يقلد التابعي الذي انتصب مفتيًا في زمن الصحابة.
وليس عن أصحابنا المتقدمين مذهب ثابت، والمروي عن أبي حنيفة ﵁: "إذا اجتمعت الصحابة سلمنا لهم، وإذا جاء التابعون زاحمناهم". لأنه كان منهم فلا يثبت لهم بدونه إجماع.
وقد ذكر محمد بن الحسن: أن الحامل لا تطلق ثلاثًا للسنة، وروي ذلك عن جابر وابن مسعود، وخالفه أبو حنيفة وأبو يوسف وما لقولهما قول في الصحابة.
وقال أبو حنيفة: إعلام قدر رأس المال شرط لجواز السلم، ورواه عن ابن عمر في الأصل. وخالفه أبو يوسف ومحمد بالرأي.
وقال أبو يوسف ومحمد: الأجير المشترك ضامن لما ضاع عنده، ورويا ذلك عن علي وخالفهما أبو حنيفة بالرأي.
وأما أبو سعيد: فإنه يحتج له بقول النبي ﷺ: "اقتدوا باللذين من بعدي" وقوله ﵇: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" فقد صار قول الصحابي حجة كرامة له لصحبته رسول الله ﷺ، وإن احتمل الغلط كما صار إجماع هذه الأمة حجة كرامة لهم بالنص وإن احتمل الغلط على ما مر لولا النص والكرامة.
وأما الذين جعلوا قول التابعي حجة فذهبوا إلى أنهم لما قرروه على الفتوى بينهم
[ ٢٥٦ ]
صار كواحد منهم بتقريرهم.
وأما أبو الحسن فإنه يقول: قول الصحابي ليس بحجة إذ لو كان قوله حجة لدعى الناس إلى قوله كالنبي ﷺ، وكالأمة لما كان إجماعهم حجة دعوا سائر الأمم إلى ما أجمعوا عليه.
وروي عن عمر أنه كتب إلى شريح: "أن اقض بكتاب الله، ثم بسنة رسول الله ﷺ، ثم برأيك". ولم يقل بقولي.
ولا معنى لقولهم: إن معناه برأيك في أقوالنا، لأنه حمل على زيادة قيد لم يذكر وهذا عندنا نسخ وليس بتأويل. ولأن الرأي واحب استعماله في آيات الكتاب، وأخبار الرسول ﵇ وقد تقدم ذكرهما فصار كأنه قال: برأيك فيهما.
ولأنه ظهر من شريح الحكم بخلاف رأي علي ﵁ بين يديه.
وعن مسروق أنه أفتى فيمن نذر أن يذبح ولده بذبح شاة، وخالف فيه ابن عباس، ورجع ابن عباس ﵁ إلى قوله.
ولأن رأي الصحابة كان حجة بالنظر في أصول الشرع الثابتة بالنص لا بالوحي وكان يحتمل الغلط، ولهذا كان يخالف بعضهم بعضًا ويرجع الواحد منهم عن فتواه إلى فتوى غيره وكان يقول المجتهد منهم: إن أخطأت فمن الشيطان، ولما احتمل الخطأ لم يصر حجة يجب تقليدها لا محالة.
ولما ساغ لهم ذلك بالنظر في النصوص وهم وغيرهم إذ بلغهم النصوص وعقلوا معانيها سواء إذا استوت آراؤهم.
ألا ترى أنهم إذا اختلفوا في تأويل النص ساوى تأويل غير الصحابي الصحابي لأنه يصار إليه بالوقوف على معنى اللغة وهم وغيرهم فيه سواء.
فكذلك إذا اختلفوا في التعليل وذلك يعرف بالوقوف على المعاني التي عرفت بالشرع أعلامًا على الأحكام، ولا معنى لترجيحهم على غيرهم لسبقهم في الفتوى واختصاصهم بزيادة توفيق من الله تعالى لأن مثله ثابت بين التابعي ومن بعده، وللصالحين من بعدهم، وهذا لأنه أمر باطن ولم نتعبد بالبناء على البواطن وإنما تعبدنا بما نقف عليه مما يظهر لنا من علم الرجل بأصول الشرع وحسن قياسه على النظائر بعبارة لسانه، عما أحاط علمه به.
ولا يجوز أن يقال إنه كرامة تثبت نصًا على ما رووا لأن النص عم الصحابة، وفيهم من لا يجوز تقليدهم بالإجماع كالأعراب فثبت أنه أراد به أهل البصر منهم، وأهل البصر عملوا بالرأي بعد الكتاب والسنة فيجب الاقتداء بهم في ذلك.
[ ٢٥٧ ]
وكذلك قوله: "اقتدوا باللذين من بعدي" أبي بكر وعمر ﵄ في أنهما عملا بالرأي بعد الكتاب والسنة فثبت أن معنى الاقتداء الاهتداء بهم، والاهتداء يكون على معنى طلب الصواب بالرأي من أقوالهم دون التقليد، ألا ترى أنه شبههم بالنجوم وإنما يهتدى بالنجم بعد الاستدلال بالرأي بناء عليه، فكذلك الاهتداء بهم إنما يكون بالرأي بناء على أقوالهم لا بنفس القول.
وعن أصحاب عبد الله بن مسعود أن ابن عباس كان يدعونا إلى الطعام وكان يجري المسائل وربما كان يخطئ وما كان يمنعنا من الرد عليه إلا أنا كنا على طعامه ولو وجب تقليده لما كان المانع طعامه إلا ما لا يعرف بالقياس، لأنه لا يظن بهم القول جزافًا، فإذا بطل الرأي لم يبق إلا السماع إلا أنه يشكل عليه قول التابعي بخلاف القياس.
وكذلك قول من بعده إذا كان فقيهًا عدلًا وليس هذا كالراوي إذا عمل بخلاف ما روى فإنه يحمل على أنه علم بانتساخ ما روى، وإن لم يرو حملًا لأمره على الصلاح لأنه لو لم يحمل عليه لكنا فسقناه وأبطلنا روايته كما أبطلنا بالوجه الأول فلم نصر إلى التفسيق بلا فائدة.
فأما ههنا فنحتاج إلى رد القياس متى حمل قوله عن سماع فلم يجز رد الدليل بموهوم حال.
ويمكن أن يقال: قد ثبت بالنص أنهم كالنجوم يهتدى بهم فثبت في الجملة أن قول من هو من أهل الاجتهاد منهم لا يخرج عن الصواب بل يكون بحيث يهتدى به وذلك بقياس أو نص.
فإذا بطل أحدهما تعين الآخر بخلاف من بعده لأن الصحابي أصل علمه من صاحب الوحي فلا تجعل فتواه منقطعًا عن السماع إلا إذا ظهر دليل غيره، وهو الرأي ولا يحكم بالانقطاع بالاحتمال فأما غير الصحابي فعلمه منقطع عن السماع إلا بواسطة فلا يحكم بالاتصال مع عدم الواسطة بالاحتمال، أو نقول: معناه أن الصحابة إذا اختلفوا لم يجب الوقوف بحكم التعارض كما في أخبار الرسول ﷺ وآيات الكتاب، بل بأي قول عمل به وقع الاهتداء.