أما العقل: فأصله في نفسه إنما يعرف باختبار الإنسان فيما يأتيه ويذره الخبر الذي لا ينال بالحواس فإن الفعل أو الترك قد يكون بحكمة وعاقبة حميدة، وبغير حكمة كما يكون من البهائم وبالعقل ما يوقف على العواقب الحميدة، والحكم الباطنة التي لا تنال بالحواس فيظهر عقله بوقوع فعله على سنن أفعال العقلاء.
إلا أنه في أصله معدوم فينا جبلة ثم يحدث شيئًا فشيئًا، وكان يتعذر علينا ضبطه من كل صبي.
فحد الشرع لاعتداله حدًا بالبلوغ تيسيرًا علينا ونظرًا للصبي حتى لا يبقى في عهدة الخطاب لعلم الله تعالى باعتدال العقول بالبلوغ في أغلب العادات، فإنه العلام بما وضع فينا وخلقنا عليه فصار الصبي شرعًا دليلًا.
على أنه في حكم من لا عقل له فيما يخاف لحوق عهدة به دون ما لا يخاف، لأن الله تعالى حكم به نظرًا له لا عقوبة.
لأن الصبا سبب المرحمة دون العقوبة فلم يقبل خبره في نقل الشريعة وفيه أعظم عهدة.
ولأن الشرع لما لم يوله أموره في ماله لنقصان عقله فلأن لا يوليه أمر شرعه أولى فصار العاقل المطلق أعنى به حقيقة وشرعًا العاقل البالغ.
فأما المجنون بعد البلوغ فضد العاقل حقيقة، والمعتوه بمنزلة الصبي، لأن نقصان العقل بالعته فوق نقصان العقل بالصبا فلا يدخلان تحت اسم العاقل مطلقًا.
فصار العاقل نوعين: من عد في العقلاء بظاهر تمييزه كالصبي والمعتوه.
ومن عد عاقلًا باعتدال حاله وذلك بزوال سبب النقصان وهو الصبا وانعدام آفة العته، فهذا هو العاقل المطلق.
فأما الأول فعاقل من وجه دون وجه لمصاحبته ما ينافيه، والشرط هو العقل المطلق الثابت حقيقة وشرعًا والعقل كالشهاب لبصر القلب، فيرى القلب مع نور العقل ما غاب عن الحواس أي يعلم إذا نظر وذلك بتفكيره وتمييزه.
وأما العدالة: فتفسيرها: الاستقامة، يقال: طريق عادل لطريق الجادة، ومنه عدل
[ ١٨٥ ]
العاملين، إذا أتوا بالسيرة على الاستقامة غير ممالة عن سنن الإنصاف والحق.
وضد العدل: الجور، وهو الميل، ويقال: طريق جائر إذا كان من البنيات.
وضد العدالة الفسق، وهو: الخروج عن الحد الذي جعل له.
والعدالة أيضًا قسمان:
أ- عدالة ظاهرة يحكم بها للمرء بعقله ودينه فإنهما حجتا الله تعالى عليه فإذا وجدهما المرء دل ظاهر حاله على العمل بهما جميعًا فكان عدلًا ظاهرًا.
ب- وعدالة باطنة يوقف عليها بالنظر في باطن معاملاته، فإذا وجدناه لا يرتكب ما اعتقده حرامًا بدينه وعقله كان عدلًا، لاستقامته على سواء الحجة، وترجح جهة صدقه من خبره لأن الكذب محظور دينه وعقله وقد ظهر منه الانزجار عن المحظور.
وبهذه العدالة يصير الخبر حجة لأن الظاهر الأول يعارضه مثله، وهو هوى النفس فإنه الأصل قبل العقل، وحين رزق العقل والنهى ما زايله الهوى، فيصير الرجل عدلًا من وجه دون وجه كالصبي والمعتوه من باب العقلاء فلا يدخل تحت الاسم المطلق حتى يظهر بالتجربة رجحان دليل العقل على الهوى، وذلك بالتأمل في باطن أمره.
ثم محمد بن الحسن﵀- ذكر في باب الشهادات: أن الرجل إذا ارتكب فاحشة كبيرة ذهبت عدالته بنفس الارتكاب، وإذا لم يكن أمرًا فاحشًا لم تذهب عدالته إلا بالإدمان عليه.
وهذا لأن الأصل أن الارتكاب قل أم فحش مما يزيل العدالة لأنه خروج عن حده وميل إلى ما ليس له إلا أنه يتعذر عليه الانزجار عن الصغائر أجمع، فلو شرط الانزجار عن الصغائر مطلقًا لإثبات العدالة ما أمكن إثباتها إلا نادرًا لأن لله تعالى في كل لحظة أمرًا ونهيًا فلم يشترط تيسيرًا، إلا أن يدوم لأن الرجوع غير متعذر، والدوام لا يقع إلا عن قصد لا عذر فيه فيصير في حكم الفاحش الذي هو في نفسه لا يكثر وقوعه ولا يتعذر الانزجار عنه.
ولهذا لا يسلب اسم العدالة من صاحب الهوى في الدين وإن كان ضالًا عندنا، وفسق اعتقادًا لأنه صار إليه لغلوه في طلب الحق وشدة عمله بالحجة، إلا أنه التبس عليه فغلط لا أنه خالف عقيدته، والغلو في الدين يدل على شدة اتباع الحجة، فيدل على تأكد جهة الصدق الذي قامت عليه حجته.
وكذلك يجعل الكافر عدلًا لأنه ما خالف عقيدته ولكن لا تقبل على المسلم خبره
[ ١٨٦ ]
لعداوته معنا بغير حق أو لانقطاع ولايته لا لزوال عدالته فيما يظهر من أقواله وأفعاله، ففسق الاعتقاد تدينًا لا يدل على فسق لا تدين به بحال.
وكذلك لا تسلب العدالة بالرق، ولا بالأنوثة، ولا بالعمى لأن هذه الأوصاف لا تدل على ترك التقوى، والعمل بالهوى بخلاف الهدى، وإنما تدل على الكذب الذي هو خلاف عقده تعاطيه بخلاف ما اعتقده حرامًا بدينه وعقله لا غير.
وأما الضبط: فعبارة عن حزم في باب العلم، وله طرفان:
أ- طرف وقوع العلم له حين السماع.
ب- وطرف الحفظ بعد العلم حين التكلم.
حتى إذا سمع المرء ولم يعلم لم يكن شيئًا معتبرًا كما لو سمع صياحًا لا معنى له فإذا لم يفهم اللفظ بمعناه على الحقيقة كان بين الصحة والفساد ولم يكن ضبطًا وإذا شك في حفظه بعد العلم والسماع لم يكن ضبطًا.
ثم الضبط نوعان: ظاهر وباطن.
فأما الظاهر: فضبط المتن بمعناه، من حيث اللغة.
وأما الباطن: فضبط الشيء بمعناه من حيث نطق به الحكم الشرعي، وهو الفقه، وهذا مما لا يوقف عليه إلا بعد التجربة في مسائل الفقه، ومعاني لسان العرب.
ومطلق الضبط الذي هو شرط الراوي هو الضبط ظاهرًا وباطنًا كالعدالة والعقل وهذا لأنه جائز نقل الخبر بالمعنى على ما يأتيك بيانه فيلحقه تهمة تبديل المتن بلفظه قل فقه المعنى لغة وضبطه فلا تقبل، كما لو لحقه تخمة تبديل المتن بروايته قبل الحفظ أو قبل العلم حين سمع، وأما من حيث فقه الشرع فيوجب ضرب وهن يجب اعتباره إذا خالفه الفقه وهو القياس على ما مر.
فإن قيل: أليس القرآن يصح نقله ممن لا يفهم معناه؟
قلنا: لأن القرآن معجزة، وإعجازه في نظمه كذلك فلم يجز نقله بالمعنى، فلم يشترط لصحة نقله علم معناه، وكذلك القرآن له حرمة متعلقة بعين النظم حتى حرمت قراءته كذلك على الحائض والجنب ولم يحرم نقل معناه عليهما، كذلك جواز الصلاة في قول الأكثرين متعلق بالعين دون المعنى، وأما خبر الرسول فحجة بمعناه وجائز نقل الخبر بمعناه فيشترط لصحة نقله ضبط المعنى.
وقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: إن الشهادة لا تصح بالإشهاد حتى يعلم الشاهد ما في الكتاب. ويدل عليه أن من لا يفقه لغة العرب قلما نقل المسموع منها على وجهه فيصير متهمًا بالتبديل، ولم يبلغنا أن القرآن أثبت ابتداءً بنقل من لا يحسن لغة العرب.
[ ١٨٧ ]
ولأنه لا يثبت إلا بنقل متواتر يرفع شبهة التبديل بتهمة الجهل بالمعنى.
ولأن ناقل القرآن عن جهل لا يقدر عليه إلا بعد الجهد لحفظه سنين كثيرة، ولو ظهر مثله في الحفظ عن رسول الله ﷺ قبل.
ولهذا قلت الرواية من كبار الصحابة وكانوا يمتنعون عن كثرة الرواية.
قال أبو بكر الصديق ﵁: "إذا سئلتم عن شيء فلا ترووا، ردوا الناس إلى كتاب الله تعالى".
وعن عمر ﵁: "لو حدثتم فأقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ وأنا شريككم".
وكان زيد بن أرقم إذا سئل عن الحديث عن رسول الله ﷺ امتنع وقال: "كبرنا ونسينا، والحديث عن رسول الله ﷺ شديد".
وعن عمرو بن ميمون: جالست عبد الله بن مسعود سنة فما سمعته يروي عن رسول الله ﷺ إلا مرة واحدة فقال: سمعت رسول الله ﷺ ثم أخذه البهر والعرق- ثم قال: هذا أو نحوه أو قريبًا منه أو كما قال.
وكان أبو هريرة ﵁ يكثر الرواية وكان يرد عليه به، قالت عائشة ﵂ وأشارت إلى أبي هريرة ﵁: أما تعجب من هذا وكثرة روايته ما تكلم رسول الله ﷺ إلا بكلمات لو عدها عاد لأحصاها. أو نحوًا من ذلك. وكانوا يستدلون بكثرة الرواية على قلة المبالاة بموضع التوقف للحزم.
وهذا باب معتبر حتى قيل- فيمن يعتاد فعل مباحات بحرم المروءة وآداب النفس نحو الأكل في الأسواق وقضاء حاجته بينهم-: أنه لا تقبل شهادته لقلة مبالاته.
وعن عبد الله بن عباس ﵄: "كنا نروي عن رسول الله ﷺ حتى ركب الناس الصعب والذلول فتركنا الرواية". اللفظ كما هو، وقد تكلم أهل الأخبار في هذا الباب فأطالوا واقتصرنا نحن على الإشارة إلى ما فيه الضبط والدين والورع.
وأما الإسلام: فاسم لهذه الشريعة وإنه نوعان:
أ- ظاهر وهو بالميلاد في المسلمين والنشوء بينهم على طريقهم شهادة عبادة.
ب- وباطن لا يوقف عليه إلا باستيصاف الصانع عز ذكره، فإذا وصفه بجميع أسمائه وصفاته التي لا بد من وجودها للألوهية عن علم لا تلقن، كان مسلمًا على الحقيقة، وإذا لم يعلم شيئًا منها كان كافرًا.
قال محمد بن الحسن﵀- في المرأة إذا بلغت فاستوصفت فلم تصف أنها تبين من زوجها، وإن كنا حكمنا بصحة النكاح بناء على ظاهر الإسلام، وهذا لأن الشرط
[ ١٨٨ ]
أن تعلم الله تعالى بأسمائه وصفاته، وحفظ اللغة غير العلم بالمعنى.
وكذلك من آمن برسالة محمد ثم لم يعرفه ولم يدر أي محمد هو فإنه لا يكون مؤمنًا به ولا من أمته، وكالنصارى آمنوا بعيسى وهو ولد الله تعالى عندهم فلم يكن إيمانًا بعيسى هو رسول الله ﷺ وعبده، وهذا من أهم العلوم فقد استخف الناس به ولا ينبغي ذلك.
فإن كان الرجل ممن له معرفة بالوصف لكنه عاجز عن العبارة عنه إذا سئل كان مسلمًا حقيقة فيما بينه وبين ربه، إلا أنا لا نعرف باطنه فنحكم بكفره إذا عجز واستحسانًا أن نستوصفه على سبيل التلقين، فنقول له: أليس الله بقادر وعالم أيضًا، وأيضًا حتى يسهل عليه الجواب به إذا وافق استفهامي ما قلبه وعلمه.
فإذا تمت هذه الشروط كان مقبول الرواية وإن كان عبدًا، لأن الرق لا يؤثر في شيء من هذه الأوصاف وإنما لم تقبل شهادته لأنها مبنية على الولاية على غيره، والرق يسلب الولاية على الغير وإنما بنيت الولاية على غيره لأن فيها تنفيذ حكم قوله عليه، كما ينفذ بيع ماله وإجارته نفسه.
وأما أخبار الدين فإنها تلزم السامع باعتقاده أن الله تعالى إله تجب طاعته ومحمد رسول الله تجب طاعته وتصديقه وهذا كما يلزم القاضي الاستماع إلى خبر المدعي الكافر إذا ادعى وإلى إنكاره وإلى شهادته على الكافر ويلزمه القضاء به لأنه لا يلزمه بشهادة الشاهد فإن في لفظه إلزام المشهود عليه دون القاضي، وإنما يلزمه بقبول أمانة القضاء من الله تعالى بالشروع فيه.
وكذلك قول النبي ﷺ: "لا صلاة إلا بقراءة" ما فيه إلزام السامع شيئًا لغة بل فيه إخبار عن صفة تقوم بها الصلاة كما تقول: لا خياطة إلا بإبرة، لم يكن هذا خطابًا يلزم السامع شيئا وإنما يلزمه ما يلزمه لاستعماله الخياطة باختياره فكذا السامع خبر الرسول ﷺ يلزمه بعقد أن ما قاله رسول الله ﷺ فهو حق يدان الله به.
ولما لم يكن فيه إلزام من الراوي لم يشترط قيام ولايته على السامع، ألا ترى أنا نسمع أخبار الحدود من النساء وما لهن من ولاية إقامة الحدود ولا شهادتها، ألا ترى أن كثيرًا من الصحابة الذين هم موالي نقلوا أخبارًا وتلقتها الأمة بقبولها ولم يتفحصوا عن التاريخ والنقل أنه كان قبل العتق أو بعده.
ولو كانت الحرية شرطًا لما كانت حجة حتى يعلم أن النقل كان بعد العتق.
وكان رسول الله ﷺ يجيب دعوة العبد المملوك، وما كان يجيب إلا بخبره أن
[ ١٨٩ ]
المولى أذن له به ولم يظهر أن رسول الله ﷺ استخبر المولى به ولو كان شرطا لنقل في الحديث ولم يجز الإعراض عنه.
وكذلك بريرة: كان يتصدق عليها وهي تهدى إلى رسول الله ﷺ وكان يقبل ويصدقها على ذلك.
وثبت أن رواية الأعمى مقبولة لأن العمى لا يوجب خللًا في العلم ولا في العبارة، بخلاف الشهادة لأنه يحتاج إلى تمييز المشهود له من المشهود عليه عند الأداء، والعمى يوجب خللًا فيه لأنه حال البصر يميز بالعيان والآن بالاستدلال، والراوي لا يحتاج إلى هذا التمييز.
ولأن باب الشهادة أضيق على ما مر في بيان شرط العدد ولفظ بعينه ليصير حجة، وهذا لأن الشاهد يلزم غيره ولا يلزم نفسه وراوي الخبر يلتزم كما يلزم غيره فجرى التزامه مجرى شاهد آخر معه.
ولأن كثيرًا من الصحابة كف بصرهم وقبلت روايتهم بلا فحص عن التاريخ، منهم: عبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وواثلة بن الأسقع﵃-.
وكذلك رواية النساء مقبولة لأنهن في الشهادات فوق العميان ثم قبلت رواية العميان فالنسوان أولى، ولأن النقصان قيهن في باب الشهادات بشرط زيادة العدد، وزيادة العدد لها عبرة في باب الشهادات، ولا عبرة لها في باب الروايات لأخبار الشرع، ألا ترى أن زيادة العدد شرط في شهادة الرجال وليس بشرط في روايتهم الأخبار.
ولأن شهادة القابلة حجة بانفرادها لضرب عذر، فباب الخبر أولى لأنه أوسع من كل شهادة.
ولأن الصحابة كانوا يسألون نساء النبيﷺ ورضي عنهن- فيما يختص بهن وكانوا يعملون بروايتهن وعائشة ﵂ كانت من علماء الصحابة رأيًا ورواية، والله أعلم.
[ ١٩٠ ]
باب