قال القاضي ﵁: هذا باب سهل على القلوب علمه، صعب استعماله لشدة ما ثبت من عادات المناظرين بخلافه، ليروض مريده قلبه بالصرف عن العادة إلى الحجة ثم يستعمله، وما التوفيق إلا بالله.
اختلف العلماء في العبارة عن حكم العلة التي نسميها قياسًا، أو نسميها معلومة بالنظر والرأي؟
وقال علماؤنا: حكم هذه العلة تعدية حكم النص المعلل إلى فرع، ولا نص فيه، ولا إجماع، ولا دليل فوق الرأي.
وقال قائلون: حكم العلة؛ تعلق حكم النص بالوصف الذي تبين علة.
وإنما يتبين هذا الجواب بقول علمائنا: إن العلة متى لم تكن متعدية كانت فاسدة، ومتى تعدت إلى فرع منصوص عليه كانت باطلة أيضًا، وقد مر فصل الفرع المنصوص عليه، وإنما هذا الباب لبيان نفس حكم العلة الصحيحة.
فأما الذين قالوا: إن حكم العلة هو تعلق الحكم بها، فقد شبهوا هذه العلة بالعلل العقلية، فإنها لا تعرف عللًا إلا بتعلق وجود أحكامها بها.
وكذلك العلل الشرعية إذا كانت منقولة عن صاحب الشريعة فالأحكام تصير متعلقة بها.
وكذلك أسباب وجود العبادات والكفارات والعقوبات ونحوها علل شرعية للوجوب وقد تعلقت بها.
والجواب عنه وهو الطريق في الباب: ما ذكرنا أن هذه العلة التي نحن فيها صحتها منوطة بشرط أن تكون بعد النص على ما قال النبي ﷺ، فإن لم تجد في سنة رسول الله فبالرأي على ما مر في باب إثبات القياس، وبالإجماع يجب عليه طلب الحكم بكتاب الله تعالى ثم بالخبر ثم بالرأي، وكذلك ثبت بالإجماع على ما مر في الباب الأول أن النص لا يجوز تعليله بعلة تغيير حكم النص في نفسه.
وإذا كان كذلك وجب أن يبقى الحكم بعد التعليل على ما كان مضافًا وجوبه إلى النص دون العلة، فإنك متى قصرت الإضافة إلى العلة كنت غيرت حكم النص عما كان
[ ٢٩٤ ]
قبل التعليل، وأخرجت سائر أوصافه عن تعلق الحكم بها، وكما لم يجز أن يخرج بالتعليل بعض المحال التي تناولها النص عن حكم الجملة لم يجز كذلك في حق الأوصاف.
ولأن هذه العلة لما لم تشرع علة إلا بعد النص صار لغوًا مع النص، وإذا صار لغوًا لم يجز التعليق بها كما إذا عارضها نص آخر مخالف لم يجز اعتبارها حجة معارضة بل سقطت، وتبين لنا أنها ليست بحجة وإنما تظهر حجة في الفرع، ولن يوجد فيه حكم الأصل إلا بالتعدية إليه فصار حكم العلة التعدية لا غير، ونظيره من العقود الحوالة ما لها حكم تعلق وجوب الدين بها بل التحويل عن ذمة إلى ذمة لأنها لا توجب أصل الدين بل تنقل من ذمة إلى ذمة، ولأنا ذكرنا أن العلة اسم لما يتغير به حكم الحال، والذي يتغير من حكم النص بالتعليل بأن كان الحكم مقصورًا عليه فتعدى بالتعليل.
وإذا ثبت هذا علمت بفساد ثلاثة أرباع المقاييس جملة بل حجة لكل فرع على حدة، ولا لكل قياس، وسقط عنك أعباء حفظها وفهمها والعمل بها.
وبيان ذلك أن جملة أقسام ما يختلف فيها الفقهاء ويتناظرون فيها من الشرعيات أربعة أنواع:
الاختلاف في الموجب للحكم أو صفته أهو مشروع أم لا؟
أو في شرط العلة أو صفته؟
أو في حكم من الأحكام أو صفته؟
أو في حكم مشروع معلوم بوصفه بلا منازعة في محل هل هو مقصود عليه أو هو متعدي عنه إلى غيره؟
والقياس لم يشرع حجة إلا لهذا النوع لما ذكرنا أنه لا حكم له غير التعدية، والتعدية لا تتصور إلا في هذا القسم الرابع ففسد فيما عدا هذا القسم لانعدام حكمه، ولأنه لم يصادف محله فمحله أصل فيه حكم مشروع ليمكن التعدية فيما ليس بموجود لا يمكن تعديته كالحوالة حيث لا دين يلغو.
ولأن الاختلاف متى حصل في الموجب للحكم أو شرطه، أو نفس الحكم فقد وقع الاختلاف في أصل الشرع أكان أم لم يكن؟ لأنا أجمعنا أنه ليس إلينا نصب الأحكام الشرعية ولا رفعها بالرأي، ولا نصب أسبابها وفي نصب الأسباب نصب للأحكام، ولا شروطها، ففي نصب الشروط المانعة رفع للأحكام، وإذا لم يكن إلينا ذلك بالرأي بطل تعليل مدعيها لأنه يعلل للنصب، لأن الآخر منكر أن تكون هي مشروعة، وبطل تعليل منكريها لأنهم يقولون هي لم تشرع أصلًا إذا أنكروا الثبوت.
[ ٢٩٥ ]
وما لم يشرع لا يكون حكمًا شرعيًا ليمكن إثباتها بالقياس.
وإذا ادعى الارتفاع بعد الثبوت فكذلك لأن النسخ لا يثبت بالقياس، فإذا عرفت هذه الجملة عقدًا خرجت على كل قسم ما يخرج عليه مما غلط غير المتأملين فيه.
أما القسم الموجب: فنحو اختلافنا في الجنس بانفراده أهو علة محرمة للبيع نسيئة أو لا؟ وهذا مما لا يجوز فيه التكلم بالقياس، بل يجب على مدعيها إقامة الدلالة على صحة ما ادعاه من نص أو دلالة نص أو إشارته أو اقتضائه، على ما مر أن الثابت بها ثابت بالنص لا بالقياس، وعلى المنكر الامتناع عنه لعدم دليل الصحة.
كما نقول فيمن ادعى أن الوتر فرض عملًا زائدًا على الخمس، وأنكره آخر لم يكن على المنكر إلا التمسك بعدم قيام الدليل، ولزم المدعي إقامة الدليل سوى القياس وكان بمنزلة من يدعي أن فرض الفجر أربع ركعات وأنكر الآخر.
وكذلك إذا اختلفنا أن السفر أهو سبب مسقط لشطر الصلاة بنفسه أو لا؟ لم يستقم التكلم فيها بالقياس بل الذي يدعيه مسقطًا لزمه إثباته وإنما يظهر الفقه في مثل هذه المسائل بإفساد أدلة الخصم، لأنه لا يمكنه إفسادها إلا بفقه طرق الأدلة حتى علم بها أن هذه الأدلة جائزة وليست بعادلة، وكذلك إذا اختلفت في الخف هل هو سبب مانع من سريان الحدث إلى القدم؟ لم يصح الكلام فيه بالمقايسة نفيًا ولا إثباتًا.
وكذلك إذا اختلف في الحربي يسلم، أهو سبب موجب لجعل نفسه وماله مضمونين قبل الإحراز بالدار أم لا؟ لم يعرف بالقياس.
وكذلك إذا اختلفنا في أن العقل قبل الشرع أهو حجة قاطعة لعذر الكفار أم لا؟. وخبر الواحد أهو حجة يجب العمل به أم لا؟
والقياس أهو حجة يجب العمل به في الأحكام الشرعية أم لا؟
وأما صفته فنحو اختلافنا في المال الذي هو سبب الزكاة، أهو سبب بصفة النماء أم دونها؟
واليمين بالله سبب للكفارة بصفة أنها مقصودة أم معقودة؟
وقتل النفس بغير حق سبب للكفارة بصفة الحرمة وحدها أم بصفة الإباحة مع الحرمة؟
والإفطار سبب لكفارة باسم الجماع، أم باسم اقتضاء إحدى الشهوتين؟
وهذا لأن وصف الشيء منه، فما لم يكن أصله مما يثبت بالقياس لم يكن وصفه كذلك من قبيل ما يثبت به.
وأما أصل الشرط فنحو الاختلاف في شهود النكاح لا يثبت بالقياس أنهم شرط أم لا؟ وكذلك الولي.
[ ٢٩٦ ]
فأما ثبوت الولاية للمرأة على نفسها فمما يعرف قياسًا، لأنا وجدنا الثبوت حكمًا ثابتًا مع البلوغ والحرية في أصل مجمع عليه فيصح القياس لتعديته إلى المرأة.
وكذلك إذا اختلفنا في الزكاة أن التسمية شرط أم لا؟ لم يجز التكلم فيه بالقياس، وكذلك إذا قلنا شرط نفوذ الطلاق على المرأة من جانبها النكاح أو العدة عنه.
وقال خصمنا: العدة ليست بشرط النفوذ وبها وحدها لا تصير محلًا، وكذلك إذا اختلفنا في البلوغ عن عقل أهو شرط لوجوب حقوق الله تعالى التي تحتمل النسخ والتبديل كالزكاة والصلاة والكفارات ولزوم الإحرام، وكذلك وجوب العقوبات كحرمان الإرث بالقتل والحدود؟ لم يكن للقياس فيه مدخلًا، وكذلك إذا اختلفنا في البلوغ بعد العقل أهو شرط لصحة أداء ما لا يحتمل النسخ من أصل الدين أم لا؟
فإن قيل: أليس اختلفنا في بيع الطعام بالطعام إن القبض في المجلس شرط أم لا، وتكلمتم فيها بالقياس؟
قلنا: البقاء على الصحة بلا شرط قبض حكم ثبت في أصل منصوص عليه من البيوع، وهو بيع العبد بدراهم وكل ما عدا الطعام بالطعام من السلع، فيصح التعدية بالتعليل إلى الفرع المختلف فيه ما لم يمنعنا عنه نص بخلافه، فيجب على مدعي الفساد بمعارضة النص إقامته.
ومتى أمكن المعلل في ما مضى من الأمثلة أن يبين لقياسه مثل هذا المحل صح، فإنا ما أنكرنا الصحة إلا لتعليله لنفي ما لم يشرع أو إثباته.
ومن أنكر شرط الشهود في النكاح لا يجد جوازه بدونه إلا في نكاح أهل الذمة.
لأن أحكام شرعنا لا تلزمهم إلا ما يدينون بها أو استثني عليهم، فلم يستقم القياس عليهم، والمسلمون يلزمهم أحكام الشرع.
وكذلك من أنكر التسمية في الزكاة لم يجد حل الزكاة بدونها إلا إذا تركه ناسيًا.
على هذا الأصل القياس صحيح بصورته لكنا لم نقبل، لأنا أحللنا زكاة التارك ناسيًا بناء على أنه في حكم المسمى بدلالة النص، كما نجوز صوم الآكل ناسيًا، بناء على أنه في حكم من لم يأكل، بخلاف القياس بدلالة النص.
ثم لا يجوز القياس عليه إذا ترك عمدًا، لأنه معدول به عن القياس، وبمثل هذا يظهر الفقه في بيان طرق القياس.
وأما صفة الشرط: فكشهود النكاح أنهم رجال، أو نساء ورجال، وصفة الطهارة للصلاة أمرتبة أم غير مرتبة؟ ما يصح إثباتها من الشروط. أو نفيها بالقياس، وإنما يصح تعريفها بالنظر في النصوص الموجبة للشرط، وإلى ما خص منها بزيادة وتكون المقايسة
[ ٢٩٧ ]
بعد ذلك لمعرفة حادثة اختلف فيها أنها في العموم أو الخصوص.
وأما الحكم: فنحو اختلافنا في الركعة الواحدة أمشروعة صلاة أم لا؟.
والأربع مشروعة على المسافر أم لا؟ والسمح بالخف مشروع أم لا؟.
وكذلك بالعمامة؟ وصوم بعض اليوم مشروع أم لا؟.
والقراء تسقط بالاقتداء أم لا؟.
والصوم يسقط بالجنون أم لا؟.
وإنما يتكلم في مثل هذه المسائل بالنص وبدليله على ما ذكرنا.
فإن قيل: اختلافنا في صوم يوم النحر أمشروع أم لا؟ وتكلمتم فيه بالقياس!
قلنا: لا كذلك، فإن كون اليوم سببًا لصيرورة الصوم مشروعًا ثابت أصلًا، ووقع الاختلاف في انتساخه بصفة أنه يوم عيد فأنكرناه، لا أنا أثبتنا كون اليوم سببًا بالقياس.
وأما وصف الحكم: فنحو اتفاقنا على أن القراءة مشروعة في الشفع الثاني واختلفنا أنها فرض أم لا؟ وأنها فرض في الأول واختلفنا أنها فاتحة أم لا؟ واتفقنا أن من حكم النكاح أن يملك الرجل طلاق امرأته واختلفنا في وصفه أنه يملكه مباحًا، والكراهة بعارض أو يملكه مكروهًا، والإباحة بعارض وهو مذهبنا على ما بيناه في موضعه.
وكذلك يملك الطلاق مبينًا قصدًا إليه عندنا، وعنده لا يملك، لا يعرف بالقياس فإنا لا نجده بعينه أصلًا آخر لنعديه إلى الفرع.
وكذلك إذا اختلفنا في ملك النكاح في حق المتعة أهو خاص للرجل على المرأة أو مشترك بين الزوجين؟ لا يعرف بالقياس لأنه غير موجود في أصل آخر لنعديه إليه بل يعرف بالاستدلال بما ثبت بالنصوص.
وكذلك إذا اختلفنا في حكم خبر الربا وهو قوله: "والفضل ربا" إنه فضل ذات الحنطة أو فضل كيل؟ لم يجز إثباته بالعلة لما قلنا، ولا جاز الاشتغال بعلة الحكم قبل إثبات الحكم على الخصم إذا أنكره.
وكذلك إذا اختلفنا في حكم الرهن الثابت للمرتهن إذا تم العقد بالتسليم إليه أنه في حكم يد الاستيفاء الذي يتم بالتسليم إليه، أم هو حق بيع بالدين إذا تم العقد باليد كما يتم عقد الهبة باليد.
وحكمه وقوع الملك للموهوب له لم يجز إثباته بالقياس لأنا لا نجد حكم الرهن في عقد آخر لتعديه إليه بالقياس.
وكذلك النفي لأن الانتفاء من حيث لم يكن لا يكن حكمًا شرعيًا يمكن تعديته إلى غيره بالقياس على ما ذكرنا.
[ ٢٩٨ ]
وكذلك إذا اختلفنا في وجوب المهر بالنكاح بلا تسمية؟ لم يكن للقياس فيه مدخل لأنا لا نجده في غيره لنعديه إليه.
وكذلك إذا اختلفنا في وجوب المتعة بعد الطلاق بعد الدخول؟ لأنا اختلفنا فيه لاختلافنا في المتعة بأصله على وحشة الفراق، أم عوض عن ملك النكاح؟ واجب بالعقد مقام المهر الساقط بالطلاق، لا يمكن إثباته بالقياس.
وهذا لأن أحكام الشرع بصفاتها لا تثبت ابتداء إلا بالشرع فلا يمكن معرفتها مشروعة بصفاتها إلا بالنظر في المنصوص، حسب المعاني التي تثبت بالأسامي الغريبة لا يمكن معرفتها إلا بالنظر في كلام العرب والتعرف من قبلهم.
وأما القسم الرابع: فنحو قولنا: إن المسح في الوضوء لا يسن تثليثه لأنه مسح قياسًا على مسح الخف لأنل وجدنا مسحًا في الوضوء، وله فرض وسنة ووجدنا حكم إقامة سنته بإفراده لا بتثليثه فعديناه إلى الفرع.
وكذلك قولهم: الرأس عضو من أعضاء الوضوء فيسن تثليث وظيفته قياسًا على الوجه، فكان في محليهما فيجب طلب الفساد بطريق آخر.
وكذلك قولنا: صوم رمضان صوم عين، فيتأدى بنية مطلق الصوم كالنفل في غير رمضان، وقولهم: إنه صوم فرض فيشترط عليه نية الفرض قياسًا على القضاء.
وكذلك قولنا: المديون لا زكاة عليه لأن الصدقة تحل له فلا تجب عليه الزكاة كالمكاتب، والذي له دار يسكنها تساوي كثيرًا، وقوله: إن ملكه كامل فيلزمه الزكاة كغير المديون.
فإن قيل: إنا نقول في النكاح أنه عقد معاملة فيصح بلا شهود كالبيع، كان هذا فاسدًا بطريق آخر لأنا نقول: من حيث أنه عقد معاملة لا يفسد عندنا بعدم الشهود، وإنما فسد من حيث أنه عقد لم يشرع إلا للتناسل فخص بالشهود.
فالشهود ثبت عندنا شرعًا لهذا الوصف الخاص إظهارًا لكرامة بني آدم، ولا نجد جوازًا مع هذا الوصف بدون الشهود لتعدي ذلك الجواز إلى ما ها هنا بالمعلل في أمثالها.
أما أن ينقطع بوضعه العلة في غير محلها أو يميل إلى محلها بأن وجده فتقوم المناظرة ببيان الصحة والفساد بطريق آخر، والله أعلم.
[ ٢٩٩ ]
باب