قال بعض العلماء: لم يكن له إلا بالوحي.
وقال بعضهم: لم يكن له ذلك إلا بالوحي والإلهام.
وقال بعضهم: كان له ذلك بالوحي والرأي جميعًا.
والقصد عندنا أن نقول: لم يكن له الشرع بالرأي ابتداء حتى ينقطع طمعه عن الوحي فيما ابتلي به، ثم كان له العمل برأيه بعد ذلك.
فأما الأول فاحتج بقوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحى يوحى﴾ وبقوله: ﴿قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي﴾ ولأنه لا يجوز أن يخالف فيما يشرع من الأحكام، ولو كان يشرع برأيه لكان لا يؤمن من الغلط عليه فكان يجوز خلافه، كما كان يجوز ذلك في رأي الحروب والمعاملات فإن رسول الله ﷺ أراد النزول دون الماء يوم بدر فقال له الحباب بن المنذر: أرأي رأيته أم وحي؟ فقال: "بل رأي" فقال: إني أرى أن تنزل على الماء، ففعل.
وأراد رسول الله ﷺ يوم الأحزاب أن يعطي الكفار شطر ثمار المدينة فقالت الأنصار: أرأي رأيته أم وحي؟ فقال: "بل رأي" فقالت: لا نعطيهم إلا السيف ففعل رسول الله ﷺ ذلك.
ولما دخل المدينة نهاهم عن تأبير النخل ففسدت فأمرهم بالتأبير فقال: "أنتم أعلم بأمور دنياكم، وأنا أعلم بأمور دينكم"
فثبت أنه ﷺ لم يكن معصومًا عن الغلط برأيه.
والدين في الأصل لله تعالى فما يجوز شرعه برأي لا يؤمننا عن الغلط إلا عن ضرورة، ولا ضرورة لصاحب الوحي وكان هذا كتحري القبلة بالرأي فإنه جائز لمن نأى عن الكعبة للضرورة، ولا يجوز لمن قرب لقدرته على العيان الذي لا شك فيه، ولأنا نحن اليوم لا ننصب شرعًا مبتدأ بالرأي وما يجوز لنا ذلك وإنما نعدي شرعًا ثابتًا في محل إلى محل آخر.
[ ٢٤٩ ]
والخلاف في نصب ابتداء الحكم الشرعي بخلاف أمور الدنيا من الحروب والمعاملات والزراعات فإنها لنا، إما دفعًا عنا كالحروب، وإما طلبًا لما فيه بقاؤنا كاكتساب الأموال.
ولما كانت لنا كانت مفوضة إلى آرائنا إلا بما رأى الشرع الحجر ببيان شافٍ تتميمًا لصلاحنا، وأما الأحكام فلله تعالى فلم يكن لنا إثباتها ونفيها.
وأما الفريق الثاني فقرب من الفريق الأول لأن الإلهام وحي خفي، ومن له الوحي الجلي يكون له الوحي الخفي.
وحد الإلهام أن يؤخذ على قلبه حتى لا يرى إلا شيئًا واحدًا فيعرف صاحبه بقرار القلب عليه أنه من الله تعالى، وقد قال رسول الله ﷺ: "إن روح القدس نفث في روعي أن نفسًا لن تموت حتى تستوفي رزقها ألا فاتقوا الله وأجملوا في الطلب" وقال الله تعالى في قصة داود وسليمان: ﴿إذ يحكمان في الحرث﴾ إلى قوله: ﴿ففهمناها سليمان وكلًا أتينا حكمًا وعلمًا﴾ غير أن الإلهام أمر خفي ما يبنى الأمر عليه، فإنا كلفنا البناء على الظاهر الذي نقف عليه وسيأتيك بيان الإلهام بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وأما القول الثالث: فالحجة له قوله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولى الأبصار﴾ من غير تفصيل بين الأمة والنبي ﷺ.
وقال تعالى لرسوله: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ ولو لم يكن له فصل الأمر بالرأي لما أمره بالمشورة ولا ينال بها إلا بالرأي، وظاهر هذا الأمر لا يخص بابًا.
فإن قيل: يحتمل أنه أمر به تطييبًا لنفوسهم.
قلنا: ظاهر الأمر بخلافه، والصحابة ما كانوا يعلمون إلا الظاهر وكانوا يعتقدون ذلك فكان لا يحل لرسول الله ﷺ أن يقرهم عليه ولو بين لهم أنهم يشاورون، ولا يحل العمل برأيهم ما طابت به نفوسهم بل خبثت فإنه من باب الاستهزاء.
وقد شاور رسول الله ﷺ في أسارى بدر أبا بكر وعمر وعمل بقول أبي بكر ثم نزل العتاب.
وروي أن خولة سألت رسول الله ﷺ عن ظهار زوجها منها؟ فقال: ما أراك إلا قد حرمت عليه، فقالت: أشتكي إلى الله تعالى، فأنزل الله تعالى آية الظهار.
وسأله عمر عن القبلة للصائم؟ فقال: أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكان
[ ٢٥٠ ]
يضرك؟ فقال عمر: لا، فقال النبي ﷺ: "ففيم إذًا".
وقال للخثعمية وقد سألته عن الحج عن أبيها؟ "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أما كان يجزيك؟ فقالت: بلى. قال: فدين الله أحق" فهذا فتوى بمحض القياس، فلا يجوز أن يحمل على نص لم يظهر لما مر أنه لو جاز ذلك لتعطلت الحجج، ولن نكلف إلى بالأخذ بما ظهر وما ظهر لنا من السبب إلا القياس الذي ذكره.
وكذلك رسول الله ﷺ شاور الصحابة في أمر جماعة الصلاة فلم يتفقوا على شيء حتى رأى عبد الله بن زيد الرؤيا وقصها لرسول الله ﷺ فاستحسنها رسول الله ﷺ برأيه وأمر بذلك فصارت شريعة. ولا يجوز أن يحمل على وحي لأنه لم يظهر ذلك.
ولأن عمر ﵁ جاء وأخبر أنه رأى مثل ذلك فقال النبي ﷺ "الله أكبر" وذلك أثبت فاستدل برؤيا عمر على الثبوت فلا يتوهم أن يكون عنده نص فيكتمه.
ولأن النبي ﷺ كان منهيًا عن كتمان الوحي وأمر بأن يبين للناس ما نزل إليهم.
وكذلك سليمان أفتى في غنم القوم بالرأي وداود معه وأصاب سليمان، وقوله: ﴿ففهمناها سليمان﴾ دليل مؤكد على أنه عمل بالرأي.
ولكن الصواب كله مضاف إلى الله تعالى وكذلك أفتى داود ﵇ عن سؤال الخصمين في باب النعاج بالرأي فإنه أجاب كما سئل ولم ينتظر وحيًا.
وقال الله تعالى لرسوله: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ فتبين أنه كان أذن بالرأي.
وكذلك الإجماع قد انعقد على عمله بالرأي في باب الحروب.
وكذلك سائر الأبواب لأنه كان يوحى إليه في الأبواب كلها فعلم أن الوحي لا يسد باب الرأي بل يقويه.
وباب الحرب أصل الدين لأنا لم نؤمر به إلا لإعلاء كلمة الله تعالى.
ولأن كون الرأي حجة لنا في باب الدين والأحكام من أشرف المراتب إذ باب الوحي متناهي وباب الرأي غير متناهي.
وفي قصر الأمر على الوحي ضرب حجر، وفي العمل بالرأي ضرب إطلاق فلا يجوز أن يحرم رسول الله ﷺ شرف الإطلاق وعموم الحجة، لكن فيه ضرب نقصان من حيث خوف الخطأ فكان الرسول ﷺ مصونًا عنه فكان لا يقع رأيه الذي يقر عليه خطأ، لأن المشاهدة تحققت له حكمًا بالوحي، وكان هو من الله تعالى مثل صحابي يتكلم
[ ٢٥١ ]
بحضرته فلا يرد عليه فيكون تقريرًا على أنه صواب.
وأما قوله: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ فنزل في شأن القرآن، ولأن الهوى عبارة عن هوى النفس الباطل لا عن الرأي الصواب عن عقل، ونظر في أصل الشرع.
وأما قوله: الأحكام لله تعالى، فكذلك، ولا يحل لأحد وضعها اختراعًا ومشيئة، وإنما ذلك إلى الله تعالى يحكم ما يريد، وإنما يجوز للنبي ﷺ لعلمه أنه لا يقر على الخطأ فيصير التقرير بمنزلة الوحي.
وأما القول الأخير الذي هو الصواب فبناء على أن الرأي كان حجة له، ولكن على الترتيب كما في حقنا نحن يلزمنا أن ننظر في كتاب الله ثم بسنة الرسول ثم بالرأي، إلا أنا إذا علمنا أن الحادثة غير منصوص عليها اشتغلنا بالرأي ولم نقف ورسول الله ﷺ كان يقف متربصًا للوحي لأنه صاحبه، وكان تربصه للنزول بمنزلة تربصنا للتأمل في المنزل.
وأما قوله: بأنه كان صاحب الوحي، فلا يحل له العمل بالرأي الذي لا يوجب العلم. فالجواب: أنا لا نبيح ذلك إلا إذا عدم الوحي، ووجب العمل، ولأنه كان يعلم أن رأيه الذي يقر عليه يوجب العلم يقينًا كالوحي بخلاف غيره، والله أعلم.
[ ٢٥٢ ]
باب