وأما المشكل فوقت الحج، فالوقت أشهر الحج وهو: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة وهذه أسماء معرفة لشهورها تصير بها عينًا كزيد وأحمد، والسبت والأحد للأيام، والظهر والعصر للساعات، وهذا الوقت من سنته تلك لا يفضل عن حجة لأخرى لكن الحج يجب في العمر مرة واحدة، والله تعالى ما عين أول السنة للأداء فيها حتى يكون الوقت متضيقًا لا يفضل عن الأداء، ولا يعلم يقينًا بالعشر سنين حتى يكون متوسعًا يفضل بعض الوقت عن الأداء فسميناه مشكلًا إن مات فهو متضيق وإن عاش فهو متوسع.
فإن قيل: إذا عاش لم يكن الوقت عينًا والوقت أشهر الحج من سنة من جملة سني عمره.
[ ٦٧ ]
قلنا: إنما سميناه عينًا لأن الاسم في الأصل اسم معرفة على ما قلنا، وإنما تحصل الجهالة بحكم المعارضة كقولنا: زيد اسم معرفة، وإذا اجتمع رجال تسموا بزيد صار المسمى به مجهولًا بحكم المعارضة، لا لأن الاسم في نفسه نكرة فكذلك هذا وليس بمعيار على ما قلناه في الصلاة.
وأما المعيار فوقت الصوم فإن الصوم الشرعي لا يثبت قدره الذي يتم عنده عبادة إلا بوقته وهو اليوم يتم بتمامه، وينتقص بانتقاصه لا بفعل يشاهد من الصائم يعرف قدره بنفسه فإنه ترك ما يتصور تقديره إلا بزمان يذكر.
ونظيره من المعاملات ذكر اليوم في إجارة الرجل نفسه يومًا بعمل ما فإن اليوم معيار، لأن العقد وقع على منافع يومه، والمنافع لا يمكن معرفة قدر لها بالإشارة إليها بل بزمان يذكر وإنما تكون بذكر المدة، ونظير الأول رجل آجر نفسه ليخيط هذا الثوب قميصًا بدرهم اليوم فإن اليوم لا يكون معيارًا، لأن العمل الذي يجعل الثوب مخيطًا قميصًا مما يعلم قدره بتغيير صفة الثوب وتمامه بصيرورة الثوب قميصًا، وذلك معلوم من الثوب لا بالوقت فلم يصر الوقت معيارًا بل بيانًا لطلب الأداء فيه.
ثم العين منه كرمضان فإنه اسم معرفة لذلك الشهر لا يشاركه سائر الشهور من السنة فيه، فيكون عينًا معرفة لا جهالة فيه بوجه والنكرة كقوله تعالى: ﴿فصيام ثلاثة أيام﴾ فالصوم مؤقت باليوم لا يجوز تأديته بالليل، وقولنا يوم لتمييز جنس النهار عن الليالي، وهذا الجنس يشتمل على أعداد كثيرة كل فرد منها يسمى يومًا فكان كقولك: رجل ودرهم وكقوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾ وكذلك قوله تعالى: ﴿فصيام شهرين﴾، ولأن الشهر اسم لزمان أمد من اليوم كاليوم من الساعة ثم هو في نفسه يشتمل على أعداد كثيرة كل فرد يسمى شهرًا.