الْمَذْهَب: سنتَانِ فِي الطهارتين.
عِنْدهم: واجبتان فِي الْغسْل.
الدَّلِيل من الْمَنْقُول:
لنا:
حَدِيث أم سَلمَة وَقَوله ﵇: " يَكْفِيك أَن تحثي على رَأسك ثَلَاث حثيات من مَاء ثمَّ تفيضي عَلَيْك المَاء فَإِذا أَنْت قد طهرت "، ذكر الْغسْل وكيفيته، وَلم يذكر الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق.
لَهُم:
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن كُنْتُم جنبا فاطهروا﴾ .
[ ١ / ١٦٨ ]
أَمر بتطهير الْبدن وَهُوَ اسْم للجملة يَسْتَثْنِي مِنْهُ مَا يتَعَذَّر غسله.
وَقَالَ ﵇: " بلوا الشّعْر وأنقوا الْبشرَة، فَإِن تَحت كل شَعْرَة جَنَابَة ".
الدَّلِيل من الْمَعْقُول:
لنا:
عضوان باطنان من أصل الْخلقَة، فَلَا يجب غسلهمَا فِي الْجَنَابَة كباطن الْعين، ثمَّ هَذِه طَهَارَة عَن حدث فَلَا تجب فِيهَا الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق قِيَاسا على الصُّغْرَى.
لَهُم:
عضوان ظاهران فَوَجَبَ غسلهمَا.
بَيَانه: أَنه يجب غسلهمَا من النَّجَاسَة، يبْقى أَنه لَا يفْطر ببلع الرِّيق وَذَلِكَ للضَّرُورَة، ويقابله أَنه لَو جعل فِيهِ شَيْئا لم يفْطر.
مَالك: ق.
[ ١ / ١٦٩ ]
أَحْمد: واجبتان فِي الطهارتين.
التكملة:
الْمُدَّعِي الْخصم وَيَكْفِينَا الْمُطَالبَة، ونستدل على أَنَّهُمَا باطنان بِأَنَّهُ لَا يجب إِيصَال المَاء إِلَيْهِمَا فِي الْوضُوء وَلَا فِي غسل الْمَيِّت، ثمَّ مُوجب الْأَمر الْإِتْيَان بِالْغسْلِ، وَلَا خلف أَن من اغْتسل وَلم يتمضمض يُسمى مغتسلا، وَحَاصِل النّظر الْخَوْض فِي لفظ الْغسْل ومعارضة حَدِيث أم سَلمَة، ويلزمهم أَن الْعين تنجس بالكحل النَّجس وَهِي مَعَ هَذَا عُضْو لَا يجب غسله، ويعتذرون عَن غسل الْمَيِّت بِأَن الْمَضْمَضَة تَتَضَمَّن تَشْوِيه خلقته.
[ ١ / ١٧٠ ]
لوحة ١٤ من المخطوطة أ:
حد الْمُلَامسَة أَن يُفْضِي بِشَيْء من جسده إِلَى جَسدهَا (من غير حَائِل سوى الشّعْر) وَالسّن وَالظفر عَامِدًا أَو نَاسِيا، وَفِي الملموس قَولَانِ، وَفِي ذَوَات الْمَحَارِم قَولَانِ. وَلَا ننكر أَن الْكِنَايَة والتعريض والاستعارة وَالْمجَاز عَادَة اللِّسَان (الْعَرَبِيّ وَأَن صيانته عَن ذكر الْفَوَاحِش عفته) لَكِن لَا حَاجَة بِنَا إِلَى ذَلِك فِي مَسْأَلَتنَا فصريح لفظ اللَّمْس يُنَاسب نقض الطَّهَارَة، فتعسف اجتلاب شَيْء يكنى عَنهُ لَا حَاجَة إِلَيْهِ، وَبَيَان التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير فِي الْآيَة أَن قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة﴾، أَي من النّوم وينعطف عَلَيْهِ ﴿أَو جَاءَ أحد مِنْكُم من الْغَائِط﴾، وَيَتَرَتَّب عَلَيْهِ فِي الْمَعْنى قَوْله: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ ثمَّ قَالَ: ﴿وَإِن كُنْتُم جنبا فاطهروا﴾ فقد تمّ حكم الْحَدث والجنابة فِي حَال وجود المَاء، ثمَّ قَالَ: ﴿وَإِن كُنْتُم مرضى أَو على سفر﴾، وَهُوَ تعرض لحالة تعذر اسْتِعْمَال المَاء فِيهَا، وَقَالَ: ﴿فَلم تَجدوا مَاء﴾ بَين (أَن كل من يلْزمه) الْوضُوء وَالْغسْل عِنْد وجود المَاء يلْزمه التَّيَمُّم عِنْد عَدمه، وَلَا يُمكن عطف ﴿أَو لامستم النِّسَاء﴾ على قَوْله: (وَإِن كُنْتُم
[ ١ / ١٧١ ]
مرضى﴾، فَإِن الْمَرَض وَالسّفر ليسَا من أَسبَاب الْأَحْدَاث، وَاعْلَم أَن حكم الْمَرْأَة فِي اللَّمْس حكم الرجل (وَمَسّ الْمَيِّت كمس) الْحَيّ والفرجان سَوَاء، وَاعْتبر فِي الْخُنْثَى لامسا وملموسا (بِعَين الْفرج ومنابته) الذُّكُورَة وَالْأُنُوثَة (إِذا مس الْإِنْسَان) بِذكرِهِ دبر غَيره يَنْبَغِي أَن ينْتَقض وضوء؛ لِأَنَّهُ مَسّه بِآلَة مَسّه، وَالْمذهب أَنه لَا ينْتَقض (لِأَنَّهُ مس بدنه) بِبدنِهِ، فَإِن قيل: أَلَيْسَ لَو مس دبر غَيره بِيَدِهِ انْتقض وضؤوه؟ قُلْنَا: فرق بَين الْيَد وَالذكر، أَلا ترى أَنه لَو مس ذكره بِيَدِهِ نقض، وَلَو مَسّه بِغَيْر يَده لم ينْتَقض، وَاعْلَم أَن الرّيح من الْقبل كَالرِّيحِ من الدبر ينْقض الْوضُوء، والمسبار (هُوَ الْميل) والحقنة إِذا خرجا نقضا (الْوضُوء وَإِن) لم يخالطهما شَيْء.
من خرج مِنْهُ مني واغتسل، ثمَّ خرج مِنْهُ شَيْء آخر واغتسل أعَاد الْغسْل خلافًا لأبي حنيفَة فَإِنَّهُ إِن قَالَ إِن خرج قبل الْبَوْل أعَاد الْغسْل.
وَاعْلَم أَن المشيمة نَجِسَة، لِأَن مَا أبين من حَيّ فَهُوَ ميت، وَكلما يخرج من مخرج حَيّ فَهُوَ نجس، كالأبوال والأرواث.
[ ١ / ١٧٢ ]
قَالَ أَحْمد: طَاهِر مِمَّا يُؤْكَل لَحْمه.
فِي دم (السّمك) وَجْهَان: أَحدهمَا أَنه نجس، وَالثَّانِي طَاهِر، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة، وَاحْتج بِأَنَّهُ لَو كَانَ نجسا لوقف إِبَاحَة السّمك على إهراقه كَسَائِر الْحَيَوَان، وَدَلِيلنَا: ﴿حرمت عَلَيْكُم الْميتَة وَالدَّم﴾، وَمَا ذَكرُوهُ غير صَحِيح؛ لِأَن سفح الدَّم لَا لنجاسته بل لِأَن الذّبْح وَجه سهل فِي موت الْحَيَوَان.
وذرق الْحمام نجس خلافًا لمَالِك وَأحمد وَأبي حنيفَة.
دليلهم: إِجْمَاع النَّاس على تَركه فِي الْمَسَاجِد وَعِنْدنَا ذَلِك ضَرُورَة.
[ ١ / ١٧٣ ]