عاش القرافي ﵀ حياته كلها في خدمة العلم، تعلما وتعليما وتصنيفا، حتى أصبح إماما مجتهدا وعالما في كثير من العلوم، فلا تكاد تجد فنا من فنون العلم إلا
_________________
(١) شيخ الحنابلة علما وصلاحا، وديانة ورياسة، ولي التدريس بالمدرسة الصالحية، وولي قضاء القضاة مدة، كان مشهورا بمكارم الأخلاق، وحسن الطريقة، والمناقب المرضية، كان حسن السمت وضيء الوجه، كثير البر والصلة والصدقة والتودد والتواضع. ذيل طبقات الحنابلة (٤/ ١٤٣).
(٢) ينظر: الديباج المذهب (١/ ٢٣٦).
(٣) شيخ المالكية والشافعية بالديار المصرية والشامية في وقته، قدم من المغرب بمذهب الإمام مالك، وصحب العز بن عبد السلام وأخذ عنه الفقه الشافعي. الديباج المذهب (٢/ ٣٢٦).
(٤) المرجع السابق.
[ ٢٠ ]
وله مصنف فيه، مما يدل على سعة اطلاعه وشدة ذكائه.
فهو بالفقه ذو باع طويل، وباللغة لغوي متمكن، وبالأصول علم من أعلامه، وبأصول الدين سيف على اليهود والنصارى، وبالتفسير إمام، وله باع طويل في المنطق والكلام.
ولم تقتصر مكانته العلمية على العلوم الشرعية والعقلية، بل برع في الهندسة، والفلك، والحساب، والرياضيات، والجغرافيا وغيرها من الفنون.
ونقل ابن فرحون أن القرافي حرر أحد عشر علما في ثمانية أشهر، أو ثمانية علوم في أحد عشر شهرا. (^١)
ومن عجيب ما ذكره القرافي عن نفسه أنه: «أخبر عن القاضي الفاضل وزير الملك الناصر صلاح الدين، أنه جاءه رجل فقال له: عندنا صنم يتكلم، فذهب إليه معه، فوجد صنما من رخام أحمر قد أتى عليه الرمل إلا رأسه وهو ساكت.
فقال له الفاضل: ما له لا يتكلم؟ فقال له: تريد ذلك؟ فقال: نعم، فوضع الرجل إصبعه على ثقب في وسط رأسه، فمنع الريح من الخروج حتى تغمر باطن الصنم به، ثم فتح ذلك الثقب، فشرع الريح يخرج، وجعل الصنم يقول: "هاتان المدينتان كانتا لشداد وشديد ابني عاد، ماتا وصارا إلى التراب، من ذا الذي يبقى على الحدثان؟ " وطول في الحدثان تطويلا شديدا حتى فرغ الريح من جوفه، ثم أعاد سد ذلك الثقب، فأعاد القول بعينه مرارا، وهو لا يزيد على ذلك، ولا ينقص.
-قال القرافي:-وسر ذلك أن الكلام أصله الريح، الذي هو النفس، فإذا ضغطه الإنسان حدث الصوت من غير حرف، فإن قطع ذلك الصوت في مقطع مخصوص حدث الحرف المناسب لذلك المقطع، فصار الصوت عارضا للنفس،
_________________
(١) ينظر: الديباج المذهب (١/ ٢٣٦).
[ ٢١ ]
والحرف عارضا للصوت، لكن يشترط في المجرى ملوسة خاصة وصقال خاص، فإن تغير بطل الكلام، ألا ترى أن الإنسان إذ خشن حلقه بكثرة الصياح انقطع كلامه، أو بكثرة الرطوبة كما في النزلات الباردة انقطع كلامه أيضا، فمن استطاع أن يصنع مجرى على هذه الصورة تأتى له أن يتخيل على هذا الكلام من الجماد.
فعامل هذا الصنم صنع هذا المجرى، وسلط عليه الريح من مكان ينزل منه، ويخرج من رأس هذا الصنم، وإذا سد الثقب انبعث الهواء في ذلك المجرى المصنوع، فإذا فتح الثقب شرع الهواء يخرج من ذلك المجرى، ويتقطع في مقاطع وضعت فيه، فتحدث حروف في تلك المقاطع، فوضع في ذلك الصنم مقاطع حروف تلك الكلمات فقط».
ولم يتوقف الأمر عند هذا الجواب، بل قال: «وكذلك بلغني أن الملك الكامل وضع له شمعدان، كلما مضى من الليل ساعة انفتح باب منه، وخرج منه شخص يقف في خدمة السلطان، فإذا انقضت عشر ساعات، طلع شخص على أعلى الشمعدان وقال: "صبح الله السلطان بالسعادة، فيعلم أن الفجر قد طلع".
- قال القرافي: - وعملت أنا هذا الشمعدان وزدت فيه أن الشمعة يتغير لونها في كل ساعة، وفيه أسد تتغير عيناه من السواد الشديد إلى البياض الشديد، ثم إلى الحمرة الشديدة في كل ساعة لهما لون، فيعرف التنبيه في كل ساعة، وتسقط حصاتان من طائرين، ويدخل شخص، ويخرج شخص غيره، ويغلق باب ويفتح باب، وإذا طلع الفجر طلع شخص على أعلى الشمعدان وإصبعه في أذنه يشير إلى الأذان، غير أني عجزت عن صنعة الكلام!».
بل قال أيضا: «وصنعت أيضا صورة حيوان يمشي ويلتفت يمينا وشمالا، ويصفر ولا يتكلم». (^١)
_________________
(١) ينظر: نفائس الأصول (١/ ٤٤٠ - ٤٤٢).
[ ٢٢ ]
ومن ينظر في كتابه «الاستبصار فيما تدركه الأبصار» في تشريح العين والقرنية والشبكية، أو كلامه في باب الفرائض واستعماله للحساب والجبر (^١)، أو علمه بالفلك عند تحديد القبلة (^٢)، وغيرها من جوانب الإبداع في تصانيفه يجد أنه أمام إمام منقطع النظير.
ولما كان بهذا القدر من الذكاء والفطنة والعلم صدر للتدريس، فدرس بالمدرسة الطيبرسية (^٣)، وكان أول مدرس لها من المالكية، ودرس بجامع مصر.
ودرس بالمدرسة الصالحية (^٤) بعد وفاة الشيخ شرف الدين السبكي (^٥)، ثم أخرجت عنه لقاضي القضاة نفيس الدين ابن شكر (^٦)، ثم أعيدت إليه بعد مدة، وكانت آخر محطاته العلمية، وبقي مدرسا فيها حتى مات. (^٧)