كان القرافي ﵀ ذا شخصية علمية منهجية متميزة، فهو مولع بالبحث والتنقيب والاستشكال وبيان الدقائق والنكت والتنبيهات والفروق وغيرها من خصائص البحوث المتميزة.
وقد كان كثير السؤال عما لا يعرف، وكان يسأل بنفسه أصحاب المذاهب عن قولهم، أو صورة المسألة عندهم ولا يكتفي بما ينقل عنهم، فمن ذلك قوله في شرح التنقيح بعد نقله عن الجويني أن مذهب الحنابلة جواز التقليد في أصول الدين: قال: «مع أني سألت الحنابلة فقالوا: مشهور مذهبنا منع التقليد» (^١). (^٢)
وقال في مسألة تردد اللفظ بين الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح، كلفظ
_________________
(١) شرح تنقيح الفصول (ص ٤٠٠).
(٢) وينظر: العقد المنظوم (٢/ ٢٢٤)، نفائس الأصول (٢/ ٦٨٦، (٥٢٢)، (٤/ ١٨٠١، ١٩٠٢)، (٥/ ١٩٩٠).
[ ٥٩ ]
«الدابة» حقيقة مرجوحة في مطلق الدابة مجاز راجح في الحمار، قال: «هذه المسألة مرجعها إلى الحنفية، وقد سألتهم عنها ورأيتها مسطورة في كتبهم على ما أصف لك» (^١).
كما تميز بالهمة العالية والصبر في بحث المسائل، فقد ذكر عن نفسه أنه مكث يسأل عن جواب لإشكال عشرين سنة! قال: «إشكال عظيم صعب، لي نحو عشرين سنة أورده على الفضلاء والعلماء بالأصول والنحو، فلم أجد له جوابا يرضيني، وإلى الآن لم أجده، وقد ذكرته في شرح المحصول، وكتاب التنقيح، وشرح التنقيح، وغيرها مما يسره الله علي من الموضوعات في هذا الشأن» (^٢)، وهو استشكاله لنقل الأصوليين الخلاف في أقل الجمع دون التفريق بين جموع القلة والكثرة.
فهذه لمحة موجزة لجانب من الجوانب العلمية لشخصية القرافي ﵀، تمهد لنا بيان سبب من أسباب تراجعاته عن أقواله، فمن الطبيعي أن طالب العلم الباحث يشعر في نفسه بالتطور الفكري والمعرفي إن كان ملازما للعلم والبحث في الفترات القليلة، فكيف إذا كان منقطعا للعلم تعلما وتعليما وتصنيفا لأكثر من عشر سنوات؟! فنحن إذا أردنا تقدير الفترة الزمنية بين تصنيف الكتاب والشرح فإنها لا تقل عن إحدى عشرة سنة، بناء على النسخ الخطية المؤرخة، وهي فترة زمنية كفيلة بإحداث تطور فكري وعلمي للمؤلف، لاسيما أن المؤلف صنف في هذه الفترة ما يقارب عشرة مصنفات (^٣)، وكان منشغلا بشرح أصل الكتاب - المحصول - وتدريسه، فلذلك ذكر في شرح الكتاب عددا من التراجعات، وهذه التراجعات منوعة، فمنها المتعلق بالحدود، ومنها بأوجه الاستدلال، ومنها بنسبة الأقوال،
_________________
(١) شرح تنقيح الفصول (ص ١١٣).
(٢) العقد المنظوم (٢/ ٦٩).
(٣) بناء على إحالات كتبه المتأخرة على المتقدمة.
[ ٦٠ ]
ومنها ما يتعلق بمتابعته للرازي، ومنها بالاختيارات، وقد أثبتها كلها في محلها بالقسم التحقيقي للكتاب، وهي تقرب من الثلاثين تراجعا.