اتفق من ترجم للقرافي ﵀ أنه توفي في «دير الطين» (^١) وصلي عليه ودفن بالقرافة، غير أنهم اختلفوا في سنة وفاته على قولين:
* القول الأول: أنه توفي في يوم الأحد آخر يوم من جمادى الآخرة عام أربعة وثمانين وستمائة (٦٨٤ هـ)، وهو القول المذكور في كتب تراجم المالكية (^٢)، وذكره الحافظ الذهبي (^٣)، وهو القول المشهور الذي عليه عامة الباحثين.
ووجه هذا القول: أن المالكية أعلم برجال مذهبهم، وتأييد الذهبي له يزيده قوة؛ فهو حجة في تأريخ الرجال، مع ما فيه من زيادة علم بالتنصيص على يوم الوفاة.
* القول الثاني: أنه توفي سنة اثنتين وثمانين وستمائة (٦٨٢ هـ)، وهو قول الصفدي (^٤)، وتبعه عليه ابن تغري بردي (^٥)، واختاره د. طه محسن (^٦)، ود. أحمد الختم (^٧).
ووجه هذا القول: أن الصفدي أقرب لزمن القرافي، والتقى بتلاميذه وشافههم وأخذ عنهم.
_________________
(١) قرية بمصر على شاطئ النيل، في طريق الصعيد، قرب الفسطاط متصلة ببركة الحبش عند العدوية. ينظر: معجم البلدان (٢/ ٥٢٠).
(٢) ينظر: الديباج المذهب (١/ ٢٣٩)، شجرة النور الزكية (١/ ٢٧٠).
(٣) ينظر: تاريخ الإسلام (٥١/ ١٧٧).
(٤) ينظر: الوافي بالوفيات (٦/ ١٤٧).
(٥) صاحب المنهل الصافي. ينظر: المنهل الصافي (١/ ٢٣٤).
(٦) محقق كتاب الاستغناء في أحكام الاستثناء. ينظر: الاستغناء في أحكام الاستثناء (ص ١٤).
(٧) محقق كتاب العقد المنظوم في الخصوص والعموم. ينظر: العقد المنظوم (١/¬٣٦).
[ ٤٤ ]
* الترجيح:
كلا القولين مشكل؛ فقد ذكر أصحاب القولين مع تحديدهم لسنة الوفاة، أن وفاته كانت:
- بعد وفاة صدر الدين ابن بنت الأعز (^١) ونفيس الدين المالكي (^٢)، وكلاهما توفيا سنة (٦٨٠ هـ).
- وقبل وفاة ناصر الدين ابن المنير (٦٨٣ هـ) (^٣).
فإذا كان أصحاب القول الأول يقولون إن وفاته كانت (٦٨٤ هـ) وينصون أنها كانت قبل وفاة ابن المنير الذي أجمعت كتب التراجم على وفاته سنة (٦٨٣ هـ)، فلا يستقيم قولهم.
ولا شك أن هذا دليل قوي جدا لأصحاب القول الثاني، ويعد فصلا في المسألة، غير أن محقق كتاب الذخيرة نقل عن محمد بن رشيد السبتي (٧٢١ هـ) صاحب كتاب «ملء العيبة بما جمع بطول الغيبة في الوجهة الوجيهة إلى الحرمين مكة وطيبة» الذي ذكر فيه رحلته للحج، أنه أراد قصد القرافي للأخذ عنه في مصر،
_________________
(١) هو عمر بن عبد الوهاب بن خلف، كان فقيها عارفا بالمذهب الشافعي، نحويا دينا صالحا ورعا قائما في نصرة الحق وولي قضاء القضاة بالديار المصرية، كان صاحب هيبة لا يمزح ولا يضحك ولا ينبسط. ينظر: تاريخ الإسلام (١٥/ ٣٩٦) تحقيق د. بشار عواد، طبقات الشافعية للسبكي (٨/ ٣١١).
(٢) تقدمت ترجمته (ص ٢٧).
(٣) هو أحمد بن محمد بن منصور المالكي، قاضي الإسكندرية وعالمها، أحد الأئمة المتبحرين في العلوم من التفسير والفقه والنظر والعربية والبلاغة والأنساب، أخذ عن جماعة منهم ابن الحاجب، وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام يقول: الديار المصرية تفتخر برجلين في طرفيها: ابن دقيق العيد بقوص، وابن المنير بالإسكندرية، له من المصنفات تفسير القرآن، ومناسبات تراجم البخاري، وغيرهما. ينظر: تاريخ الإسلام (٥١/ ١٣٦)، الوافي بالوفيات (٨/ ٨٥)، حسن المحاضرة (١/ ٣١٧).
[ ٤٥ ]
لكنه لم يتمكن من ذلك، فكتب في رحلته أسفا: "دخلت مصر عقب وفاته بثمانية أيام، ففات لقاؤه، فإنا لله وإنا إليه راجعون … وكانت وفاته يوم الأحد متم جمادى الأخيرة عام أربعة وثمانين وستمائة، ودفن يوم الاثنين غرة رجب، فلقيت أصحابه وقد فرق جمعهم" (^١)، فهذا دليل قوي جدا وموثق، ويوافق تاريخ الوفاة باليوم الذي ورد في القول الأول، وزاد عليه أنه بين أنه لم يدفن بنفس اليوم، إنما دفن بعده بيوم، وهو أقوى من جهة مباشرته للواقعة ومعايشتها.
وقد أخذت إحدى الأحداث الموثقة في شهر جمادى الأخر من نفس سنة (٦٨٤ هـ) من كتاب ملء العيبة ثم عملت جدولا بأيام الشهر، فوافق اليوم الأخير من الشهر يوم الأحد، فهذا مما يؤكد صحة القول.
إلا أن تحديد الوفاة قبل وفاة ابن المنير (٦٨٣ هـ) ما زال مشكلا، لكن لعل ما سبق من الأدلة والقرائن التي تؤيد القول الأول تكفي من حيث الجملة للميل إليه.
فإذا ذهبنا إلى هذا القول، يكون عمر القرافي ﵀ يوم وفاته ثمانية وخمسين (٥٨) عاما، حيث إن ولادته كانت سنة (٦٢٦ هـ) كما تقدم.
* * *
_________________
(١) ينظر: مقدمة الذخيرة (١/¬١٤)، وقد رجعت لكتاب «ملء العيبة» وهو يقع في خمسة أجزاء، والموجود منه بعض أجزائه، فمررت على الجزأين الخاصين بمصر عن الورود وعند الصدور فلم أقف على هذا النقل.
[ ٤٦ ]