حاز الكتاب على قيمة علمية فائقة، وتتجلى هذه القيمة في أمور عديدة، منها:
أولا: ما تقدم من مميزات الكتاب.
ثانيا: ما تقدم في المبحث السابق من عناية أهل العلم به شرحا وتقييدا
_________________
(١) شرح حلولو (١/¬٧).
[ ٧١ ]
واختصارا، فما كثرة هذه الجهود العلمية عليه إلا دليل على علو مكانته، وسمو منزلته، وجودته وأهميته.
ثالثا: أنه مختصر محكم سهل، وهذه الأمور الثلاثة إذا اجتمعت في كتاب انتشر بين الناس وانتفعوا به، فهو مختصر غير مطول فلا تفتر عنه الهمم، وهو محكم من غير إخلال؛ لأن الاختصار يكون في بعض الأحيان سببا للإخلال بالمادة العلمية، وهو سهل من غير تعقيد كما هو الحال في بعض المختصرات.
رابعا: أنه سطر بأنامل عالم أصولي فقيه لغوي بارع، شهد له أهل العلم بالإمامة في هذا الفن.
خامسا: أنه كان يدرس لطلاب العلم، وكثر الاشتغال به في حياة المؤلف، وهذا يبين لنا سبب كثرة النسخ الخطية المحفوظة عندنا اليوم، فضلا عن التالفة منها، ونظرا لهذا الإقبال الكبير من أهل زمان المؤلف على الكتاب حمله ذلك على وضع شرح له، كما صرح بذلك في مقدمة الشرح.
سادسا: أنه حفظ لنا شيئا من آراء كبار الأصوليين الذين اندثرت كتبهم أو لم تر النور بعد، كالقاضي عبد الوهاب وكتابه «الإفادة».
سابعا: أنه يعد من أهم المصادر الأصولية عند المالكية.
ثامنا: قيمة المصادر الأصيلة التي اعتمدها في جمع مادة الكتاب لا شك أنها تضاف إلى قيمة الكتاب العلمية.
* تاسعا: ثناء العلماء عليه:
* قال أبو العباس حلولو (٨٩٨ هـ) في بيان الباعث له لشرح الكتاب: «ما رأيته من تشاغل المريدين لقراءة علم أصول الفقه به دون غيره؛ لما اشتمل عليه من واضح العبارة، وبين الدلالة والإشارة، مع ما فيه من العزو في بعض المسائل
[ ٧٢ ]
لأهل المذهب ..» (^١).
* قال أبو علي الشوشاوي (٨٩٩ هـ): (وهذا التأليف من أجل التأليفات وأفضل المختصرات؛ لاشتماله على قواعد الأصول ومبانيها، واحتوائه على ما لابد للفقيه منه) (^٢).
* قال الشيخ محمد جعيط (١٣٣٧ هـ) مفتي الديار التونسية: «وقد فشا عندنا بالجامع الأعظم في الديار التونسية، تعاطي المالكية لأصول السادة الحنفية والشافعية، والسر في ذلك: عدم وجود الكتب المؤلفة في أصول مذهب مالك، ولم يجر عندنا بحرها العباب، ولم يوجد منها سوى تنقيح العلامة الشهاب» (^٣).
* قال الشيخ الطاهر ابن عاشور (١٣٩٣ هـ): «فإنه - يعني كتاب التنقيح - جمع فوائد عزت عن أن تسام، واستوعب مسائل أصول الفقه بما ليس ورائه للمستزيد مرام» (^٤).
* ونظم الشيخ المؤرخ عباس بن إبراهيم المراكشي (١٣٧٨ هـ) في مدحه أبياتا [من البحر البسيط] فقال:
وفي الأصول مجاميع معددة … أخذن بالحسن تحقيقا وتهذيبا
لكن تنقيحها جمت فرائده … عمت فرائده قربن تقريبا
فمن فروع غريبة يحن لها … لب اللبيب له حببن تحبيبا
ومن دقائق غوص الفكر أخرجها … لنا جواهر ما ثقبن تثقيبا
لاسيما شرحه السامي الفريد لدى … تقريره فلهذا كان مطلوبا
فاعكف على ذين درسا أو مطالعة … إن رمت فيها على التحقيق تدريبا (^٥)
_________________
(١) شرح حلولو (١/¬٦).
(٢) رفع النقاب (١/ ٩٤).
(٣) حاشية جعيط (١/¬٣).
(٤) حاشية ابن عاشور (١/¬٣).
(٥) كناشة عباس بن إبراهيم المراكشي (ص ١٤٦).
[ ٧٣ ]