﷽
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد:
فإن كتاب «تنقيح الفصول في علم الأصول» لأبي العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي المالكي (٦٨٤ هـ)، من أهم المختصرات الأصولية، وقد كتب الله ﷿ له القبول، وكثر اشتغال أهل العلم به من حياة المؤلف إلى يومنا هذا، حتى قال الشيخ محمد جعيط (١٣٣٧ هـ) - مفتي الديار التونسية ﵀ -: «وقد فشا عندنا بالجامع الأعظم في الديار التونسية، تعاطي المالكية لأصول السادة الحنفية والشافعية، والسر في ذلك عدم وجود الكتب المؤلفة في أصول مذهب مالك، ولم يجر عندنا بحرها العباب، ولم يوجد منها سوى تنقيح العلامة الشهاب» (^١)، وهذا مما يدل على إخلاص مؤلفه وحسن قصده، إضافة إلى ما امتاز به من إحكام وإتقان وإحاطة لأهم مهمات هذا العلم، مع حسن التبويب والترتيب، كما اشتمل على قواعد وفوائد وفروق أصولية لا توجد إلا فيه.
وقد وفقني الله سبحانه بأن كان هذا الكتاب هو محل دراستي في الماجستير، وقد بذلت وسعي فيه، واجتهدت فيه غاية الاجتهاد، فجمعت نسخه، وضبطت نصه، وفقرت عباراته، ونبهت على تراجعات المؤلف فيه، وتعقبات واستدراكات الشراح عليه، وقدمت له بمقدمة بينت فيها شيئا من جلالته، وترجمت فيها لمؤلفه، واستوعبت فيها الكلام عن آثاره.
ثم إني أعدت النظر فيه بعد الفراغ منه، فرأيت تهذيبه من المتطلبات الأكاديمية قبل طباعته، فخففت منه قرابة الثلث، فحذفت واختصرت منه بعض
_________________
(١) حاشية جعيط (١/¬٣).
[ ٥ ]
الفصول الدراسية، وحذفت تراجم الأعلام المشهورين، واختصرت تخريج الأحاديث، وحذفت أرقام الألواح، وحذفت بعض الفهارس وأمورا أخرى.
ولا يخفى ما يمر به كل باحث من معاناة نفسية في مراجعة عمله قبل إخراجه للناس، حتى إن بعض الفضلاء قد تصده رغبة الكمال عن إخراج جهده الذي ظل يعاني فيه السنتين والثلاث، فلا هو الذي أخرجه، ولا فسح المجال لغيره لإخراجه، وحتى لا يكون حالي كحالهم رأيت المبادرة إلى إخراجه على الرغم من رغبة في النفس لإعادة النظر فيه، لكن الظن بمن وقف على خلل فيه، أو زلة قلم، أو نبوة فهم، أن يبادر إلى إصلاحه، وأن يشعرنا به لتعديله، فالأذن مصغية والصدر منشرح.
ومن الأمور التي يبارك الله فيها بالأعمال؛ نسبة الفضل لأهله، فما كان هذا العمل ليخرج بهذه الصورة إلا بفضل الله ﵎ ثم بفضل شيخي أ. د. عبد العزيز بن محمد العويد - حفظ الله - الذي شرفني بالإشراف على هذا العمل، ورفع من مستواه، وأحاطني برعايته، وأحلني محل السواد من العين، والروح من الجسد، فجزاه الله خير ما جزى شيخا عن تلميذه.
ولا يفوتني في هذ المقام أن أشكر ثلة من الفضلاء، وهم:
أولا: فضيلة الشيخ د. نصف بن عيسى العصفور؛ فقد كان اختياري لهذا الكتاب اقتراحا وتشجيعا منه، فشكر الله له، وجعله في ميزانه.
ثانيا: أشكر فضيلة الشيخ أ. د. عبد العزيز بن علي النملة رئيس قسم أصول الفقه بجامعة القصيم - سابقا -، فقد كان نعم المعين خلال فترة إرشاده لي، مع ما كساه الله من دماثة خلق وكرم نفس، فجزاه الله عني خيرا.
ثالثا: أشكر فضيلة الشيخ د. محمد بن مهدي العجمي، والشيخ د. محمد بن طارق الفوزان، على ما قدماه لي من نصائح وتوجيهات علمية، فلهما مني كل
[ ٦ ]
محبة وتقدير وإجلال، وأسبغ عليهما ربي نعمه الظاهرة والباطنة.
وأخص بالشكر أخي الكبير، فضيلة الشيخ د. منصور بن عدنان العتيقي، الذي لا أجازيه إلا بالدعاء على أخوته الصادقة وإفادتي بملحوظاته القيمة حول الكتاب على الرغم من كثرة أشغاله وضيق وقته، فرفع الله قدره، وأعلى شأنه، وأسبل عليه ستره.
وأخيرا: فإني أحمد الله وأشكره، فما كان ليتيسر شيء من هذا العمل لولا عونه وتوفيقه سبحانه، فله الحمد حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شاء من شيء بعد.
وفي الختام أيها القارئ لهذا العمل والناظر فيه، هذه بضاعة صاحبه المزجاة مسوقة إليك، وهذا فهمه وعقله معروض عليك، لك غنمه وعليه غرمه، ولك ثمرته وعليه عائدته، فإن عدم منك حمدا وشكرا، فلا يعدم منك مغفرة وعذرا. (^١)
والله المسؤول أن يجعله لوجه خالصا، وأن ينفع به في الدنيا والآخرة، إنه سميع الدعاء، وأهل الرجاء، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتبه
سعد بن عدنان الخضاري
غرة ذي القعدة سنة ١٤٤٠ هـ
الموافق ٣/¬٧ /¬٢٠١٩
Saad.alkhudari@gmail.com
_________________
(١) ينظر: طريق الهجرتين (١/¬١١).
[ ٧ ]
القسم الدراسي
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: التعريف بالمؤلف.
الفصل الثاني: التعريف بالكتاب.
الفصل الثالث: نسخ الكتاب ومنهج التحقيق.
[ ٩ ]