قال الحسن بن حامد: وكل ما ينقل عن أبي عبد الله من الأجوبة بأخاف أن يكون قد لزمه إذا خاف أن يكون قد أفسد صلاته أو حنث فذلك بأمره مستحق به أعلام الأحكام وبيان المراد.
صورة ذلك: ما قال أبو الحارث سألت أحمد عن رجل حلف أن لا يدخل الدار فحمل فأدخل الدار وهو غافل لا يريد الدخول قال: أخاف أن لا تجزئ. قيل له في صدقة الفطر قال أخاف أيضا أن لا تجزئ.
وقال مهنا قلت: قال لعبده: لا ملك لي عليك. قال: أخاف أن يكون عتق.
ونظائر هذا يكثر كل إذ أورد منه الجواب بهذه الصيغة، فإن ذلك علم لإيجاب الحكم ولإثباته، وهذا مذهب شيوخنا، قطع عبد العزيز وغيره به.
وقد يجيء على قول بعض أصحابنا إن ذلك لا يكون حتما، وإنما يكون على التوقي عن الفعل، وأنه يتنزه عنه، فأما أن يكون مفروضا فلا.
ومن يذهب إلى هذا فيستدل بما رواه مهنا قال: قلت لأبي عبد الله: حديث عبد الله بن وهب قال ثنا عمرو بن الحارث أن أيوب بن موسى حدثه أن يزيد بن عبد حدثه أن النبي ﷺ قال: يعق عن الغلام ولا
[ ١٢٠ ]
يمس رأسه. وقال في الإبل فرع وفرع. قال أحمد: ما أطرف هذا الحديث ولا أعرف هذا. قلت له: تنكره؟ قال: لا. فيقولون إنه لما كان قد قال لا أعرفه. وقال: ولا أنكره علمت أنه إذا قال أخاف فإنه لا عن قطع بذلك بل هو علم للتوقف والاحتمال للشيء لا غير ذلك. وهذا كله فلا تأثير له. والدليل على صحة قولنا إنا وجدنا الأمر في حل اللسان وذلك أنهم قد يركبون الزجر والنهي بالمخافة فيقولون لا تفعل لنا نخاف عليك، وهذا يخاف عليك منه، وقد ورد القرآن بذلك ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فمن خاف من موص جنفا﴾. الىية فأثبت الاسم في قوله خاف علما ليقين الخوف في الوصية كأنه قال فإذا ثبت أنه قد يخيفهم في وصية فلا إثم على الوصي في تغير وصيته والإصلاح فيما بينم، وإن خالفه فيما بناه في وصيته. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها﴾. وليس التسمية في قوله إن خفتم من حيث التظن والتشكيك، بل ذلك ليتبين الشقاق كأن قال فإذا تيقن الشقاق بينهما بعث الإمام عن كل واحد حكما. ومن ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾. الآية. قولوه: ﴿وخافوني إن كنتم مؤمنين﴾. وقوله ﷿: ﴿لا تخاف دركا ولا
[ ١٢١ ]
تخشى﴾. ونظائر ذلك كل فيه تقرير الزجر والردع والثبات عن عين الشيء وحقيقته، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما.
ثم الذي يدلك على ذلك أيضا من السنة ما قدمنا من حديث عطية السعدي عن النبي ﷺ أنه قال: لا تكون من المتقين حتى تدع ما لا بأس به خوفا مما فيه البأس. فأثبت النبي ﷺ في الزجر عن أعيان الحرام خوفا، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه في الكتاب والسنة لما ذكرنا أصلا. ثم إنا وجدنا العادات في عرف الناس أنهم يوقعون الزجر عن الشيء فالتحذير منه بتسمية الخوف، ألا ترى أنهم يقولون نخاف من هلكة ما به تحذيرا، ويقال خاف على ولده تحذيرا بمثابة الزجر عن الشيء نصا، فإذا ثبت هذا في الأصول كان ما ذكرناه سالما وبالله التوفيق.
فأما الجواب عن الذي قالوه من أن صيغة اللفظ لا تعطي الحتم فذلك فاسد إذ قد بينا إن صيغتهما تعطي الحتم، فعلى هذا يسقط السؤال ولو جاز أن يقال أن هذا لا يعطي حتما في الجواب جاز أن يقال إنه إذا قال: لا يعجبني هذا، إنه ليس بنهي عنه، فلما كانت هذه الألفاظ كلها علما للزجر والنهي ثبت بذلك سلامة ما ذكرناه.
وأما الجواب عن الذي قالوه من رده أنه نهى حيث قال: لا أعرف، هذا جوابه بالقطع على أنه يخاف القضية إلى ظاهرها حتم، وظاهر قوله لا أعرفه توقفا، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما.
[ ١٢٢ ]