قال الحسن بن حامد ﵀: إعلم وفقنا الله وإياك للصواب إن أجوبته إذا وردت وسؤالات عن الواجب بالحدود والفروض وكانت واردة بلفظ الأحب إلي. فذلك علم للإيجاب وبيان اختياره في الحادثة من الأقاويل وقد نقل عنه ذلك في تضاعيف كتبه والأقاويل.
صورة ذلك ما رواه أبو طالب في كتاب السلم قال: قلت له: إلى أجل معلوم أحب إليك؟ قال: أذهب إلى أنه أجل معلوم. وأهل المدينة لا تحتاج إلى أجل، والأجل أحب إلي، لقول النبي ﷺ.
وقال حنبل في الإيمان: إذا قال أكفر بالله؟ فقال أحمد: أحب إلي أن يكفر، ويستغفر الله ولا يعود.
وقال الحسن بن محمد بن الحارث سئل أبو عبد الله فيمن له مئة وعليه مئة يكفر؟ قال: أحب أن يكفر.
[ ١٢٣ ]
وقال علي بن سعيد فيمن جعل على نفسه صيام سنة؟ قال أحمد: أحب إلي في الفطر والأضحى أن يكفر ثم يقضي.
وقال حرب بن إسماعيل: قلت لأحمد: حديث عائشة كرهت أن تلبس الميت. وقال عمر كتب إليهم أن لا يلبسوا إلا ذكيا؟ فقال: نعم أحب إلي أن لا يلبسوا إلا ذكيا لحديث ابن عكيم.
وقال صالح عنه في الولاية من مات في السفر أنه يتولى رجل بيع متاعه، فأما الجواري فأحب إلي أن يبيعهن الحاكم.
وقال ابن مشيش: قلت رجلين قطعا يد رجل؟ قال: أما أنا أحب إلي أن يقطعا جميعا.
وقال ابن مشيش: قلت يروى عن علي يده ورجله، وأهل المدينة يديه ورجليه، وقول علي أحب إلي.
[ ١٢٤ ]
ونظائر هذا يكثر كل ما ورده عن مثله فإنه مستحق به أعلام الإيجاب والفرائض لا غير ذلك. وهذا قول عامة أصحابنا لا أعلم بينهم خلافا أن ما ورد عنه في هذه المسائل وإن كان بلفظ المحبة إن ذلك مثابة النص فيه حتما.
وقد ذكر أبو عبد الله مواضع التثبت من بعض أصحابنا شبهة حتى يجعلون كل جواباته بالأحب مفصلا واستحبابا فمن ذلك الذي نقله عنه إسحاق بن إبراهيم إذا أحدث في الطواف، قال ينصرف ويتوضأ ويبني وإن إستأنف كان أحب إلي. ومن ذلك أيضا ما رواه اسحاق بن إبراهيم قال: قلت النزول: أحب إليك بطرسوس أم بمكة؟ قال: بطرسوس أحب إلي.
قال أبو طالب: قلت: يذبح لغير القبلة؟ قال: لا. قلت: إلى القبلة أحب إليك؟ قال: نعم.
[ ١٢٥ ]
وقال صالح: قال أبي: يستحب أن يذهب إلى الجمعة راجلا. ومن ذلك ما قاله في النكاح أحب أن يعرف ويضرب عليه بالدف. وإن كان هذا استحبابا، فكان كل جوابه كذلك.
ومن السنة أن يقول هذا أن يسميه الاستحباب في الكتاب التفضيل ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ألا تحبون أن يغفر الله لكم﴾ وهذا علم للاستحباب لا غير ذلك. وبنوا ذلك أيضا على أن الأمر كالألفاظ إذا حد في اللسان ألا ترى أنه يفرق بين أمر ما كان من الواجبات، وما كان من النوافل بلفظ الاستحباب. وإذا ثبت هذا كان جواب أبي عبد الله ﵁ في قوله أحب إلي أنه الفصل لا غير ذلك، وهذا كله فلا وجه. والدليل على صحة قولنا إنا وجدنا الواجبات لا يضر التعبير عنها بالمحبة أنا وقد ورد السمع بذلك ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله. إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾. وهذا الاسم لما قد ثبت أنه في أصله حتم. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه .. الآية﴾. وذلك أنهم يحبون فرائضه في موجبات وفائها، وقد ثبت أيضا من الأسماء بما شابه الاستحباب لفظ الإيجاب ألا ترى إلى قوله جل وعز ﴿حقا على المحسنين﴾. و﴿حقا على المتقين﴾. وكل ذلك اسم للواجبات، وقد جاءت السنة بنظير ذلك، وهذا الحديث في قصة أسامة.
أخبرنا أبو زيد قال ثنا محمد قال ثنا محمد بن إسماعيل قال ثنا قتيبة بن
[ ١٢٦ ]
سعيد، عن إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: بعث رسول الله ﷺ بعثا وأمر عليهم أسامة بن زيد، فطعن الناس في إمارته، فقام رسول الله ﷺ فقال: إنكم تطعنون في إمارته فقد طعنتم في إمرة أبيه من قبله، وأيم الله إن كان لخليق الإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إلي، وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده. وقد ثبت أن هذه تسمية مختصة بما يتعلق بشأن الإمارة، ولا يجوز أن ينطق أنه كان أحب إليه من الصديق ولا الفاروق ولا ذي النورين ولا زوج البتول. فإذا ثبت هذا علمت أنه قصد بذلك إلى قصد البيان عن الإمارة فكأنه كـ أحب الناس إليه فيما ولاه إياه من هذا البعث الذي طعنتم في ولايته فيه وهذا عبارة عن الإيجاب لا غير ذلك. ومن أدل الأشياء فتواه والذي تعلق بالحدود لا يجوز أن يدخله تخيير واستحباب إذ للقصاص لا يقال في أخذ اليدين أحب اليدان من اليد الواحدة إذا نيل من جناية لا يبعد، وإنما يدخل الاستحباب عبارة عن الإيجاب كأنه قال: هذا أحب لو أحسن إلي لا غير ذلك. وكذلك في كل مسائله في الكفارات وقيم الصدقات وأدى قيمة الإطعام في كل الكفارات، كل لا يدخله تخيير، وإنما يفصل بين الواجبين، وإن كان بلفظ التفضيل والاستحباب.
فأما الجواب عن الذي قالوه من أصل المذهب فالروايات عن أبي عبد الله فذلك لا يضر ما إذ ليس بمجرد قوله أحب إلي في العيدين علم نفي الفرض، وكذلك في باب النزول بطرسوس وما قاله في الذبح إلى القبلة أنه أحب إليه كان ذلك ليس من ظاهر الجواب علم، وإنما علمنا ذلك من بيانه، فالمذهب باق بحاله فيما لم يقارن دليل إسقاطه.
[ ١٢٧ ]
جواب ثان - وهو أنا وجدنا هذه الأشياء أصلها غير حتم فكان جوابه بالأحب إذن في أولى الاستحبابين فيجب أن يكون إذا صدر جوابه عن الواجبات أن يكون بيانا لأحد الواجبين واطراحا للآخر، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما وبالله التوفيق.
[ ١٢٨ ]