قال الحسن بن حامد: إذا صدر الجواب من إمامنا في مسألة بأن يقول: لا تجزئ، أو طلاق يقول: أخشى أن يقع، أو ما شابه ذلك، فكله علم للتحريم كأنه قال قد وقع الطلاق ونفذ العتاق.
وصورة ذلك في مذهبه من جوابه في عدة مواضع:
قال صالح: قلت لأبي: صلاة الجماعة؟ قال: أخشى أن تكون فريضة، ولو ذهب الناس يجلسون عنها لتعطلت المساجد، يروى عن علي ﵇ وابن مسعود فذكر الحديث.
[ ١١٤ ]
وقال مهنا: قلت لأبي عبد الله حلف أن لا يلبس من غزلها، فلبس ثوبا فيه الثلث من غزلها؟ قال: أخشى أن يكون قد حنث.
وقال الأثرم: قلت: أعطيت لكل مسكين؟ قال: نحن لا نرى القيمة. قلت: ما ترى؟ قال: لا أشير عليك ونحن نخشى أن القيمة لا تجزئ.
[ ١١٥ ]
وقال ابن إبراهيم عنه: قلت: إذا قال: حلفت، ولم يكن حلف؟ قال: أخشى أن يكون قد حنث.
وقال ابن منصور: أخشى أن يكون قد وجب عليه الطلاق.
ونظائر هذا يكثر فكل ما نقل عنه جواب بهذا اللفظ فإنه في التحريم أصل سواء كان مع جوابه استدلال أو كان منه الجواب على الإطلاق. وقد رأيت بعض أصحابنا يقف عن القطع بهذا ويقول لا يجب أن يقطع عليه بإثبات القول ألا ترى أن أبا عبد الله يقول في كتاب الطلاق: إذا قال الحل عليه حرام يعني به الطلاق أنه قال: أخشى أن يكون ثلاثا ولا أفتي به. قالوا: فإذا ثبت هذا كان لفظه الذي ثبت به الأحكام هو ما ثبت فيه الجواب، وإذا قال أخشى فإنه تعليق منه على غير إثبات فيجب أن لا ينسب إليه القطع به. وهذا فلا وجه لقائله.
والدليل على صحة قولنا إنا وجدنا ألفاظ الزجر والنهي والأمر والفعل لها اتساع في اللسان كل موجبه واحد فقال إفعل كذا وينبغي لك أن تفعل كذا، ويقال يخشى عليك من كذا وأخشى من كذا، وكل ذلك أذن به بالامتناع عن الشيء والزجر عنه. وقد ورد الكتاب والسنة بصريح هذا، ألا ترى إلى قوله ﷿: ﴿ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه﴾. الآية فقطع
[ ١١٦ ]
بالتسمية في الخشية على عين الصدق في الطاعة. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله﴾. وذلك أيضا اسم لمن تحقق بالقول في الإيمان والطاعة والإحسان والأصول فذلك كله وإن ما عبر عنه بالاسم في الخشية فإنه بمثابة الاسم بالإحسان والطاعة سواء.
وقد ثبت أيضا في السنة نظير هذه التسمية، ألا ترى إلى حديث ابن زيد قال: كساني النبي ﷺ قبطية كان أهداها له دحية الكلبي فكسوتها امرأتي فقال النبي ﷺ: مرها فلتجعل تحت غلاله فإني أخشى أن يصف حجم عظامها. وقد روى دحية الكلبي قال: أتي النبي ﷺ بقباطي فأعطاني منها قبطية، قال: اصدعها صدعين، فاقطع أحدهما قميصا، واعط الآخر امرأتك تختمر بها فلما أدبر قال: وأمر امرأتك أن تجعل تحته ثوبا لا يصفها. فأثبت النبي ﷺ بقوله أخشى أمرا حتما بمثابة جوابه بالبتات لفظ الأمر فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما.
ومن أدل الأشياء إنا وجدنا عرف الناس وعادتهم قد جرى أنهم لا يطلقون اسم الخشية إلا عند وجود الآخر الذي الفرض دونه بزيادة على غيرها من أجله وقعوا تسميته بالخشية، ألا ترى أنهم لا يقولون نخشى على الرجل في هذا الطريق فإنه لا يكون إلا وتم عادات المفازة والملكة باليقين. ومن ذلك أيضا لا يقال لمريض نخشى عليه إلا وغالب عادة نظائره الهلكة، فإذا
[ ١١٧ ]
ثبت هذا في كل الأصول علمت أن جوابه في طلاق كان أو غيره بأخشى أنه ثبات للأحكام لا غير ذلك.
فأما الجواب عن الذي قالوه من أن الطلاق الجواب بأخشى لا تكسب بتاتا وهو في هيئته ضعيف، فذلك لا يؤثر شيئا ادخل المحرمات وارد من جهات يستوي حالها في الإيجاب، وإن تباينت في الألفاظ، ألا ترى إنا نقرر الجواب بأحدهما كما نقرره بأدونها، فإذا قال: إفعل ولا تفعل. فذلك أحد ألفاظ الأمر والنهي، وإذا قال: لا ينبغي لك، فإنه أدون من اللفظ الأول ومع ذلك فقد يتساويان في الموجب، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما، وإن لفظ الجواب بأخشى وإن كان أدون فإن موجبه بمثابة غيره سواء.
وأما الجواب عن الذي قالوه أن لفظه أخشى في اللسان من التوقف والإرتياء فذلك لا طريق إليه إذ هي في الأصول على ضد ذلك، وإنما تدخل في الأصول تحذيرا وإنذارا بمثابة الإنذار بما يقطع ألا ترى أنهم لا يقولون نخشى عليه من الأمير إلا ويوجب ذلك إنذار يعلم به التخيير كما يقولون به لا نقربه إنذارا، وكذلك عادات الناس في الأصول، فإذا ثبت هذا وكانت هذه الصيغة للإنذار كان ما ذكرناه في بابه كافيا.
وأما الجواب عن الذي قالوه عن أبي عبد الله في الحالف بالطلاق في أيمان البيعة إذا قال أعني به الطلاق، فذلك لنا فإنه لما قال: أخشى أن يكون ثلاثا، فإنه بمثابة قوله إنه ثلاث، ألا ترى إلى قوله ولا أفتي به، فعلمت أنه مستخف باللفظ البتات والقطع على يقين الثلاث.
جواب ثان- وهو أن أبا عبد الله وإن قال لا أفتي به، فنحن لا نأبى أنه لا يفتي بهما عنده لأحوال تغير من أماكن وذلك لأنه يجب التوقف عنه لأجل أنه شديد على الناس وفيه مكان تأويل وتحذير لأمر آخر فيقول لا أفتي به حتى يتأنى في ذلك وتستقر مقالات الأدلة فيه، كما نقول في هذه المسألة وما جاء في ذلك.
[ ١١٨ ]
جواب ثالث- وهو أن أبا عبد الله قد نقلت عنه في هذه المسألة أجوبة قد ذكرناها في نص المسألة في كتاب الطلاق فتارة قال قد أدخل فيها الألف ولام علة لاتباع الثلاث لأنه بلفظ الجمع، وتارة قال في دخول الألف: والله إنه ما يراه في جوابه إذ قال أنت الطلاق. وهذه مسألة تأتي في مكانها بما فيه غنية، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما وبالله التوفيق.
[ ١١٩ ]