صورة ذلك ما قاله الأثرم عنه قلت: النفساء رأت عشرين يوما دما. وعشرين يوما طهرا، ثم عاودها الدم؟ قال: تعود فتقضي الأيام التي صامتها وهي ترى الدم تحتاط.
ونظائر هذا كله عندي على أصل واحد.
وقال صالح عن أبيه المبتدئة بها الدم تحتاط لها فتجلس يوما وليلة.
وقال في النكاح في مسائل ابن منصور في الطلاق في النكاح بغير ولي إذا طلق ثلاثا يقع الطلاق احتياطا.
ونظائر هذا كله عندي على أصل واحد وإن جوابه إذا وجد بهذا القول، فإنه علم للإيجاب حتم وهذا غالب مذهب أصحابنا إلا أن بعض أصحابنا فرق في جملة هذه المسائل فقالوا في باب النكاح إن واجب، وفي باب المبتدئة بالدم كذلك.
[ ١٣٧ ]
وأما أمر النفساء فقالوا: ليس ذلك بواجب، وإنما هو على حد الاختيار لا غير ذلك، ومن ذهب إلى هذا احتج بإن لفظ الإيجاب لا يكون بأن يقول احتياطا، وإنما تدخلت هذه اللفظة على حد التوقي لا غير ذلك. وهذا كله فلا وجه له.
والدليل على صحة ما ذهبنا إليه أن اللفظ الذي يتحتم به الفعل له دخل في الإتساع فقد نفع به الأمر، ولعل موجبه بالاحتياط ويعلل بما يدخل من السكون والمعوزات والمجوزات ويعتبر ذلك من اللفظ الداخل على حد التفرقة والسبق، ألا ترى إلى قوله تعالى ﴿ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها﴾. ومن ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿ذلك أدنى أن لا تعولوا﴾. ومن ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله﴾. ونظائر ذلك وإن كان بلفظ التقريب والتسيف في التقدمة فإنه مستحق به الحتم والإيجاب. ومن السنة أيضا ما روي عن النبي ﷺ أنه قال في غشل اليدين ثلاثا لا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده. فإذا تبثث هذه الأصول فإن ما ذكرناه من الجواب مقرونا بالاحتياط إنه على الحتم والإيجاب وبالله التوفيق.
فأما الجواب عن الذي قالوه من أن لفظ الإيجاب الحتم والاحتياط علما للاستحباب، فذلك لا يؤثر شيئا إذ لا ينكر أن تكون علة الإيجاب الاحتياط
[ ١٣٨ ]
كما قلناه في غسل اليدين عند قيامه من نوم الليل، وأنكرنا على أبي حنفية وغيره حيث أبوا ذلك. فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما.
جواب ثان - وهو أنه قد ثبت وتقرر أن أمر نفيه للإيجاب لإعادة ما دخله الشك للاحتياط ألا ترى إلى قوله ﷺ فإن كانت شفعا كانت ترغيما للشيطان. فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما وبالله التوفيق.
[ ١٣٩ ]